اقتصاد ومال

"صِناعَةُ السَّيّاراتِ" في المَغْرِبِ والعالَمِ العَرَبي (1/2) بَيْنَ الِانْدِماجِ في سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّةِ وَحُدودِ التَّوْطينِ التِّكْنولوجِي

تَشْهَدُ صِناعَةُ السَّيّاراتِ في المَغْرِبِ والعالَمِ العَرَبِيِّ خِلالَ العَقْدَيْنِ الأَخيرَيْنِ حُضورًا مُتَزايدًا في الخِطابِ التَّنْمَوِيّ، حَيْثُ تُقَدَّمُ بِوَصْفِها أَحَدَ أَعْمِدَةِ التَّحَوُّلِ الصِّناعِيِّ وَرافِعَةً لِلِانْدِماجِ في الِاقْتِصادِ العالَمِيّ. وَقَدْ أَفْرَزَ هذَا التَّوَجُّهُ نَتائِجَ مَلْموسَةً عَلى مُسْتَوى جَذْبِ الِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّة، وَخَلْقِ فُرَصِ الشُّغْل، وَتَحْسينِ مُؤَشِّراتِ التَّصْدير، خاصَّةً في تَجارِبَ مِثْلِ المَغْرِبِ التي أَصْبَحَتْ مِنَصَّةً صِناعِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِسَلاسِلِ الإِنْتاجِ الدَّوْلِيَّة. غَيْرَ أَنَّ هذا النَّجاحَ الكَمِّيَّ يَطْرَحُ في المُقابِلِ تَساؤُلاتٍ نَوْعِيَّةً أَكْثَرَ عُمْقًا تَتَعَلَّقُ بِطَبيعَةِ هذا التَّصْنيعِ وَحُدودِه، وَمَدى قُدْرَتِهِ على إِرْساءِ قاعِدَةٍ صِناعِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ قائِمَةٍ عَلَى المَعْرِفَةِ وَالِابْتِكار.

بَيْنَ خِطابٍ رَسْمِيٍّ يَحْتَفي بِتَقَدُّمِ مُؤَشِّراتِ الإِنْتاجِ وَنِسَبِ الإِدْماج، وَقِراءاتٍ نَقْدِيَّةٍ تُشَكِّكُ في جَوْهَرِ هذَا التَّحَوُّل، يَبْرُزُ نِقاشٌ أَساسِيٌّ حَوْلَ ما إِذا كانَتْ هذِهِ التَّجارِبُ تُمَثِّلُ انْتِقالًا فِعْلِيًّا نَحْوَ صِناعَةِ سَيّاراتٍ مُتَكامِلَة، أَمْ أَنَّها تَنْدَرِجُ ضِمْنَ مَنْطِقِ الِانْدِماجِ التّابِعِ في سَلاسِلِ القيمَةِ العالَمِيَّة، حَيْثُ تَظَلُّ حَلَقاتُ الإِنْتاجِ الأَكْثَرُ تَقَدُّمًا وَتِكْنولوجْيا مُتَمَرْكِزَةً خارِجَ الِاقْتِصاداتِ المَحَلِّيَّة.

تَزْدادُ أَهَمِّيَّةُ هذا النِّقاشِ في ظِلِّ التَّحَوُّلاتِ العَميقَةِ التي يَعْرِفُها القِطاعُ عالَمِيًّا، خاصَّةً مَعَ صُعودِ السَّيّاراتِ الكَهْرَبائِيَّةِ وَالرَّقْمَنَة، بِما يُعيدُ رَسْمَ خَريطَةِ القُوى الصِّناعِيَّةِ وَيَطْرَحُ تَحَدِّياتٍ جَديدَةً أَمامَ الدُّوَلِ السّاعِيَةِ إِلى التَّمَوْقُعِ داخِلَ هذِهِ الصِّناعَة.

مِنْ فَرْضِيَّةِ التَّصْنيعِ الكامِلِ إِلى حَقيقَةِ الِانْدِماجِ التّابِعِ في سَلاسِلِ القيمَة

لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا إِنْكارُ التَّطَوُّرِ الذي عَرَفَهُ قِطاعُ صِناعَةِ السَّيّاراتِ في بَعْضِ البُلْدانِ العَرَبِيَّة، وَفي مُقَدِّمَتِها المَغْرِب، حَيْثُ تَحَوَّلَتْ هذِهِ الصِّناعَةُ إِلى واجِهَةٍ بارِزَةٍ لِلْخِطابِ الِاقْتِصادِيِّ الرَّسْمِيّ، وَمُؤَشِّرًا إِلى قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ عَلى جَذْبِ الِاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّةِ وَخَلْقِ مَناصِبِ الشُّغْلِ وَتَحْسينِ الصّادِراتِ الصِّناعِيَّة؛ غَيْرَ أَنَّ هذا النَّجاح، عَلى أَهَمِّيَّتِه، لا يَنْبَغي أَنْ يَحْجُبَ السُّؤالَ الجَوْهَرِيّ: هَلْ نَحْنُ أَمامَ صِناعَةِ سَيّاراتٍ حَقيقِيَّةٍ، أَمْ أَمامَ تَمَوْقُعٍ وَظيفِيٍّ داخِلَ سَلاسِلِ إِنْتاجٍ عالَمِيَّةٍ تَتَحَكَّمُ فيها الشَّرِكاتُ الأَجْنَبِيَّةُ الكُبْرى؟.

حلقات الإنتاج الأكثر تعقيدًا وربحية مُحتكرة من الشركات الأُم ومراكز البحث التابعة لها في أوروبا وآسيا وأميركا

إِنَّ الإِشْكالَ لا يَتَعَلَّقُ بِعَدَدِ السَّيّاراتِ المُنْتَجَةِ وَلا بِحَجْمِ الصّادِراتِ فَقَط، بَلْ بِطَبيعَةِ القيمَةِ المُضافَةِ التي يَحْتَفِظُ بِها الِاقْتِصادُ الوَطَنِيّ، وَبِمَدى قُدْرَةِ الفاعِلينَ المَحَلِّيّينَ على التَّحَكُّمِ في التِّكْنولوجْيا، وَالتَّصْميمِ، وَالهَنْدَسَة، وَالبَرْمَجِيّات، وَالمُحَرِّكات، وَالبَطّارِيّات، وَهِيَ العَناصِرُ التي تَصْنَعُ الفارِقَ بَيْنَ دَوْلَةٍ تَمْلِكُ صِناعَةَ سَيّاراتٍ وَدَوْلَةٍ تَسْتَضيفُ جُزْءًا مِنْ هذِهِ الصِّناعَة.

في المَغْرِب، كَما في مِصْرَ وَالجَزائِرِ بِدَرَجاتٍ مُخْتَلِفَة، قامَ الأُنْموذَجُ الصِّناعِيُّ أَساسًا عَلى اسْتِقْطابِ المُصَنِّعينَ الدُّوَلِيّينَ عَبْرَ حُزْمَةٍ مِنَ الِامْتِيازات، وَبُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ مُتَطَوِّرَة، وَعَقارٍ صِناعِيٍّ مُنْخَفِضِ الكُلْفَة، وَتَحْفيزاتٍ ضَريبِيَّة، وَيَدٍ عامِلَةٍ تَنافُسِيَّة، وَقُرْبٍ مِنَ الأَسْواقِ الأوروبِّيَّة، وَاتِّفاقِيّاتِ تَبادُلٍ حُرٍّ تُتيحُ الوُلوجَ التَّفْضيلِيَّ إِلى الأَسْواقِ الخارِجِيَّة؛ وَقَدْ أَتاحَ ذلِكَ خَلْقَ مَنْظوماتٍ صِناعِيَّةٍ مُهِمَّة، خُصوصًا في مَجالاتِ الكابْلات، وَالمَقاعِد، وَالهَياكِل، وَالأَجْزاءِ البِلاسْتيكِيَّة، وَالعَجَلات.

وَالحالُ أَنَّ هذِهِ الدّينامِيَّةَ تَظَلُّ في جَوْهَرِها أَقْرَبَ إِلى اقْتِصادِ المُناولَةِ الصِّناعِيَّةِ مِنْها إِلى التَّصْنيعِ السِّيادِيّ، لِأَنَّ حَلَقاتِ الإِنْتاجِ الأَكْثَرَ تَعْقيدًا وَرِبْحِيَّة، مِثْلَ المُحَرِّكات، وَأَنْظِمَةِ التَّشْغيل، وَالإِلِكْترونِيّاتِ المُتَقَدِّمَة، وَالبَطّارِيّات، وَالتَّصْميمِ الصِّناعِيّ، لا تَزالُ مُحْتَكَرَةً مِنْ طَرَفِ الشَّرِكاتِ الأُمِّ وَمَراكِزِ البَحْثِ التّابِعَةِ لَها في أوروبّا وَآسْيا وَأَميرْكا.

الصناعة الوطنية تُقاس بوجود منظومة وطنية تُنتج المعرفة وتُموّل الابتكار وتُكَوّن المهندسين وتربط الجامعة بالمصنع

وَمِنْ هُنا تَبْدو مَسْأَلَةُ "نِسْبَةِ الإِدْماجِ المَحَلِّيِّ" في حاجَةٍ إِلى قِراءَةٍ نَقْدِيَّةٍ دَقيقَة. فارْتِفاعُ هذِهِ النِّسْبَةِ لا يَعْني بِالضَّرورَةِ انْتِقالًا تِكْنولوجِيًّا عَميقًا، لِأَنَّ الإِدْماجَ قَدْ يَرْتَفِعُ عَبْرَ تَوْطينِ أَجْزاءٍ ذاتِ قيمَةٍ تِكْنولوجِيَّةٍ مَحْدودَةٍ، مِنْ دونِ أَنْ يَمَسَّ جَوْهَرَ المَعْرِفَةِ الصِّناعِيَّة؛ قَدْ تُصْبِحُ السَّيّارَةُ "مَصْنوعَةً مَحَلِّيًّا" مِنْ حَيْثُ نِسْبَةِ المُكَوِّنات، لَكِنَّها تَظَلُّ أَجْنَبِيَّةً مِنْ حَيْثُ التَّصْميم، وَالبَرْمَجِيّات، وَالتَّحَكُّمِ الهَنْدَسِيّ، وَالمِلْكِيَّةِ الفِكْرِيَّة، وَالقَرارِ الِاسْتِثْمارِيّ، وَالعَلامَةِ التِّجارِيَّة؛ لِذلِكَ فَإِنَّ الِاحْتِفاءَ الكَمِّيَّ بِنِسَبِ الإِدْماجِ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلى خِطابٍ مُطْمَئِنٍّ أَكْثَرَ مِنَ اللازِم، إِذا لَمْ يُواكِبْهُ تَحْليلٌ نَوْعِيٌّ لِطَبيعَةِ المُكَوِّناتِ المُدْمَجَةِ وَمَوْقِعِها داخِلَ هَرَمِ القيمَةِ الصِّناعِيَّة.

كَما أَنَّ الحَديثَ عَنْ مارْكاتٍ وَطَنِيَّةٍ أَوْ مُحاوَلاتٍ مَحَلِّيَّةٍ في هذَا المَجالِ يَظَلّ، في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيان، مَحْدودَ الأَثَرِ ما لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ مَنْطِقِ الِاسْتيرادِ وَالتَّجْميعِ وَالتَّسْويقِ المَحَلِّيِّ إِلى مَنْطِقِ البَحْثِ وَالتَّطْويرِ وَبِناءِ مِنَصَّةٍ هَنْدَسِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلَى الِابْتِكار. فَالعَلامَةُ التِّجارِيَّةُ لا تَصْنَعُ وَحْدَها صِناعَةً وَطَنِيَّةً إِذا كانَتِ التِّكْنولوجْيا مُسْتَوْرَدَة، وَالمُكَوِّناتُ الأَساسِيَّةُ أَجْنَبِيَّة، وَالتَّصْميمُ مَنْقولًا، وَالقُدْرَةُ التَّصْديرِيَّةُ ضَعيفَة. إِنَّ الصِّناعَةَ الوَطَنِيَّةَ لا تُقاسُ بِوُجودِ اسْمٍ مَحَلِّيٍّ عَلَى المُنْتَجِ فَحَسْب، بَلْ بِوُجودِ مَنْظومَةٍ وَطَنِيَّةٍ تُنْتِجُ المَعْرِفَة، وَتُمَوِّلُ الِابْتِكار، وَتُكَوِّنُ المُهَنْدِسين، وَتَرْبِطُ الجامِعَةَ بِالمَصْنَع، وَتَخْلُقُ مُقاوَلاتٍ قادِرَةً عَلَى المُنافَسَةِ داخِلَ السّوقِ الدَّوْلِيَّة.

نجاح ظاهر في التشغيل والتصدير وقصور بنيوي في نقل التكنولوجيا وتوطينها

إِنَّ ما تَحَقَّقَ في قِطاعِ صِناعَةِ السَّيّاراتِ في المَغْرِبِ وَالعالَمِ العَرَبِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ أَهَمِّيَّتِهِ عَلى مُسْتَوى المُؤَشِّراتِ الكَمِّيَّةِ وَالِانْدِماجِ في سَلاسِلِ الإِنْتاجِ الدَّوْلِيَّة، يَظَلُّ مَحْكومًا بِمَنْطِقٍ وَظيفِيٍّ يَحُدُّ مِنْ عُمْقِهِ الصِّناعِيِّ وَالتِّكْنولوجِيّ، حَيْثُ لَمْ يَرْتَقِ بَعْدُ إِلى مُسْتَوى التَّمَلُّكِ الفِعْلِيِّ لِمَفاتيحِ الصِّناعَة، وَلا إِلى بِناءِ قاعِدَةٍ إِنْتاجِيَّةٍ قائِمَةٍ على المَعْرِفَةِ وَالِابْتِكار؛ إِنَّ هذَا الوَضْعَ يَكْشِفُ عَنْ مُفارَقَةٍ أَساسِيَّةٍ بَيْنَ نَجاحٍ ظاهِرٍ في التَّشْغيلِ وَالتَّصْدير، وَقُصورٍ بُنْيَوِيٍّ في نَقْلِ التِّكْنولوجْيا وَتَوْطينِها، وَهُوَ ما يَجْعَلُ هذا الأُنْموذَجَ عُرْضَةً لِلثَّباتِ في حُدودِ المُناولَةِ الصِّناعِيَّةِ ما لَمْ يَتِمَّ تَجاوُزُهُ نَحْوَ مَرْحَلَةٍ أَكْثَرَ تَقَدُّمًا.

وَمِنْ هُنا تَبْرُزُ الحاجَةُ إِلى الِانْتِقالِ مِنْ تَحْليلِ طَبيعَةِ هذا الِانْدِماجِ وَحُدودِه، إِلى مُساءَلَةِ آفاقِهِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ وَشُروطِ تَحَوُّلِه، أَيْ مِنْ تَوْصيفِ واقِعِ الصِّناعَةِ إِلى التَّفْكيرِ في سُبُلِ الِارْتِقاءِ بِها نَحْوَ تَحْقيقِ قَدْرٍ أَكْبَرَ مِنَ السِّيادَةِ الصِّناعِيَّةِ وَالتِّكْنولوجِيَّة، وَهُوَ ما سَنَعْمَلُ عَلى تَسْليطِ الضَّوْءِ عَلَيْهِ في المِحْوَرِ الثّاني.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن