التَّحَوُّلُ الرَّقْمِيُّ في البُلْدانِ العَرَبِيَّة!

لَيْسَ التَّحَوُّلُ الرَّقْمِيُّ مُجَرَّدَ قَراراتٍ سِياسِيَّةٍ تَتَبَنّاها الحُكوماتُ العَرَبِيَّةُ مَثَلًا، أَوْ يَقْتَصِرُ على إِطْلاقِ اسْتراتيجِيّاتٍ تِقْنِيَّةٍ وَمُبادَراتٍ وَمَشاريعَ رَقْمِيَّةٍ مُتَنَوِّعَة، وَتَشْكيلِ لِجانٍ فَنِّيَّةٍ في المُؤَسَّساتِ الحُكومِيَّة، وَتَخْصيصِ مَبالِغَ مالِيَّةٍ هائِلَةٍ لِلْقِيامِ بِهَذا التَّحَوُّلِ بِاعْتِبارِهِ جُهودًا كَثيرَةً مُتَنَوِّعَةً لِرَقْمَنَةِ الأَعْمالِ وَالمُنْتَجاتِ وَالخِدْماتِ وَتَحْويلِها مِنَ المُعامَلاتِ الوَرَقِيَّةِ إلى المُعامَلاتِ الإِلِكْترونِيَّةِ الرَّقْمِيَّة، وَلَوْ أَنَّ هَذِهِ المُعْطَياتِ هِيَ مِنْ ضِمْنِ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيّ، وَتُمَثِّلُ صورَتَهُ المُجْتَمَعِيَّةَ الظّاهِرَة. لَكِنَّ التَّحَوُّلَ الرَّقْمِيَّ في حَقيقَتِهِ هُوَ أَكْبَرُ وَأَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثير.

التَّحَوُّلُ الرَّقْمِيُّ في البُلْدانِ العَرَبِيَّة!

بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ حَقَّقَ نَجاحاتٍ لافِتَةً في هَذا الشَّأْن، خُصوصًا في المَشْهَدِ المادِّيِّ المَلْموسِ لِلتَّحَوُّل؛ وَلَعَلَّ هذه الدول تَقودُ اليَوْمَ التَّحَوُّلَ الرَّقْمِيَّ عَرَبِيًّا، مِثْلَ دُوَلِ الخَليج: الإِمارات وَالسُّعودِيَّة وَقَطَرَ وَالبَحْرَيْن. فَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الدُّوَلِ اسْتَطاعَتْ أَنْ تُحَقِّقَ حُكومَةً رَقْمِيَّةً مُتَقَدِّمَةً نِسْبِيًّا، وَتُؤَسِّسَ بُنْيَةً تَحْتِيَّةً قَوِيَّة، وَاقْتِصادًا رَقْمِيًّا مُتَنامِيًا.

في حينِ أَنَّ دُوَلًا عَرَبِيَّةً أُخْرى لَمْ تَزَلْ في مَرْحَلَةِ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ بِصورَةٍ تَدْريجِيَّة، وَتُواجِهُ مُشْكِلاتٍ كَبيرَةً بِشَأْنِه، مِثْلَ مِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَالأُرْدُن وَتونِس. فَهَذِهِ الدُّوَلُ تُعاني مِنْ مُشْكِلاتِ البيروقْراطِيَّةِ وَضَعْفِ التَّمْويلِ وَالفَجْوَةِ الرَّقْمِيَّةِ بَيْنَ مُؤَسَّساتِها.

بعضٌ من أهمّ السّمات الجوهرية للتحوُّل الرقمي لم يتحقّق بعد في أيّ بلد من البلدان العربية

بَيْنَما دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ أُخْرى تَأَخَّرَتْ كَثيرًا في هَذا المَشْهَدِ التَّحَوُّلِيِّ الرَّقْمِيّ، مِثْلَ ليبْيا وَالسّودانِ وَاليَمَنِ وَسورْيا، جَرّاءَ عَدَمِ اسْتِقْرارِها السِّياسِيِّ وَضَعْفِ بُنْيَتِها التَّحْتِيَّةِ وَنَقْصِ اسْتِثْمارِها الرَّقْمِيّ. وَالحَقيقَةُ أَنَّ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ مُجْتَمِعَةً لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إلى التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ الشّامِل، لِأَسْبابٍ عَديدَةٍ مُتَشابِكَة. ذَلِكَ أَنَّ التَّحَوُّلَ الرَّقْمِيَّ في جَوْهَرِهِ هُوَ مُسْتَوًى حَضارِيٌّ مُتَقَدِّمٌ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ المُجْتَمَعُ بِكَامِلِه. فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ عُمْقًا في الوَعْيِ التِّقْنِيِّ يَكْتَسِبُهُ المُجْتَمَعُ بِمُخْتَلَفِ فِئاتِهِ الاجْتِماعِيَّة، بَدْءًا مِنْ وَعْيِهِ بِالمَطْلوبِ الوُصولِ إِلَيْهِ مِنْ تَطَوُّرٍ اجْتِماعِيٍّ وَاقْتِصادِيّ، الأَمْرُ الذي يَعْني التَّطْويرَ المَعْرِفِيَّ وَالتَّنْويرَ الثَّقَافِيّ، العَقْلِيَّ وَالرّوحِيَّ بِالدَّرَجَةِ الأولى. ذَلِكَ فِعْلًا ما يُنْجِزُ المَرْحَلَةَ الحَضارِيَّةَ لِلمُجْتَمَعاتِ الرَّقْمِيَّةِ المُتَطَوِّرَة. فَالوَعْيُ هُوَ الوَجْهُ الحَقيقِيُّ لِلمَعْرِفَة، خُصوصًا حينَ يَكونُ الوَعْيُ مُتَحَفِّزًا لِلْعَمَلِ وَالإِنْجازِ وَالتَّفاعُلِ المُتَقَدِّمِ الذي يُمَثِّلُ حَقيقَةَ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ بِكُلِّ خَصائِصِهِ العِلْمِيَّةِ وَالتِّقْنِيَّةِ في الفِكْرِ وَالتَّفْكيرِ وَالسُّلوكِ وَالتَّعْبير، وَما يَحْتاجُهُ التَّغْييرُ الِارْتِقائِيُّ لِلمُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ كافَّة.

على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ لَيْسَ مُتَماثِلًا في جُهودِهِ التَّحَوُّلِيَّةِ الرَّقْمِيَّة، وَهُناكَ فُروقَاتٌ بَيْنَ شُعوبِهِ وَبُلْدانِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا، كَما أَشَرْنا، إِلّا أَنَّهُ بِشَكْلٍ عامٍّ مُتَقارِبُ المُشْكِلاتِ وَالعَوائِقِ التي تَحُدُّ مِنْ تَحَقُّقِ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ بِالمُسْتَوَياتِ الحَضارِيَّةِ المَطْلوبَة. وَلا يُمْكِنُ القَوْلُ بِحالٍ إِنَّ دَوْلَةً عَرَبِيَّةً ما بَلَغَتْ في جُهودِها في هَذا السِّياقِ دَرَجَةَ النَّجاحِ المُرْضِيَة، وَالتي يُمْكِنُ وَصْفُها بِالإِكْتِمالِ على نَحْوٍ ما، ذَلِكَ أَنَّ بَعْضًا مِنْ أَهَمِّ السِّماتِ الجَوْهَرِيَّةِ لِلتَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ في أَيِّ بَلَدٍ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّة.

بِصِفَةٍ عامَّة، يَتَطَلَّبُ التَّحَوُّلُ الرَّقْمِيُّ المَنْشود، على الأَقَلِّ سَبْعَةَ مُرْتَكِزاتٍ أَساسِيَّة:

1 ــ التَّخْطيطُ الواعِي المُتَكامِل، مِنْ خِلالِ رُؤْيَةٍ رَقْمِيَّةٍ وَأَهْدافٍ مَوْضوعِيَّةٍ واضِحَة، قابِلَةٍ لِلتَّنْفيذِ وِفْقَ جَدْوَلٍ زَمَنِيٍّ لِلتَّحَوُّل، وَتَحَمُّلٍ لِلمَسْؤولِيّاتِ الإِدارِيَّةِ وَالفَنِّيَّة.

ما تفتقده معظم المؤسسات العلمية والتدريبية العربية هو رفع الكفاءات وتطوير المهارات الشخصية

2 ــ بُنْيَةٌ تَحْتِيَّةٌ رَقْمِيَّةٌ قَوِيَّة، تَتَوَفَّرُ ضِمْنَها شَبَكَةُ إِنْتِرْنِتْ سَريعَة، وَمَراكِزُ بَياناتٍ وَطَنِيَّة، وَخِدْماتُ الحَوْسَبَةِ السَّحابِيَّة، إلى جانِبِ تَدْريبِ المُوَظَّفينَ الحُكومِيّينَ وَإِدْخالِ مَهاراتِ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ في الجامِعاتِ وَالمُؤَسَّساتِ التَّعْليمِيَّةِ الأُخْرى، وَدَعْمِ تَخَصُّصاتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ وَالأَمْنِ السّيبْرانِيّ.

3 ــ كَفاءاتٌ رَقْمِيَّةٌ عالِيَة، تَشْمَلُ العُلَماءَ وَالخُبَراءَ وَالمُهَنْدِسينَ الأَكْفاء، وَمُطَوِّري البَرْمَجِيّاتِ وَأَنْظِمَةِ الحاسوبِ وَالشَّبَكات، وَالمُدَرِّبينَ وَالإِدارِيّينَ التِّقْنِيّين.

4 ــ التَّعْليمُ الإِلِكْترونِيُّ وَالتَّعَلُّمُ عَنْ بُعْد، بِما يُحَقِّقُ المُخْرَجاتِ الجَيِّدَةَ المَطْلوبَةَ لِلتَّعَلُّمِ الذّاتِيِّ لِأَفْرادِ المُجْتَمَع، وَيَرْفَعُ الكَفاءات، وَيُطَوِّرُ المَهاراتِ الشَّخْصِيَّةَ في شَتّى المَجالاتِ بِشَكْلٍ مُتَواصِل، في مُخْتَلِفِ المَناطِقِ القَريبَةِ وَالبَعيدَة، وَذَلِكَ ما تَفْتَقِدُهُ مُعْظَمُ المُؤَسَّساتِ العِلْمِيَّةِ وَالتَّدْريبِيَّةِ العَرَبِيَّة.

5 ــ تَوْحيدٌ إِدارِيٌّ وَسِياسِيٌّ مُتَكَامِل، الأَمْرُ الذي لا يَتَحَقَّقُ في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ خُصوصًا البُلْدان التي تَعَرَّضَتْ لِتَغَيُّراتٍ سِياسِيَّةٍ كَبيرَة، مِثْلَ بُلْدانِ "الرَّبيعِ العَرَبِيِّ" المُشارِ إِلَيْها، فَضْلًا عَنِ البُلْدانِ الأُخْرى التي لَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ التَّوْحيدَ الإِدارِيَّ المُتَكامِلَ لِمُؤَسَّساتِها العامَّةِ وَالخاصَّة، لِذا، يُلاحَظُ فيها مَظاهِرُ البيروقْراطِيَّةِ السَّلْبِيَّة، المُتَمَثِّلَةُ في تَشَتُّتِ الجُهود، وَهَدْرِ الوَقْت، وَتَعْطيلِ الأَعْمال، الشَّيْءُ الذي يُؤَكِّدُ ضَرورَةَ وُجودِ دَوْلَةِ القانونِ وَالمُؤَسَّساتِ المُتَكامِلَة، المُسْتَقِرَّة، التي تُوَحِّدُ الجُهود، وَتُعَزِّزُ العَمَلَ الجَماعِيّ، وَلا سِيَّما فيما يَضْمَنُ التَّخَلُّصَ مِنْ تَكْرارِ الأَنْظِمَةِ الرَّقْمِيَّة، وَيُحَقِّقُ تَكامُلَ قَواعِدِ البَيانات، وَالتَّنْسيقَ القَوِيَّ بَيْنَ المُؤَسَّساتِ الِاقْتِصادِيَّةِ بِأَنْواعِها.

المطلوب توفُّر الإرادة السياسية والاستقرار المؤسّسي وتطوُّر البنية التحتية الرقمية المُوحّدة وبناء رأس مال بشري تقني

6 ــ تَشْريعاتٌ رَقْمِيَّةٌ مُناسِبَةٌ وَقَوِيَّة، خُصوصًا فيما يَتَعَلَّقُ بِحِمايَةِ البَيانات، وَتَنْظيمِ المُعامَلاتِ الإِلِكْترونِيَّة، وَقانونٍ خاصٍّ بِالأَمْنِ السّيبْرانِيِّ وَالخُصوصِيَّة، وَأُطُرٍ لِلهُوِيَّةِ الرَّقْمِيَّة. إلى جانِبِ قَوانين تَدْعَمُ الشَّرِكاتِ النّاشِئَةَ التِّقْنِيَّةَ وَتُشَجِّعُ الخِدْماتِ الرَّقْمِيَّةَ بِأَنْواعِها.

7 ــ ثَقافَةٌ اجْتِماعِيَّةٌ راقِيَة، تَنْسَجِمُ مَعَ ثَقافَةِ العَصْرِ المَعْلوماتِيّ، وَتَرْتَقي بِالمُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ كافَّةً إلى مُسْتَوًى مِنَ التَّفْكيرِ يَتَّسِمُ بِالقابِلِيَّةِ لِلتَّغَيُّرِ وَعَدَمِ مُقاوَمَةِ التَّجْديد، وَيَبْتَعِدُ عَنِ التَّقْليدِ وَالدَّوَرانِ في فَلَكِ الماضي، بَلْ تَبَنّي الجَديدِ الإِيجابِيّ، وَتَشْجيعُ الِابْتِكار، وَدائِمًا الِاحْتِفاءُ بِالإِنْجازِ وَالِابْتِكارِ وَالإِبْداع.

يُمْكِنُ اخْتِصارُ المَطْلوبِ في بُلْدانِنا العَرَبِيَّةِ لِأَجْلِ تَحْقيقِ تَحَوُّلٍ رَقْمِيٍّ ناجِحٍ جَوْهَرًا وَمَظْهَرًا، في تَوَفُّرِ الإِرادَةِ السِّياسِيَّةِ وَالِاسْتِقْرارِ المُؤَسَّسِيّ، مَعَ تَطَوُّرِ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ المُوَحَّدَة، وَبِناءِ رَأْسِ مالٍ بَشَرِيٍّ تِقْنِيّ؛ في ظِلِّ التَّعاوُنِ بَيْنَ البُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ وَتَبادُلِ الخِبْراتِ وَكَيْفِيَّةِ تَجاوُزِ العَوائِقِ وَحُلولِ المُشْكِلاتِ العَرَبِيَّةِ المُتَشابِهَةِ في هَذا الخُصوص.

وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّه، تَظَلُّ هُناكَ عَوائِقُ خاصَّةٌ بِتَحَوُّلاتٍ رَقْمِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ضِمْنَ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ الشّامِلِ وَالمُتَكامِلِ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة، مِثْلَ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيَِّ المُرْتَبِطِ بِالتُّراثِ وَالثَّقَافَةِ وَالتَّعْليمِ وَالإِدارَةِ وَالمُمارَسَةِ السِّياسِيَّةِ وَالمُداوَلَةِ القانونِيَّةِ وَغَيْرِها.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن