الثَّوْرَةُ الإيرانِيَّةُ لَمْ تَنْشَأْ مِنْ فَراغٍ سِياسِيٍّ كامِل، بَلِ التَقَطَتْ كَثيرًا مِنْ عَناصِرِ الثَّوْراتِ العَرَبِيَّةِ السّابِقَة، خاصَّةً التَّجْرِبَةَ النّاصِرِيَّةَ والبَعْثِيَّة. الفِكْرَةُ المَرْكَزِيَّةُ كانَتْ واحِدَةً تَقْريبًا: سُلْطَةٌ صُلْبَةٌ تَعْرِفُ مَصْلَحَةَ النّاسِ أَكْثَرَ مِمّا يَعْرِفونَها هُم، وَمَرْكَزٌ سِياسِيٌّ يَحْتَكِرُ تَفْسيرَ التّاريخِ والدّينِ والسِّياسَة، مَعَ خِطابٍ تَعْبَوِيٍّ يَقومُ على فِكْرَةِ "تَثْويرِ الجِوار" وَرَبْطِ الشَّرْعِيَّةِ السِّياسِيَّةِ بِمَعْرَكَةٍ كُبْرى ضِدَّ إِسْرائيلَ والغَرْب. تِلْكَ العَناصِرُ لَيْسَتْ جَديدَةً على المِنْطَقَة، فَقَدْ عَرَفَتْها شُعوبٌ عَرَبِيَّةٌ كَثيرَةٌ مُنْذُ خَمْسينِيّاتِ القَرْنِ الماضي، لَكِنَّ الجَديدَ أَنَّ إيرانَ أَلْبَسَتْها لِباسًا دينِيًّا وَمَذْهَبِيًّا مَنَحَها قُدْرَةً أَطْوَلَ على التَّعْبِئَةِ والِاسْتِمْرار.
غَيْرَ أَنَّ المُشْكِلَةَ التي واجَهَتْ كُلَّ المَشاريعِ الثَّوْرِيَّةِ في المِنْطَقَةِ هِيَ ذاتُها التي تُواجِهُ المَشْروعَ الإيرانِيَّ اليَوْم، أَيْ التَّصَلُّبَ الإيدْيولوجِيّ. فَكُلُّ مَشْروعٍ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَمْتَلِكُ الحَقيقَةَ المُطْلَقَةَ يَفْقِدُ تَدْريجِيًّا القُدْرَةَ على مُراجَعَةِ نَفْسِهِ أَوِ التَّكَيُّفِ مَعَ الواقِع. هَكَذا انْتَهَتْ أَغْلَبُ التَّجارِبِ الثَّوْرِيَّةِ العَرَبِيَّةِ إلى أَزماتٍ داخِلِيَّةٍ خانِقَةٍ أَوِ انْهِياراتٍ كُبْرى، لِأَنَّ العَقيدَةَ السِّياسِيَّةَ تَحَوَّلَتْ إلى بَديلٍ عَنِ الحِسابِ العَقْلِيِّ وَعَنْ قِراءَةِ المَصالِحِ الحَقيقِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ والمُجْتَمَع.
الأماكن التي تمدّد فيها النفوذ الإيراني تحوّلت إلى ساحات إنهاك طويلة والداخل الإيراني نفسه يُعاني من أزمات متراكمة
إيرانُ اليَوْمَ تَبْدو وَكَأَنَّها تَسيرُ في الطَّريقِ ذاتِه. فَعلى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ المُتَغَيِّراتِ التي حَدَثَتْ في الإِقْليمِ والعالَم، لا تَزالُ قِطاعاتٌ مُؤَثِّرَةٌ داخِلَ النِّظامِ الإيرانِيِّ مُقْتَنِعَةً بِأَنَّ نَموذَجَها صالِحٌ لِلِاسْتِمْرار، بَل وَلِلتَّوَسُّعِ أَيْضًا. وَمَنْ يُتابِعُ التَّسْريباتِ المُتَعَلِّقَةَ بِالمُفاوَضاتِ الجارِيَةِ يُلاحِظُ أَنَّ طَهْرانَ لا تَتَحَدَّثُ فَقَطْ بِاسْمِ مَصالِحِها الوَطَنِيَّة، بَل تَتَحَدَّثُ أَحْيانًا بِاسْمِ الإِقْليمِ كُلِّه، وَكَأَنَّها وَصِيَّةٌ على خَرائِطِهِ السِّياسِيَّةِ والأَمْنِيَّة. وَبَيْنَ ما يَتَسَرَّبُ مِنْ مَطالِبَ أَميرْكِيَّةٍ وَرُدودٍ إيرانِيَّة، يَبْدو أَنَّ الجَميعَ يَدورُ في الحَلْقَةِ نَفْسِها مِنْ دونِ قُدْرَةٍ على إِنْتاجِ تَفاهُمٍ مُسْتَقِر.
جُزْءٌ مِنَ الحِساباتِ الإيرانِيَّةِ يَقومُ على الرِّهانِ على تَغَيُّراتٍ سِياسِيَّةٍ داخِلَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَكَأَنَّ السِّياسَةَ الأَميرْكِيَّةَ مُجَرَّدُ قَرارٍ مَرْحَلِيٍّ مُرْتَبِطٍ بِإِدارَةٍ عابِرَة. غَيْرَ أَنَّ هَذا التَّقْديرَ يَتَجاهَلُ حَقيقَةً مُهِمَّة، وَهِيَ أَنَّ المَوْقِفَ الأَميرْكِيَّ تُجاهَ إيرانَ أَصْبَحَ إلى حَدٍّ بَعيدٍ مَوْقِفًا مُؤَسَّساتِيًّا تُشارِكُ فيهِ مَراكِزُ القُوَّةِ المُخْتَلِفَة، حَتّى مَعَ اخْتِلافِ الأَساليبِ بَيْنَ إِدارَةٍ وَأُخْرى. كَما أَنَّ بَعْضَ الدَّوائِرِ الإيرانِيَّةِ ما زالَتْ تَتَصَرَّفُ على أَساسِ أَنَّ الصِّراعَ السّاخِنَ الأَخيرَ مَنَحَ إيرانَ نَوْعًا مِنَ الِانْتِصارِ السِّياسِيِّ والمَعْنَوِيّ، وَبِالتّالي أَكَّدَ صَلاحيةَ نَموذَجِها وَإِمْكانِيَّةَ اسْتِدامَتِه.
الاتحاد السوفياتي لم يسقط فقط بسبب الضغوط الخارجية بل لأنه تهالك من الداخل
لَكِنَّ قِراءَةً أَكْثَرَ هُدوءًا لِلعالَمِ المُحيطِ تَقولُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمامًا. فَالأَماكِنُ التي تَمَدَّدَ فيها النُّفوذُ الإيرانِيُّ تَحَوَّلَتْ إلى ساحاتِ إِنْهاكٍ طَويلَة. لُبْنانُ يَعيشُ انْهِيارَ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ والِاقْتِصاد. غَزَّةُ تَحَوَّلَتْ إلى خَرابٍ واسِع. العِراقُ لا يَزالُ يُعاني مِنْ هَشاشَةٍ سِياسِيَّةٍ مُزْمِنَة. واليَمَنُ يَعيشُ واحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الكَوارِثِ الإِنْسانِيَّةِ تَعْقيدًا. هَذِهِ النَّتائِجُ لا تَبْدو دَليلَ نَجاحٍ لِنَموذَجٍ سِياسِيّ، بَل دَليلَ أَزْمَةٍ عَميقَةٍ في فِكْرَةِ إِدارَةِ النُّفوذِ عَبْرَ الميليشْياتِ والشِّعاراتِ العابِرَةِ لِلدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة.
الأَكْثَرُ خُطورَةً أَنَّ الدّاخِلَ الإيرانِيَّ نَفْسَهُ يُعاني مِنْ أَزماتٍ مُتَراكِمَة. الِاقْتِصادُ يُواجِهُ ضُغوطًا هائِلَة، والطَّبَقَةُ الوُسْطى تَتَآكَل، والحُرِّياتُ العامَّةُ تَضيق، بَيْنَما تَتَزايَدُ الفَجْوَةُ بَيْنَ خِطابِ الثَّوْرَةِ وَمُتَطَلَّباتِ المُجْتَمَعِ الحَديث. لِذَلِكَ يَطْرَحُ البَعْضُ سُؤالًا مَشْروعًا: هَل هُناكَ تَشابُهٌ بَيْنَ المَشْروعِ الإيرانِيِّ وَتَجْرِبَةِ الِاتِّحادِ السّوفياتِيِّ السّابِقَة؟ إلى حَدٍّ ما، نَعَمْ. فَكِلا المَشْروعَيْنِ حَمَلَ رُؤْيَةً تَوَسُّعِيَّةً تَتَجاوَزُ الحُدودَ الوَطَنِيَّة، وَكِلاهُما اعْتَمَدَ على خِطابٍ إيدْيولوجِيٍّ صُلْبٍ يُفَسِّرُ العالَمَ بِمَنْطِقٍ عَقائِدِيٍّ، وَكِلاهُما اسْتَنْزَفَ مَوارِدَهُ في الصِّراعِ الخارِجِيِّ أَكْثَرَ مِنَ التَّنْمِيَةِ الدّاخِلِيَّة.
أي مشروع يُصرّ على تجاهل حقائق الاقتصاد والمجتمع والدولة الوطنية يحمل أسباب إنهاكه في داخله
الِاتِّحادُ السّوفياتِيُّ لَمْ يَسْقُطْ فَقَطْ بِسَبَبِ الضُّغوطِ الخارِجِيَّة، بَل لِأَنَّهُ تَهالَكَ مِنَ الدّاخِل. الشِّعاراتُ الكُبْرى فَقَدَتْ قُدْرَتَها على إِقْناعِ الناس، والِاقْتِصادُ عَجِزَ عَنْ تَلْبِيَةِ احْتِياجاتِ المُجْتَمَع، والنِّظامُ السِّياسِيُّ أَصْبَحَ أَسيرًا لِأَفْكارِهِ القَديمَة. والمُفارَقَةُ أَنَّ بَعْضَ التَّسْريباتِ الأَخيرَةِ تُشيرُ إلى أَنَّ "العَداءَ مَعَ إِسْرائيلَ" الذي كانَ مِحْوَرَ الخِطابِ الإيرانِيِّ لِعُقود، أَصْبَحَ اليَوْمَ قابِلًا لِلتَّحَوُّلِ إلى "اسْتِعْدادٍ لِلسَّلامِ في الإِقْليمِ" إِذا اقْتَضَتِ التَّسْوِياتُ ذَلِك. هُنا تَظْهَرُ المَسَافَةُ الهائِلَةُ بَيْنَ الشِّعارِ والواقِع.
السُّؤَالُ الآنَ: هَل وَصَلَتِ المِنْطَقَةُ إلى طَرِيقٍ مَسْدود؟ وَهَل يَعْني ذَلِكَ احْتِمالَ عَوْدَةِ الصِّراعِ السّاخِن؟ الِاحْتِمالُ قائِم، لِأَنَّ المَشاريعَ التي تَعْجَزُ عَنْ مُراجَعَةِ نَفْسِها كَثيرًا ما تَذْهَبُ إلى التَّصْعيدِ بَدَلَ المُراجَعَة. غَيْرَ أَنَّ دُروسَ التّاريخِ تَقولُ إِنَّ أَيَّ مَشْروعٍ يَبْتَعِدُ طَويلًا عَنِ العَقْلانِيَّة، وَيُصِرُّ على تَجاهُلِ حَقائِقِ الِاقْتِصادِ والمُجْتَمَعِ والدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّة، يَحْمِلُ أَسْبابَ إِنْهاكِهِ في داخِلِهِ مَهْما طالَ الزَّمَن.
(خاص "عروبة 22")

