تَجَسَّدَتِ العُروبَةُ التَّعَدُّدِيَّةُ في الحُكومَةِ العَرَبِيَّةِ في دِمَشْقَ (1918-1920) وَالتي كانَ رِجالُها إلى جانِبِ الأَميرِ فَيْصَلٍ الْقادِمِ مِنَ الحِجاز، سورِيّينَ وَلُبْنانِيّينَ وَعِراقِيّينَ وَفِلَسْطينِيّين. لَكِنَّ الفَرَنْسِيّينَ بَعْدَ انْتِصارِ الحُلَفاءِ لَمْ يُقَسِّموا المِنْطَقَةَ إلى مَناطِقِ نُفوذٍ فَحَسْب، بَل قَسَّموها إلى مَناطِقَ وَدُوَيْلاتٍ ذاتِ طابَعٍ مَذْهَبِيّ. وَاسْتَطاعَتِ الوَطَنِيَّةُ السّورِيَّةُ أَنْ تُعيدَ تَوْحيدَ دَوْلَةِ "سورية" في الوَقْتِ الذي أُنْشِئَتْ فيهِ إِمارَةٌ في شَرْقِ الأُرْدُن، وَعَمِلَ الِانْتِدابُ البَريطانِيُّ على إِفْساحِ المَجالِ أَمامَ هِجْرَةِ اليَهودِ إلى فِلَسْطين.
في فَتْرَةِ ما بَعْدَ الحَرْبِ الْعالَمِيَّةِ الثّانِيَة، كانَتِ المِنْطَقَةُ تَعِجُّ بِالمَشاريعِ بَيْنَ تَقْسيمِ "سورية" إلى دُوَيْلات، وَبَيْنَ مَشْروعٍ هاشِمِيٍّ تَحَمَّسَ لَهُ نوري السَّعيد يُريدُ أَنْ يُقيمَ مَمْلَكَةً تَضُمُّ العِراقَ وَسورْيا وَالأُرْدُن. في تِلْكَ الآوِنَة، بَرَزَتِ النَّزْعَةُ القَوْمِيَّةُ العَرَبِيَّةُ بِتَأْثيرٍ مِنَ التَّياراتِ الأوروبِّيَّة، تُريدُ أَنْ تُنْشِئَ دَوْلَةً عَرَبِيَّةً ذاتَ هُوِيَّةٍ تَنْفي التَّعَدُّدِيَّةَ وَالتَّنَوُّع. وَهِيَ الفِكْرَةُ التي تَبَنّاها "حِزْبُ البَعْثِ" وَجَمال عَبْدِ النّاصِر مُنادِيًا بِأُمَّةٍ عَرَبِيَّةٍ واحِدَة.
الجمهورية الإسلامية عملت على "إِيران الكبرى" وتركيا تسعى لـ"الدولة العثمانية" وإسرائيل تراودها أحلام "الدولة الكبرى"
لَمْ يَتَحَقَّقِ الحُلْمُ النّاصِرِيّ، بَل تَعَثَّرَ في بِدايَتِهِ بَعْدَ أَنْ قامَتِ الوَحْدَةُ بَيْنَ مِصْرَ وَسورْيا وَلَمْ تَصْمُدْ سِوى ثَلاثِ سَنَوات (1958 – 1961)، في الوَقْتِ نَفْسِهِ الذي كانَتْ فيهِ تَسْتَقِرُّ وَتَتَوَطَّدُ الدُّوَلُ التي نَشَأَتْ بَعْدَ الحَرْبِ الْعالَمِيَّةِ الأولى، لِكُلٍّ مِنْها دُسْتورٌ وَعَلَمٌ وَجَيْشٌ وَنَشيد. هَذا الِاسْتِقْرارُ الْواقِعِيُّ الذي يُمْكِنُهُ أَنْ يَكونَ أَساسًا لِاتِّحادٍ يَجْمَعُ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ في صيغَةٍ تُشْبِهُ الِاتِّحادَ الأوروبِّيّ، كانَ على العَكْسِ مِنْ ذَلِك، أَساسًا لِنِزاعاتٍ حُدودِيَّةٍ وَطُموحَاتٍ إِقْليمِيَّة، وَخُصوصًا في مُحاوَلَةِ سورْيا التي يَحْكُمُها الأَسَد الهَيْمَنَةَ على القَرارِ اللُّبْنانِيّ، وَمُحاوَلَةِ صَدّام حُسَيْن إِلْحاقَ الكُوَيْتِ بِالعِراق، مِما أَدّى إلى اسْتِنْزافِ الطّاقاتِ التي كانَ يَنْبَغي أَنْ تُصْرَفَ في البِناءِ وَالتَّنْمِيَة.
هَذِهِ المِنْطَقَةُ المُنْهَكَةُ بِالصِّراعات، سَتَشْهَدُ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَةِ طُموحاتٍ وَأَوْهامًا كُبْرى، وَأَمامَ تَراجُعِ مَشْروعِ الوَحْدَةِ العَرَبِيَّة، بَرَزَ طُموحُ الجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ الإِيرانِيَّة، بَعْدَ إِسْقاطِ النِّظامِ المَلَكِيِّ البَهْلَوِيِّ الذي أَرادَ الهَيْمَنَةَ على مِنْطَقَةِ الخَليجِ العَرَبِيِّ بِاحْتِلالِهِ الجُزُرَ الثَّلاث، وَالتي عَمِلَتْ على مَشْروعِ إِيرانَ الكُبْرى، وَادِّعاءُ السَّيْطَرَةِ على عَواصِمَ عَرَبِيَّةٍ مِنْ بَغْدادَ إلى دِمَشْقَ إلى بَيْروتَ وَاليَمَن، وَإِهْدارُ الطّاقاتِ في صِراعاتٍ بَعْدَ أَنْ أَدْمَجَ النِّظامُ في إِيرانَ الطُّموحَ الْفارِسِيَّ بِالطُّموحِ الْمَذْهَبِيّ. وَتَبَيَّنَتْ بَعْدَ عُقودٍ هَشاشَةُ هَذا المَشْروعِ الذي كانَتْ كُلْفَتُهُ الإِنْسانِيَّةُ وَالْمادِّيَّةُ كَبيرَة. في تِلْكَ الأَثْناء، وَمَعَ بِدايَةِ القَرْنِ الوَاحِدِ وَالعِشْرين، أَيْ مُنْذُ ما يَقْرُبُ مِنْ رُبْعِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَن، فَإِنَّ تُرْكْيا "حِزْبِ العَدالَةِ وَالتَّنْمِيَة"، تَسْعى لِاسْتِعادَةِ ما تَعْتَبِرُهُ نُفوذَ الدَّوْلَةِ العُثْمانِيَّةِ التي كانَ لَها فيما مَضى.
لا بدّ من تظهير مشروع عربي يقوم على تطوير أشكال التكامل في البلدان العربية
يَتَّسِمُ المَشْروعُ التُّرْكِيُّ بِأُسْلوبٍ أَكْثَرَ وَاقِعِيَّةً بِتَوَسُّلِ الطُّرُقِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ على الأَساليبِ العَسْكَرِيَّة. كُلُّ ذَلِكَ ناجِمٌ عَنْ فَراغٍ حَقيقِيٍّ في المِنْطَقَةِ التي تَشْمَلُ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ الآسِيَوِيَّةَ خاصَّة. مِمّا يَدْفَعُ الإِدارَةَ الأَميرْكِيَّةَ إلى تَقْديمِ الدَّعْمِ المُتَواصِلِ لِإِسْرائيلَ التي تُراوِدُها أَحْلامُ الدَّوْلَةِ الكُبْرى مِنَ النّيلِ إلى الفُراتِ بِالِاسْتِنادِ إلى خُرافاتٍ وَمُعْتَقَداتٍ دينِيَّةٍ يَتَبَنّاها مُهاجِرونَ مِنْ بولونْيا وَروسْيا وَبَريطانْيا وَبُلْدانٍ أُخْرى يَتَزَعَّمُهُمْ مُتَطَرِّفونَ عُنْصُرِيّونَ تَدْعَمُهُمُ الإِنْجيلِيَّةُ الصُّهْيونِيَّة، وَالتي تَعْمَلُ مُنْذُ إِعْلانِ الكِيانِ على أَرْضِ فِلَسْطينَ بِكُلِّ الوَسائِلِ مِنْ أَجْلِ إِزْكاءِ الصِّراعاتِ وَدَعْمِ الأَطْرافِ التي تُراوِدُها أَحْلامُ التَّقْسيمِ وَالِانْفِصال.
إِزاءَ كُلِّ المَشارِيعِ الوَهْمِيَّةِ التي تَسَبَّبَتْ بِإِهْدارِ الطّاقاتِ وَإِزْكاءِ الصِّراعاتِ وَالتَّسَبُّبِ بِنُزوحِ المَلايينِ عَنْ أَراضيهِم، لا بُدَّ مِنْ تَظْهيرِ مَشْروعٍ عَرَبِيٍّ يَتَجاوَزُ أَوْهامَ القُوَّةِ مُسْتَفيدًا مِنْ تَجارِبِ الْماضي. يَقومُ على تَطْويرِ أَشْكالِ التَّكامُلِ في البُلْدانِ الْعَرَبِيَّة، تَتَجاوَزُ وَتَتَخَطّى إِطارَ جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ أَجْلِ إيجادِ صيغَةِ تَعاوُنٍ تَبْدَأُ مِنَ الأَساسِ الِاقْتِصادِيِّ في إِطارِ الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ التي تُشَكِّلُ ضامِنًا وَحاضِنًا لِلتَّكامُلِ وَالتَّعاوُنِ وَالِاسْتِقْرار.
(خاص "عروبة 22")

