صُعودُ باكِسْتان: ماذا يَعْني عَرَبِيًا؟

مَنَحَتِ الحَرْبُ الأَميرْكِيَّةُ - الإِسْرائيلِيَّةُ على إيران، وَتَداعِياتُها على مِنْطَقَةِ الخَليجِ العَرَبِيّ، فُرْصَةً تاريخِيَّةً واسْتِثْنائِيَّةً لِصُعودِ دَوْرِ باكِسْتانَ في مِنْطَقَةِ الشَّرْقِ الاوْسَط، لَيْسَ فَقَطْ كَوَسيطٍ فاعِلٍ لِوَقْفِ الحَرْبِ والتَّوَصُّلِ إلى اتِّفاقٍ، لَكِنْ عَبْرَ إِعادَةِ تَمَوْضُعِ باكِسْتانَ اِسْتراتيجِيًّا، ما يُؤَهِّلُها لِقِيادَةِ المَنْظومَةِ العَسْكَرِيَّةِ الإِسْلامِيَّة.

صُعودُ باكِسْتان: ماذا يَعْني عَرَبِيًا؟

بَرْهَنَتِ الحَرْبُ على أَنَّ باكِسْتان، لَمْ تَعُدْ بَعْدَ الآنَ ذَلِكَ الشَّريكَ الاِسْتراتيجِيَّ البَعيد، فَقَدْ وَضَعَتْها الازْمَةُ في أُتونِ الحَرْبِ كَأَحَدِ ضَحاياها الاِقْتِصادِيّين، لَكِنَّ إِسْلامَ آبادَ حَوَّلَتِ المِحْنَةَ إلى مِنْحَةٍ على نَحْوٍ مُذْهِل.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ لُجوئِها إلى التَّنْسيقِ مَعَ مِصْرَ والسُّعودِيَّةِ وَتُرْكْيا كَمِنَصَّةٍ رُباعِيَّةٍ لِكَبْحِ جِماحِ الحَرْب، بَرَزَتْ باكِسْتانُ كَلاعِبٍ مُتَمَيِّزٍ وَسْطَ هَذِهِ المَجْموعَةِ مُسْتَفيدَةً مِنْ عَلاقاتِها مَعَ إِدارَةِ الرَّئيسِ الأميرْكِيِّ دونالد ترامب وايْضًا مِنَ الاِسْتِقْرارِ الذي تَحْظى بِهِ عَلاقَتُها مَعَ الخَليجِ وإيران، على الرَّغْمِ مِنَ التَّبايُناتِ المُخْتَلِفَة.

شيعَةُ الدّاخِل

لا يَخْلو الأمْرُ مِنْ بْراغْماتِيَّةٍ تَتَعامَلُ مَعَ مَنْطِقِ الوَقائِع، حَيْثُ يَعيشُ في باكِسْتانَ ثاني أَكْبَرَ طائِفَةٍ شيعِيَّةٍ في العالَمِ بَعْدَ إيران. وَمَعَ مُتابَعَةِ نَحْوَ أَرْبَعينَ مِلْيونَ مُواطِنٍ شيعِيٍّ، وَتَعَرُّضِ إيران المُجاوِرَةِ لِضَرَباتٍ أَميرْكِيَّةٍ وَإِسْرائيلِيَّةٍ واسِعَة، فَإِنَّ ارْتِباطَهُمْ الرّوحِيَّ بِإيران، كَمَرْجِعِيَّةٍ دينِيَّة، يُحَوِّلُ الجُغْرافْيا السِّياسِيَّةَ إلى قُنْبُلَةٍ داخِلِيَّةٍ مَوْقوتَة، مِمّا يُجْبِرُ إِسْلام آباد على لَعْبِ دَوْرِ الوَسيطِ لِتَجَنُّبِ انْتِقالِ شَرارَةِ الضَّرَباتِ الأميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ إلى شَوارِعِها.

وَتُدْرِكُ إِسْلام آباد أَنَّ لِمُمارَسَةِ الصَّمْت، أَوْ لاِدِّعاءِ الحِيادِ تُجاهَ اسْتِهْدافِ طَهْران، عَواقِبَ وَخيمَة، قَدْ تَصِلُ إلى حَدِّ المُقامَرَةِ بِالاِسْتِقْرارِ في الدّاخِلِ الباكِسْتانِيّ. لِهَذا تَدْعَمُ باكِسْتانُ المَنْظومَةَ الأمْنِيَّةَ الخَليجِيَّةَ دِفاعِيًّا، بَيْنَما تَرْفُضُ الاِنْخِراطَ في هُجومٍ مُباشِرٍ على إيرانَ لِتَجَنُّبِ اشْتِعالِ جَبْهَتِها الدّاخِلِيَّة.

وَتُعَزِّزُ الجالِيَةُ الباكِسْتانِيَّةُ الكَبيرَةُ في الخَليج، مَعَ التَّعاوُنِ الدِّفاعِيِّ الطَّويل، هَذا الصُّعودَ الذي تَخَطّى النَّواحِيَ العَسْكَرِيَّة، لِيَشْمَلَ أَيْضًا الجَوانِبَ الاِقْتِصادِيَّةَ والاِجْتِماعِيَّة.

المُحَرِّكُ الاِقْتِصادِي

كَما تُعْتَبَرُ الدَّوافِعُ الاِقْتِصادِيَّةُ لِباكِسْتانَ المُحَرِّكَ الأَبْرَزَ لِلَعِبِها دَوْرَ "الوَسيطِ الإيجابِيِّ"، حَيْثُ يَعْتَمِدُ اِقْتِصادُها على أَمْنِ المِلاحَةِ في مَضيقِ هُرْمُز، والذي يَمُرُّ عَبْرَهُ أَكْثَرُ مِنْ 80% مِنْ وارِداتِها النَّفْطِيَّة.

وَأَيُّ تَوَقُّفٍ قَدْ يُعَرِّضُ اِقْتِصادَ إِسْلام آباد لِلشَّلَلِ التّامّ، حَيْثُ لَيْسَ بِمَقْدورِهِ تَحَمُّلُ صَدَماتِ طاقَةٍ جَديدَة، خاصَّةً مَعَ اِسْتِمْرارِ مَشْروعِ "خَطِّ أَنابيبِ الغازِ الإيرانِيِّ - البّاكِسْتانِيِّ" الذي يُمَثِّلُ رِئَةً اِقْتِصادِيَّةً مُحْتَمَلَةً على الرَّغْمِ مِنَ الضُّغوطِ الأميرْكِيَّة.

وَتُراهِنُ إِسْلام آباد على اِسْتِثْماراتٍ خَليجِيَّةٍ بِمِلْياراتِ الدّولاراتِ لِتَعْزيزِ قِطاعَيْ الطّاقَةِ والتَّعْدين، وَهِيَ اِسْتِثْماراتٌ لَنْ تَتَدَفَّقَ في بيئَةٍ إِقْليميةٍ مُشْتَعِلَة، فيما تَسْتَهْدِفُ باكِسْتانُ تَحْويلَ أَراضيها إلى جِسْرٍ يَرْبِطُ بَيْنَ مَوارِدِ وَسَطِ آسْيا والخَليجِ العَرَبِيّ، وَهُوَ طُموحٌ يَقْتَضي تَحْييدَ إيرانَ عَنْ أَيِّ صِراعٍ عَسْكَرِيٍّ وَتَجَنُّبَ فَرْضِ عُقوباتٍ خانِقَةٍ قَدْ تَحْرِمُ باكِسْتانَ مِنْ شَريكٍ تِجارِيٍّ وَجارٍ جُغْرافِيٍّ يَمْتَلِكُ حُدودًا مَعَها بِطولِ 900 كيلومِتْر.

يُمَثِّلُ نُفوذُ باكِسْتانَ المُتَصاعِدُ في عَواصِمِ القَرارِ العَرَبِيّ، "قُوَّةً ناعِمَةً عَسْكَرِيَّة"، بِاعْتِبارِها الشَّريكَ الأَقْدَرَ على فَهْمِ العَقْلِيَّةِ الأمْنِيَّةِ الإيرانِيَّةِ وَإِقْناعِ طَهْرانَ بِتَقْديمِ تَنازُلاتٍ تَكْتيكِيَّة.

وَيَذْهَبُ البَعْضُ إلى حَدٍّ أَنَّ باكِسْتان، هِيَ الدَّوْلَةُ الوَحيدَةُ القادِرَةُ على رَدْعِ طُموحَاتِ إيرانَ الإِقْليميةِ مِنْ دونِ الحاجَةِ لِإِطْلاقِ رَصاصَةٍ واحِدَة، عَبْرَ التَّهْديدِ بِإِعادَةِ تَوازُنِ القُوى النَّوَوِيَّةِ في المِنْطَقَة.

وَتَهْدِفُ وَساطَةُ باكِسْتانَ بَيْنَ طَهْرانَ وَواشِنْطُن لِحِمايَةِ اِقْتِصادِها المُتَعَثِّر، لَكِنَّها تَمْنَحُها أَيْضًا نُفوذًا غَيْرَ مَسْبوقٍ في تَشْكيلِ أَمْنِ الطّاقَةِ العالَمِيّ.

وَيُعَدُّ الحِفاظُ على اِسْتِقْرارِ الحُدودِ مَعَ إيرانَ في إِقْليمِ بْلوشِسْتان، عامِلًا حاسِمًا لِتَجَنُّبِ تَكاليفَ أَمْنِيَّةٍ إِضافِيَّة، تُؤَثِّرُ على الاِقْتِصاد. وَمِنْ هَذا المُنْطَلَق، فَإِنَّ الوَساطَةَ تُعَزِّزُ مَصالِحَها الأمْنِيَّةَ والاِقْتِصادِيَّة إِذْ "تُدْرِكُ إِسْلام آباد أَنَّ اِسْتِقْرارَ مَضيقِ هُرْمُز هُوَ خَطٌّ أَحْمَرُ وَطَنِيّ، وَلَنْ تَسْمَحَ لِإيرانَ أَوْ إِسْرائيلَ بِتَقْويضِ أَمْنِ المِلاحَةِ الذي يُغَذّي أَسْواقَها".

وَتُرَكِّزُ العَقيدَةُ العَسْكَرِيَّةُ البّاكِسْتانِيَّةُ الآنَ على تَأْمينِ "المَمَرِّ الغَرْبِيّ"، كَمُناوَرَةٍ اِسْتراتيجِيَّةٍ "لِضَمانِ عَدَمِ عَزْلِها اِقْتِصادِيًّا مِنْ قِبَلِ المَحاوِرِ الإِقْليمِيَّةِ النّاشِئَة".

أَوْراقُ القُوَّة

وَرَفَضَتْ إِسْلام آباد الاِنْضِمامَ إلى "المِحْوَرِ السُّنِّيّ" في مُواجَهَةِ المِحْوَرِ الإيرانِيّ، الذي دَعا إِلَيْهِ رَئيسُ وُزَراءِ إِسْرائيلَ بِنْيامينْ نِتِنْياهو، لَكِنَّ تَنْسيقَها الأَمْنِيَّ مَعَ الرِّياض، يُظْهِرُ أَنَّها تَعْمَلُ كَحائِطِ صَدٍّ لِمَنْعِ تَمَدُّدِ إيران، عَبْرَ إِعادَةِ التَّمَوْضُعِ كَحارِسٍ لِمَصالِحِ الخَليجِ العَرَبِيّ، في تَحَوُّلٍ مِنْ شَأْنِهِ إِضْعافُ أَوْراقِ القُوَّةِ الإيرانِيَّةِ بِشَكْلٍ دْراماتيكِيّ.

وَثَمَّةَ مَخاوِفُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّهُ في حالِ فَشِلَتِ الوَساطَةُ البّاكِسْتانِيَّةُ في مَنْعِ "اِنْفِجارٍ إِقْليمِيٍّ شامِلٍ"، فَإِنَّ إِسْلام آباد سَتُضْطَرُّ لِلاخْتِيارِ بَيْنَ "هُوِيَّتِها الإِسْلاميةِ وَمَصالِحِها الاِسْتراتيجِيَّة".

لَطالَما سَعَتْ باكِسْتانُ تاريخِيًّا إلى الحِفاظِ على تَوازُنٍ دَقيقٍ بَيْنَ السُّعودِيَّةِ وَإيران، وَتَجَنَّبَتِ الاِنْحِيازَ في التَّنافُساتِ الإِقْليمِيَّة، وَهُوَ ما جَعَلَها مُؤَهَّلَةً لِلوَساطَة.

وَلَيْسَ سِرًّا أَنَّ القِيادَةَ البّاكِسْتانِيَّةَ تَعْتَبِرُ الحِيادَ الإيجابِيَّ في صِراعاتِ الخَليجِ ضَرورِيًّا لِلاِسْتِقْرارِ الدّاخِلِيّ.

وَهَكَذا، تَلْعَبُ باكِسْتانُ دَوْرَ الوَسيطِ مُسْتَفيدَةً مِنْ وَزْنِها العَسْكَرِيِّ والسِّياسِيّ، كَواحِدَةٍ مِنْ أَهَمِّ القُوى العَسْكَرِيَّةِ في العالَمِ الإِسْلامِيّ، مَعَ قُدُراتٍ اِسْتراتيجِيَّةٍ تَتَجاوَزُ جَنوبَ آسْيا.

وَلَعَلَّ ما يُبَرِّرُ اِهْتِمامَ العَرَبِ بِالدَّورِ الباكِستانِيِّ في أَيِّ أَزْمَةٍ إِقْليمِيَّة، هُوَ المَكانَةُ النَّوَوِيَّةُ لِباكِسْتان، حَيْثُ تُوَفِّرُ لَها عَلاقاتُها العَسْكَرِيَّةُ مَعَ دُوَلِ الخَليج، نُفوذًا يَفوقُ حَجْمَها الاِقْتِصادِيّ، ما يُعَزِّزُ فِكْرَةَ "الصُّعودِ العَرَبِيّ"، لَكِنْ بِهُدوء.

وَإذ يَبْدو الحِفاظُ على التَّوازُنِ التّاريخِيِّ الدَّقيقِ بَيْنَ الخَليجِ وَإيران، مُكْلِفًا في الصِّراعِ الشَّرْقِ أَوْسَطِيِّ الأوْسَع، يُمَثِّلُ الغِطاءُ الصّينِيُّ لِوَساطَةِ باكِسْتانَ ثِقْلًا دَوْلِيًّا أَكْبَر، كَوْنَها المَمَرَّ الاِقْتِصادِيَّ لِلصّينِ التي لَنْ تَسْمَحَ بِاِنْهِيارِ باكِسْتانَ أَوْ اِشْتِعالِ حَرْبٍ بِجِوارِها.. في مُقابِلِ تَحَدّي الهِنْدِ التي تُراقِبُ المَشْهَد، على أَمَلٍ في أَنْ يُغَيِّرَ اِنْشِغالُ باكِسْتانَ بِالشَّرْقِ الاوْسَط، التَّوازُناتِ في جَنوبِ آسْيا.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن