اقتصاد ومال

صَناديقُ التَّقاعُدِ العَرَبِيَّة... قُنْبُلَةٌ مالِيَّةٌ صامِتَة!مَنْ سَيُمَوِّلُ شَيْخوخَةَ الغَد؟

تُواجِهُ أَنْظِمَةُ التَّقاعُدِ في العالَمِ العَرَبِيِّ أَزْمَةً بُنْيَوِيَّةً صامِتَة: تَغْطِيَةٌ مَحْدودَةٌ لا تَشْمَلُ سِوى نَحْوِ ثُلُثِ القُوَّةِ العامِلَة، وَاقْتِصادٌ غَيْرُ مُنَظَّمٍ يَضُمُّ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ العامِلينَ وَيَقْتَرِبُ مِنْ ثُلُثَيْهِمْ في بَعْضِ التَّقْديرات، وَالْتِزاماتٌ مُسْتَقْبَلِيَّةٌ غَيْرُ مُمَوَّلَةٍ قَدْ تَصِلُ إِلى حَجْمِ الاقْتِصادِ نَفْسِه. وَمَعَ تَسارُعِ الشَّيْخوخَةِ وَتَراجُعِ الوَظائِفِ الرَّسْمِيَّةِ وَهِجْرَةِ الشَّباب، تَتَحَوَّلُ هذِهِ الأَنْظِمَةُ مِنْ شَبَكاتِ أَمانٍ إِلى مَصْدَرِ اخْتِلالٍ مالِيٍّ وَاجْتِماعِيّ، فيما يَظَلُّ الإِصْلاحُ مُؤَجَّلًا بِسَبَبِ تَكْلِفَتِهِ السِّياسِيَّة.

صَناديقُ التَّقاعُدِ العَرَبِيَّة... قُنْبُلَةٌ مالِيَّةٌ صامِتَة!
مَنْ سَيُمَوِّلُ شَيْخوخَةَ الغَد؟

لا تَبْدَأُ أَزْمَةُ التَّقاعُدِ في العالَمِ العَرَبِيِّ مِنَ المُسْتَقْبَل، بَلْ مِنَ الحاضِرِ نَفْسِه، وَإِنْ كانَتْ لا تَزالُ تَتَخَفّى خَلْفَ لُغَةٍ تِقْنِيَّة: اسْتِدامَة، أَيْ قُدْرَةُ نِظامِ التَّقاعُدِ على الاسْتِمْرار؛ وَعَجْزٌ اكْتِوارِيّ، أَيْ الفَجْوَةُ بَيْنَ وُعودِهِ وَمَوارِدِه؛ وَمُعَدَّلاتُ إِحْلال، أَيْ نِسْبَةُ المَعاشِ إِلى الرّاتِب. خَلْفَ هذِهِ المُصْطَلَحاتِ تَكْمُنُ حَقيقَةٌ أَبْسَط: مُعْظَمُ العَرَبِ خارِجَ أَنْظِمَةِ التَّقاعُدِ أَصْلًا، وَمَنْ هُمْ داخِلَها قَدْ لا يَجِدونَها قادِرَةً على الوَفاءِ بِالْتِزاماتِها. بِعِبارَةٍ أُخْرى، لا تُواجِهُ هذِهِ الأَنْظِمَةُ أَزْمَةَ تَمْويلٍ فَحَسْب، بَلْ أَزْمَةَ وُجود.

تَشْمَلُ أَنْظِمَةُ التَّقاعُدِ نَحْوَ 35 في المِئَةِ فَقَطْ مِنَ القُوَّةِ العامِلَة، وَلا يَحْصُلُ سِوى نَحْوِ 10 في المِئَةِ مِنْ كِبارِ السِّنِّ على مَعاشاتٍ مُنْتَظِمَة، فيما يَنْشَطُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ العامِلينَ خارِجَ الاقْتِصادِ الرَّسْمِيّ، وَتَقْتَرِبُ هذِهِ النِّسْبَةُ مِنْ ثُلُثَيِ القُوَّةِ العامِلَةِ في بَعْضِ التَّقْديرات، بَلْ تَتَجاوَزُ 70 في المِئَةِ في بُلْدانٍ كَبيرَةٍ مِثْلِ جُمْهورِيَّةِ مِصْرَ العَرَبِيَّة. النَّتيجَةُ واضِحَة: قاعِدَةٌ ضَيِّقَةٌ مِنَ المُمَوِّلِينَ تُقابِلُها الْتِزاماتٌ مُتَّسِعَة.

مع اتّساع الاقتصاد غير المُنظّم تضيق قاعدة المساهمين وتتوسّع الالتزامات

تَعْتَمِدُ مُعْظَمُ أَنْظِمَةِ التَّقاعُدِ العَرَبِيَّةِ على نَموذَجِ "الدَّفْعِ أَوَّلًا بِأَوَّل"، إِذْ تُموَّلُ مَعاشاتُ المُتَقاعدينَ مِنِ اشْتِراكاتِ العامِلينَ الحالِيّين. هذا النَّموذَجُ كانَ قابِلًا لِلِاسْتِمْرارِ في مُجْتَمَعاتٍ شابَّةٍ وَأَسْواقِ عَمَلٍ مُسْتَقِرَّة، لَكِنَّهُ يُصْبِحُ هَشًّا مَعَ ارْتِفاعِ الأَعْمارِ وَتَراجُعِ الخُصوبَة. وَمَعَ بَقاءِ سِنِّ التَّقاعُدِ مُنْخَفِضَةً نِسْبِيًّا، وَوُجودِ نِسَبٍ مُرْتَفِعَةٍ مِنَ التَّقاعُدِ المُبَكِّر، يَتَزايَدُ الضَّغْطُ على النِّظامِ مِنْ جِهَتَيْن: عَدَدٌ أَكْبَرُ مِنَ المُسْتَفيدين، وَعَدَدٌ أَقَلُّ مِنَ المُساهِمين.

لَكِنَّ العامِلَ الأَكْثَرَ حَسْمًا لَيْسَ الدّيموغْرافْيا وَحْدَها، بَلْ سوقُ العَمَل. حينَ يَعْمَلُ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ العامِلينَ خارِجَ الاقْتِصادِ الرَّسْمِيّ، لا يَعودُ السُّؤال: كَيْفَ نُمَوِّلُ التَّقاعُد، بَلْ مَنْ الذي سَيَدْفَعُ أَصْلًا؟ - أَوْ بِالأَحْرى: مَنْ بَقِيَ لِيَدْفَع؟. وَمَعَ اتِّساعِ الاقْتِصادِ غَيْرِ المُنَظَّم، تَضيقُ قاعِدَةُ المُساهِمين، فيما تَتَوَسَّعُ الِالْتِزامات، في مُعادَلَةٍ يَصْعُبُ تَصَوُّرُ اسْتِمْرارِها طَويلًا. وَيَزْدادُ هذا الخَلَلُ مَعَ هِجْرَةِ الشَّباب، ما يَسْحَبُ مِنْ أَنْظِمَةِ التَّقاعُدِ أَهَمَّ مَوْرِدٍ لَها: المُساهِمونَ الجُدُد.

في العُمْق، يَتَوَزَّعُ تَمْويلُ التَّقاعُدِ بَيْنَ ثَلاثَةِ أَطْراف: العامِلونَ عَبْرَ الِاشْتِراكات، وَالدَّوْلَةُ عَبْرَ الدَّعْم، وَالأَجْيالُ المُقْبِلَةُ عَبْرَ الدَّيْنِ العامِّ أَوِ الضَّرائِب. وَمَعَ اخْتِلالِ هذا التَّوازُن، يَتَراجَعُ دَوْرُ الطَّرَفِ الأَوَّل، وَيَتَضَخَّمُ العِبْءُ على الطَّرَفَيْنِ الآخَرَيْن. هكَذا يَظْهَرُ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ "العَجْزَ الصّامِت": أَنْظِمَةُ تَقاعُدٍ تَسْتَمِرُّ ظاهِرِيًّا، لَكِنَّها تُراكِمُ الْتِزاماتٍ غَيْرَ مُمَوَّلَةٍ قَدْ تَصِلُ في بَعْضِ الدُّوَلِ إِلى ما بَيْنَ 30 وَ100 في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيّ. وَلا تُعَوِّضُ الِاسْتِثْماراتُ هذا الخَلَل. فَمَعَ أَنَّ أُصولَ صَناديقِ التَّقاعُدِ تَصِلُ في بَعْضِ الحالاتِ إِلى 20 أَوْ 30 في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ المَحَلِّيّ، يُقَلِّصُ أَثَرَها ضَعْفُ إِدارَتِها أَوْ تَرَكُّزُها في أَدَواتٍ مُنْخَفِضَةِ العائِد. وَلا تَعودُ المُشْكِلَةُ في نَقْصِ الأَمْوالِ بِقَدْرِ ما هِيَ في سوءِ تَوْظيفِها.

وَعلى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلافِ الأَوْضاعِ بَيْنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّة، يَبْقى الِاتِّجاهُ واحِدًا: تَضْييقُ قاعِدَةِ المُمَوِّلينَ وَتَأْجيلُ الإِصْلاح، في ظِلِّ غِيابٍ واضِحٍ لِلرَّكيزَةِ الثّانِيَةِ وَالثّالِثَةِ لِأَنْظِمَةِ التَّقاعُد - أَيِ الِادِّخارُ الخاصُّ وَالتَّقاعُدُ التَّكْمِيلِيّ، اللَّذَانِ يُوَفِّرانِ دَخْلًا إِضافِيًّا فَوْقَ المَعاشِ الأَساسِيّ - ما يَزيدُ الضَّغْطَ على النِّظامِ العامّ. الأَثَرُ الأَعْمَقُ يَظْهَرُ في الأَجْيالِ المُقْبِلَة. يَدْفَعُ الشَّبابُ الذينَ يَدْخُلونَ سوقَ العَمَلِ اليَوْمَ اشْتِراكاتٍ إِلى أَنْظِمَةِ تَقاعُدٍ قَدْ لا تَكونُ قادِرَةً على دَفْعِ مَعاشاتِهِمْ لاحِقًا، ما يُهَدِّدُ الثِّقَةَ بِالعَقْدِ الِاجْتِماعِيّ. وَحينَ يَفْقِدُ العامِلُ ثِقَتَهُ بِنِظامِ التَّقاعُد، يَسْعى إِلى تَجَنُّبِه، فَتَتَحَوَّلُ الأَزْمَةُ مِنْ مالِيَّةٍ إِلى سُلوكِيَّةٍ أَيْضًا.

كل سنة تأخير في الإصلاح تعني تحويل الأزمة من مسألة قابلة للإدارة إلى قنبلة مالية صامتة

لا توجَدُ حُلولٌ سَهْلَة. فَكُلُّ إِصْلاحٍ جِدِّيٍّ يَعْني رَفْعَ سِنِّ التَّقاعُدِ أَوْ زِيادَةَ الِاشْتِراكاتِ أَوْ تَقْليصَ المَزايا - أَيْ إِعادَةُ تَوْزيعٍ لِلْخَسائِر. وَقَدْ بَدَأَتْ بَعْضُ الدُّوَلِ السَّيْرَ في هذا الِاتِّجاه، لَكِنَّ هذِهِ الخُطُواتِ تَبْقى جُزْئِيَّةً ما لَمْ يُرافِقْها إِصْلاحٌ أَعْمَقُ يَشْمَلُ تَوْسيعَ التَّغْطِيَةِ وَتَحْسينَ الإِدارَةِ وَتَعْزيزَ الِادِّخارِ التَّقاعُدِيّ. المُشْكِلَةُ أَنَّ تَكْلِفَةَ الإِصْلاحِ سِياسِيَّةٌ بِقَدْرِ ما هِيَ اقْتِصادِيَّة، ما يَدْفَعُ الحُكوماتِ إِلى تَأْجيلِه. لَكِنَّ كُلَّ سَنَةِ تَأْخيرٍ تَعْني تَضَخُّمَ الِالْتِزاماتِ وَتَراجُعَ هامِشِ المُناوَرَة، وَتَحْويلَ الأَزْمَةِ مِنْ مَسْأَلَةٍ قابِلَةٍ لِلْإِدارَةِ إِلى قُنْبُلَةٍ مالِيَّةٍ صامِتَة.

الخُلاصَةُ أَنَّ أَزْمَةَ التَّقاعُدِ العَرَبِيَّةَ لَيْسَتْ سينارْيو مُسْتَقْبَلِيًّا، بَلْ هِيَ واقِعٌ بَدَأَ بِالفِعْل. حينَ يَكونُ مُعْظَمُ العامِلينَ خارِجَ النِّظام، وَمُعْظَمُ كِبارِ السِّنِّ بِلا مَعاشات، وَالِالْتِزاماتُ غَيْرُ المُمَوَّلَةِ تَتَضَخَّم، يُصْبِحُ السُّؤالُ لَيْسَ كَيْفَ نُصْلِحُ النِّظام، بَلْ كَيْفَ نَمْنَعُ انْهِيارَه. وَفي النِّهايَة، لا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالأَرْقامِ فَقَط، بَلْ بِكَرامَةِ الشَّيْخوخَةِ نَفْسِها: هَلْ يَسْتَطيعُ مَنْ يَعْمَلُ اليَوْمَ أَنْ يَشيخَ غَدًا مِنْ دونِ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلى عِبْء؟!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن