لَقَدْ فَرَضَتِ السَّنَواتُ الأَخيرَةُ تَحَوُّلًا هَيْكَلِيًّا في فَلْسَفَةِ إِدارَةِ الِاقْتِصادِ العالَمِيّ، حَيْثُ لَمْ تَعُدِ الكَفاءَةُ وَخَفْضُ التَّكْلُفَةِ هُما الحاكِمَ الوَحيدَ لِحَرَكَةِ رُؤوسِ الأَمْوالِ وَسَلاسِلِ الإِمْداد، بَلْ أَصْبَحَ "الأَمْنُ الِاقْتِصادِيُّ" وَمُرونَةُ التَّوْريدِ مِعْيارًا مُتَقَدِّمًا يَسْبِقُ اعْتِباراتِ التَّوْفيرِ المالِيّ. فَمُنْذُ جائِحَةِ كورونا، مُرورًا بِالحَرْبِ الرّوسِيَّةِ - الأوكْرانِيَّةِ وَحَرْبِ غَزَّة، وُصولًا إلى التَّوَتُّراتِ الرّاهِنَةِ في الخَليجِ وَإيرانَ وَلُبْنان، تَكَشَّفَ لِلْجَميعِ مَدَى هَشاشَةِ سَلاسِلِ الإِمْدادِ العالَمِيَّةِ واعْتِمادِها المُفْرِطِ على مَراكِزِ إِنْتاجٍ بَعيدَةٍ جُغْرافِيًّا وَمُرَكَّزَةٍ هَيْكَلِيًّا في مَناطِقَ قَدْ لا تَضْمَنُ اسْتِمْرارِيَّةَ التَّدَفُّقِ في أَوْقاتِ الأَزمات.
بناء سلاسل إمداد عربية متكاملة أحد أهمّ أعمدة التحوّل المنشود
وَتُشيرُ التَّقْديراتُ الحَديثَةُ إلى أَنَّ اضْطِراباتِ المَمَرّاتِ المائِيَّةِ الحَيَوِيَّةِ في المِنْطَقَة، في ظِلِّ التَّوَتُّراتِ المُرْتَبِطَةِ بِطَهْران، قَدْ رَفَعَتْ تَكاليفَ الشَّحْنِ والتَّأْمينِ بِنِسَبٍ تَجاوَزَتْ 30% إلى 35% في بَعْضِ الخُطوطِ المِلاحِيَّة، وَهُوَ ما تَحَوَّلَ مُباشَرَةً إلى تَضَخُّمٍ مُسْتَوْرَدٍ أَرْهَقَ مُوازَناتِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، لا سِيَّما تِلْكَ المُسْتَوْرِدَةَ الصّافيةَ لِلْغِذاءِ والطّاقَةِ والتي تُعاني أَصْلًا مِنْ ضُغوطٍ على عُمُلاتِها المَحَلِّيَّة. وَلَمْ يَعُدْ مِنَ المَقْبولِ أَوْ المَنْطِقِيِّ الِاسْتِمْرارُ في نَموذَجِ "التَّصْنيعِ في المَكانِ الأَرْخَصِ" الذي أَثْبَتَ فَشَلَهُ عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبارٍ أَمْنِيٍّ حَقيقِيّ، بَلْ أَخَذَتِ القُوى الِاقْتِصادِيَّةُ تَتَّجِهُ نَحْوَ "التَّصْنيعِ في المَكانِ الأَضْمَن"، أَوْ ما يُعْرَفُ بِـ "Friend-shoring"، وَهُوَ تَحَوُّلٌ يَفْتَحُ نافِذَةً اسْتْراتيجِيَّةً أَمامَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّةِ لِإِعادَةِ تَوْطينِ جُزْءٍ مُعْتَبَرٍ مِنْ سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّةِ داخِلَ نِطاقِها الجُغْرافِيِّ المُتَرابِط.
غَيْرَ أَنَّ مُجَرَّدَ إِدْراكِ هَذِهِ الفُرْصَةِ التّاريخِيَّةِ لا يَكْفي في حَدِّ ذاتِه، إِذْ يَظَلُّ التَّحَدّي في القُدْرَةِ على الِانْتِقالِ مِنْ مَنْطِقِ الخِطاباتِ إلى مَنْطِقِ السِّياساتِ التَّنْفيذِيَّةِ والمَشْروعاتِ عابِرَةِ الحُدود. فالتَّكامُلُ الِاقْتِصادِيُّ العَرَبِيُّ ظَلَّ لِعُقودٍ رَهينَ شِعاراتٍ لَمْ تَجِدْ طَريقَها إلى التَّنْفيذِ الفِعْلِيّ، في ظِلِّ تَبايُنِ الأَوْلَوِيّاتِ الوَطَنِيَّةِ وَضَعْفِ الأُطُرِ المُؤَسَّسِيَّة. إِلّا أَنَّ الضُّغوطَ الرّاهْنَةَ والتَّهْديداتِ الوُجودِيَّةَ التي تَفْرِضُها الأَزماتُ الجِيوسِياسِيَّةُ قَدْ تَفْرِضُ مَنْطِقًا مُخْتَلِفًا، قِوامُهُ أَنَّ التَّكامُلَ لَمْ يَعُدْ أَداةً لِتَعْظيمِ المَكاسِبِ الِاقْتِصادِيَّةِ فَحَسْب، بَلْ أَصْبَحَ وَسيلَةً حَتْمِيَّةً لِإِدارَةِ المَخاطِرِ وَتَقْليلِ التَّعَرُّضِ لِلصَّدَماتِ الخارِجِيَّة.
أصبح من الضروري التوسّع في مشروعات الربط الكهربائي العربي الشامل
وَفي هَذا الإِطار، يَبْرُزُ مَسارُ بِناءِ سَلاسِلِ إِمْدادٍ عَرَبِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ كَأَحَدِ أَهَمِّ أَعْمِدَةِ التَّحَوُّلِ المَنْشود، حَيْثُ يُمْكِنُ تَوْظيفُ التَّنَوُّعِ النَّسْبِيِّ في المَوارِدِ العَرَبِيَّةِ لِصالِحِ إِنْشاءِ شَبَكَةٍ إِنْتاجِيَّةٍ أَكْثَرَ تَوازُنًا. فالدُّوَلُ ذاتُ القاعِدَةِ الصِّناعِيَّة، مِثْلَ مِصْرَ والمَغْرِب، قادِرَةٌ على تَوْفيرِ العَمالَةِ والبُنْيَةِ الإِنْتاجِيَّة، بَيْنَما تَمْتَلِكُ دُوَلُ الخَليجِ فَوائِضَ مالِيَّةً نَفْطِيَّةً وَإِمْكاناتٍ تِقْنِيَّةً هائِلَةً يُمْكِنُ تَوْجيهُها لِلِاسْتِثْمارِ الِاسْتْراتيجِيِّ في هَذِهِ السَّلاسِل، في حينِ تَحوزُ دُوَلٌ مِثْلَ السّودانِ والجَزائِرِ إِمْكاناتٍ زِراعِيَّةً وَمَعْدِنِيَّةً ضَخْمَة. وَإِذا ما أُحْسِنَ تَوْظيفُ هَذا التَّكامُل، يُمْكِنُ رَفْعُ نِسْبَةِ التِّجارَةِ البَيْنِيَّةِ العَرَبِيَّةِ - التي لا تَزالُ تَدورُ في حُدودِ 13% إلى 15% - إلى مُسْتَوَياتٍ تَقْتَرِبُ مِنْ 25%، خاصَّةً في القِطاعاتِ الِاسْتْراتيجِيَّةِ كالغِذاءِ والدَّواءِ والطّاقَة.
وَفي السِّياقِ ذاتِه، يَبْرُزُ قِطاعُ الطّاقَةِ كَأَحَدِ أَهَمِّ مَجالاتِ التَّكامُلِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك، لَيْسَ فَقَطْ لِوَفْرَتِهِ النِّسْبِيَّة، بَلْ نَتيجَةً لِحَساسِيَّةِ هَذا القِطاعِ تُجاهَ التَّوَتُّراتِ الجِيوسِياسِيَّة. فَقَدْ أَعادَتِ التَّطَوُّراتُ المُتَلاحِقَةُ في إيرانَ وَسينارْيواتُ التَّصْعيدِ المُحْتَمَلَةِ تَسْليطَ الضَّوْءِ على هَشاشَةِ مَمَرّاتِ الطّاقَةِ التَّقْليدِيَّة، وَأَظْهَرَتِ الحاجَةَ المُلِحَّةَ إلى تَنْويعِ مَساراتِ التَّصْديرِ والِاعْتِمادِ على شَبَكاتٍ إِقْليمِيَّةٍ أَكْثَرَ أَمانًا.
وَلَمْ يَعُدِ التَّنْسيقُ في مُسْتَوَياتِ الإِنْتاجِ كافِيًا، بَلْ أَصْبَحَ مِنَ الضَّرورِيِّ التَّوَسُّعُ في مَشْروعاتِ الرَّبْطِ الكَهْرَبائِيِّ العَرَبِيِّ الشّامِل، التي تُشيرُ التَّقْديراتُ إلى قُدْرَتِها على تَحْقيقِ وُفوراتٍ سَنَوِيَّةٍ قَدْ تَصِلُ - في سينارْيواتٍ مُتَحَفِّظَة - إلى عَشْرَةِ مِلْياراتِ دولارٍ، فَضْلًا عَنِ الِاسْتِثْمارِ في الهيدْروجينِ الأَخْضَرِ أَوْ مُنْخَفِضِ الكَرْبون، الذي يُمْكِنُ أَنْ يُشَكِّلَ رَكيزَةً لِمَكانَةِ المِنْطَقَةِ في الِاقْتِصادِ العالَمِيّ، وَيَضْمَنَ لَها مَقْعَدًا في خَريطَةِ الطّاقَةِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ بَعيدًا عَنْ تَقَلُّباتِ الوَقودِ الأَحْفورِيِّ وَصِراعاتِه.
التبعية النقدية المطلقة هي قيد يُكبّل النمو ويجعل القرار الوطني رهينًا لقرارات خارج الحدود
أَمّا على الصَّعيدِ النَّقْدِيِّ والمالِيّ، فَإِنَّ التَّحَوُّلاتِ في النِّظامِ الدَّوْلِيِّ تَفْتَحُ مَجالًا لِإِعادَةِ التَّفْكيرِ في مَوْقِعِ الدّولارِ داخِلَ المُعامَلاتِ العَرَبِيَّة. فَمَعَ تَصاعُدِ اتِّجاهاتِ "الدَّوْلَرَةِ العَكْسِيَّة"، وَتَنامي اسْتِخْدامِ العُمُلاتِ المَحَلِّيَّة، بَدَأَتْ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ بِالفِعْلِ في اسْتِكْشافِ بَدائِلَ عَبْرَ اتِّفاقِيّاتِ تَسْوِيَةٍ ثُنائِيَّةٍ أَوْ مِنْ خِلالِ مِنَصّاتٍ مِثْلَ "بُنى". وَلا يَقْتَصِرُ أَثَرُ ذَلِكَ على تَقْليلِ الِاعْتِمادِ الهَيْكَلِيِّ على الدّولار، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ خَفْضَ تَكْلُفَةِ التَّحْويلاتِ المالِيَّةِ البَيْنِيَّةِ بِنِسَبٍ تَصِلُ إلى 40%، وَتَعْزيزَ قُدْرَةِ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ على حِمايَةِ احْتِياطِيّاتِها مِنْ تَقَلُّباتِ السِّياسَةِ النَّقْدِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ المُتَشَدِّدَة، التي تُفْرَضُ مِنْ دونِ اعْتِبارٍ لِخُصوصِيَّةِ الدَّوْراتِ الِاقْتِصادِيَّةِ لِلدُّوَلِ النّامِيَة. إِنَّ هَذا التَّوَجُّهَ (وَإِنْ كانَ مَسارُهُ طَويلًا) يَتَطَلَّبُ شَجاعَةً سِياسِيَّةً وَرُؤْيَةً تُدْرِكُ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ النَّقْدِيَّةَ المُطْلَقَةَ هِيَ قَيْدٌ يُكَبِّلُ النُّمُوَّ وَيَجْعَلُ القَرارَ الوَطَنِيَّ رَهينًا لِقَراراتٍ خارِجَ الحُدود.
وَمَعَ ذَلِك، تَظَلُّ هَذِهِ المَساراتُ رَهينَةً بِوُجودِ إِطارٍ مُؤَسَّسِيٍّ مُبْتَكَرٍ قادِرٍ على تَحْويلِ الرُّؤى إلى واقِع، وَهُنا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الِانْتِقالِ مِنْ فِكْرَةِ "الإِجْماعِ الشّامِلِ" إلى مَنْطِقِ "المَشْروعاتِ القاطِرَة". والمَقْصودُ هُوَ تَشْكيلُ تَحالُفاتٍ مُحَدَّدَةِ الأَهْدافِ تَجْمَعُ دُوَلًا تَمْتَلِكُ الإِرادَةَ والقُدْرَةَ على تَنْفيذِ مَشْروعاتٍ بِعَيْنِها، مِنْ دونِ انْتِظارِ تَوافُقٍ كامِلٍ قَدْ يَطولُ أَمَدُه. وَيُتيحُ هَذا النَّموذَجُ التَّرْكيزَ على المَشْروعاتِ العابِرَةِ لِلْحُدودِ في مَجالاتِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ والرَّقْمَنَة، بِما يُسَهِّلُ التَّدَفُّقَ السَّلِسَ لِلسِّلَعِ والخِدْمات، وَيُعَزِّزُ التَّرابُطَ الفِعْلِيَّ على الأَرْض.
التكامل الاقتصادي العربي صار شرطًا للبقاء ونقطة انطلاق نحو استعادة السيادة الاقتصادية
في المُحَصِّلَة، لَمْ تَعُدِ التَّحَوُّلاتُ العالَمِيَّةُ وَمُسْتَجِدّاتُ الحَرْبِ في إيرانَ مُجَرَّدَ أَحْداثٍ عابِرَة، بَلْ أَصْبَحَتْ "جَرْسَ إِنْذارٍ" يُعيدُ طَرْحَ سُؤالِ الوُجودِ لِلِاقْتِصادِ العَرَبِيّ، في عالَمٍ لا يَعْتَرِفُ إِلّا بِالكُتَلِ الكُبْرى. فالعالَمُ يَتَّجِهُ نَحْوَ كِياناتٍ تَتَنافَسُ على القُدْرَةِ على الصُّمود، وَلا مَكانَ فيهِ لِلْوَحَداتِ الصَّغيرَةِ المَعْزولَة. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ التَّكامُلَ الِاقْتِصادِيَّ العَرَبِيَّ صارَ شَرْطًا لِلْبَقاء، وَنُقْطَةَ انْطِلاقٍ نَحْوَ اسْتِعادَةِ السِّيادَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ التي لا تُحَقَّقُ إِلّا مِنْ داخِلِ الإِقْليم، وَبِأَدَواتِه، وَلِصالِحِ شُعوبِه.
(خاص "عروبة 22")

