يَنْتَمي الْخالِدي إِلى أُسْرَةٍ مَقْدِسِيَّةٍ عَريقَةٍ يَعودُ نَسَبُها إِلى الصَّحابِيِّ الجَليلِ خالِدِ بْنِ الوَليد. ساهَمَتِ الأُسْرَةُ في تَشْكيلِ الثَّقافةِ السِّياسِيَّةِ لِلشَّعْبِ وَالوَعْيِ الوَطَنِيِّ الفِلَسْطينِيّ. الكَثيرُ مِنْ أَفْرادِ هَذِهِ الأُسْرَةِ تَبَوَّأوا مَناصِبَ قَضائِيَّةً وَتَوَلَّوا رِئاسةَ بَلَدِيَّةِ مَدينةِ القُدْسِ وَمَناصِبَ تَعليمِيَّة، مِمّا كانَ لَهُ الأَثَرُ في الحَرَكَةِ الوَطَنِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة.
تَرَبّى الخالِدي في بَيْتِ عِلْمٍ وَنَشاطٍ سِياسِيّ، إِذْ كانَ والِدُهُ أَحْمَد سامِح الخالِدي تَرْبَوِيًّا شَغَلَ مَنْصِبَ عَميدِ الكُلِّيَّةِ العَرَبِيَّة، بِالإِضافةِ إِلى كَوْنِهِ مُساعِدًا لِمُديرِ المَعارِف. تَزَوَّجَ الخالِدي الأَب، بَعْدَ وَفاةِ زَوْجَتِهِ الأولى الَّتي أَنْجَبَ مِنْها وَليد، عَنْبَرَة، وَهِيَ مِنْ أُسْرَةِ سَلام اللُّبْنانِيَّةِ وَمِنْهُمْ رُؤَساءُ حكومات. وَقَدْ كانَتْ عَنْبَرَةُ نَشِطَةً في الحَرَكَةِ النِّسائِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَكاتِبَةً وَشاعِرَةً وَمُتَرْجِمَةً شَهيرَة. كَما أَنَّها اهْتَمَّتْ بِتَرْبِيَةِ رَبيبِها وَليد وَوَلَدَيْها طَريف الَّذي أَصْبَحَ مُؤَرِّخًا شَهيرًا في جامِعةِ "كامْبْريدْج" وَاحْتَلَّ كُرْسِيَّ الشَّيْخِ زايد في الجامِعةِ الأَميرْكِيَّةِ في بَيْروت، وَأُسامَة الَّذي تَخَصَّصَ في العُلوم.
تصدّى لادعاءات الرواية الصهيونية حول اللاجئين
دَرَسَ وَليد الخالِدي في جامِعاتٍ عِدَّةٍ آخِرُها جامِعةُ أُكْسُفورْد، وَلَكِنَّهُ تَرَكَها احْتِجاجًا عَلى مُشارَكةِ بَريطانْيا في العُدْوانِ الثُّلاثِيِّ عَلى مِصْرَ في الْعامِ 1956. وَانْتَقَلَ بَعْدَها إِلى لُبْنانَ حَيْثُ دَرَّسَ في الْجامِعَةِ الأَميرْكِيَّةِ الَّتي كانَتْ في الخَمْسينِيّاتِ مِنَ القَرْنِ العِشْرينَ مَعْقلًا لِلْكَثيرِ مِنَ الطَّلَبَةِ وَالمُثَقَّفينَ العَرَب.
مِنْ أَهَمِّ النَّشاطاتِ الأَكاديمِيَّةِ وَالْبَحْثِيَّةِ الَّتي قامَ بِها وَليد الخالِدي - بِالتَّعاوُنِ مَعَ آخَرينَ - تَأْسيسُ مُؤَسَّسَةِ الدِّراساتِ الفِلَسْطينِيَّةِ عامَ 1963 في بَيْروت. كانَ الهَدَفُ مِنَ المُؤَسَّسَةِ تَوْثيقَ وَتَرْجَمَةَ وَنَشْرَ البُحوثِ حَوْلَ الصِّراعِ العَرَبِيِّ - الإِسْرائيلِيّ. وَأَصْدَرَتِ المُؤَسَّسَةُ دَوْرِيّاتٍ مُحَكَّمةً بِاللُّغةِ العَرَبِيَّة، وَمَجَلَّةَ الدِّراساتِ الفِلَسْطينِيَّة، وَدَوْرِيَّتَيْنِ مِمّاثِلَتَيْنِ بِالإِنْكليزِيَّةِ وَالفَرَنْسِيَّة.
مِنْ أَهَمِّ إِسْهاماتِ وَليد الخالِدي البَحْثِيَّةِ ما يَتَعَلَّقُ بِمُشْكِلَةِ اللاجِئينَ الفِلَسْطينِيّين. كانَتِ الرِّوايةُ الصَّهْيونِيَّةُ تَقولُ إِنَّ الفِلَسْطينِيّينَ شُرِّدوا بِدَعْوةٍ مِنَ القِياداتِ العَرَبِيَّةِ الَّتي طَلَبَتْ مِنْهُمُ الخُروجَ لِلسَّماحِ لِلْجُيوشِ العَرَبِيَّةِ بِتَصْفِيَةِ الكِيانِ الصُّهْيونِيِّ أَوِ الدَّوْلَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ الوَليدَة، وَإِنَّ الإِسْرائيلِيّينَ لَمْ يَقوموا بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتَسَبَّبَ في مُشْكِلَةِ اللاجِئين.
تَصَدّى وَليد لِهَذِهِ الادِّعاءاتِ وَأَوْضَحَ بِالوَثائِقِ بِالتَّعاوُنِ مَعَ الصَّحافِيِّ البَريطانيِّ إِرْسكين بارْتون تشايلْدَرْز (Erskine Barton Childers) لِتَفْنيدِ الادِّعاء. وَقَدْ أَثْبَتا أَنَّهُ بِعَكْسِ ما قالَهُ الإِسْرائيلِيّونَ فيما بَعْدُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ أَيُّ دَعَواتٍ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَقِياداتِها إِلى الأَهالي بِالخُروج، بَلْ وَجَدا أَدِلَّةً عَلى دَعَواتِ الصُّمودِ لِلْفِلَسْطينِيّين.
حثّ القادة الفلسطينيين على عدم التورّط في الحرب اللبنانية
وَمِنْ أَهَمِّ ما ذَكَرَهُ الخالِدي وَنُشِرَ لاحِقًا في بَحْثِهِ "خِطَّة دالِت: المُخَطَّط الصُّهْيونِيّ الشّامِلُ لِغَزْوِ فِلَسْطينَ" أَنَّ الحَرَكَةَ الصُّهْيونِيَّةَ وَضَعَتْ خِطَّةً لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الفِلَسْطينِيّين، أَي تَطْهيرٌ عِرْقِيٌّ مُنَظَّمٌ لإِفْراغِ البِلادِ مِنْ مُواطِنيها الأَصْلِيّين.
وَقَدْ أَتى المُؤَرِّخونَ الجُدُدُ الإِسْرائيلِيّونَ في الثَّمانينِيّاتِ مِنَ القَرْنِ الْماضي بَعْدَ البَحْثِ في الأَرْشيفِ العَسْكَرِيِّ الإِسْرائيلِيِّ لِيُؤَكِّدوا الكَثيرَ مِمّا قالَهُ الخالِدي قَبْلَ عَقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَن. كَما قامَ الخالِدي بِدِراسةٍ عُنْوانُها "كَي لا نَنْسى: قُرى فِلَسْطينَ الَّتي دَمَّرَتْها إِسْرائيلُ سَنَةَ 1948 وَأَسْماءُ شُهَدائِها"، وَهِيَ دِراسةٌ لِتَوْثيقِ القُرى الفِلَسْطينِيَّةِ الَّتي دُمِّرَتْ خِلالَ النَّكْبَةِ وَالمُسْتَعْمَراتِ الَّتي أُقيمَتْ عَلى أَنْقاضِها.
عاشَ الخالِدي بَعْدَ الشَّتاتِ في لُبْنانَ وَوَجَدَ نَفْسَهُ يَوْمًا يَخْسَرُ وَطَنَهُ الثّاني بِالتَّدْريجِ في أَتونِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ في السَّبْعينِيّات. كانَتِ المُواجَهاتُ بَيْنَ الأَفْرِقاءِ اللُّبْنانِيّينَ ذاتَ طابَعٍ طائَفِيٍّ بَغيض. وَقَدِ انْجَرَّ الفِلَسْطينِيّونَ إِلى هَذا الصِّراعِ بِحُكْمِ تَواجُدِهِمُ المُسَلَّح. وَقَدْ حَثَّ الخالِدي القادَةَ الفِلَسْطينِيّينَ عَلى عَدَمِ التَّوَرُّطِ في هَذِهِ الحَرْبِ الَّتي الْكاسِبُ فيها خاسِرٌ.
كَمُؤَرِّخٍ وَشاهِدٍ عَلى الأَحْداث، نَشَرَ الخالِدي كِتابَهُ عامَ 1983 عَنِ الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ اللُّبْنانِيَّةِ المَوْسوم "الصِّراع وَالعُنْف في لُبْنان: المُواجَهة في الشَّرْق الأَوْسَط". كِتابٌ مُهِمٌّ أَرَّخَ لِفَتْرَةٍ مِنَ الحَرْبِ عايَشَها الْكاتِب. وَالْميزةُ أَنَّ الكاتِبَ كانَ قَريبًا مِنْ كُلِّ الأَطْرافِ المُنْخَرِطةِ في الحَرْب. وَكانَتْ مَصادِرُهُ مُتَنَوِّعةً وَوَثيقةَ الصِّلةِ بِالمُحارِبين. وَجاءَ الكِتابُ مُتَوازِنًا مِنْ دونِ مُحاباةٍ لِطَرَفٍ أَوْ لآخَر، وَلَكِنْ في الوَقْتِ نَفْسِهِ مُنْحازًا إِلى لُبْنانَ المَكْلوم.
جسّد تاريخ فلسطين وأسهم في تدوين هذا التاريخ
وَعَلى الرَّغْمِ مِنَ المَآسِي الَّتي شَهِدَها في وَطَنِهِ فِلَسْطين، إِلّا أَنَّهُ جَنَحَ لِلسَّلامِ في مَقالةٍ مُهِمَّةٍ كَتَبَها في مَجَلَّةِ "الشُّؤون الْخارِجِيَّة" الرّائِجَةِ بَيْنَ المُنْشَغِلينَ بِالسِّياسةِ الْخارِجِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ داخِلَ الحُكومَةِ وَخارِجَها. نُشِرَ المَقالُ تَحْتَ عُنْوانِ "التَّفْكير فيما لا يُمْكِنُ التَّفْكيرُ فيه: دَوْلةٌ فِلَسْطينِيَّةٌ ذاتُ سِيادَة".
تَوْقيتُ المَقالِ كانَ في عامَ 1978 بَعْدَ اجْتياحِ إِسْرائيلَ لِجَنوبِ لُبْنانَ في عَمَلِيَّةِ اللّيطاني، وَزِيارةِ السّادات إِلى القُدْسِ عامَ 1977. كانَ المَقالُ يَدْعو إِلى حَلِّ دَوْلَتَيْنِ مُتَعايِشَتَيْنِ بِسَلام، عَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ حَذَّرَ مِنْ أَنَّ الدَّوْلَةَ الفِلَسْطينِيَّةَ في الْأَراضي المُحْتَلَّةِ سَتَكونُ تَحْتَ رَحْمَةِ إِسْرائيلَ الْقاسِيَة.
جَسَّدَ الخالِدي تاريخَ فِلَسْطينَ وَأَسْهَمَ في تَدْوينِ هَذا التّاريخ. لا يُمْكِنُ اخْتِصارُ سيرَةِ الرَّجُلِ في مَقالةٍ أَوْ حَتّى كِتاب. وَلَكِنَّها مُجَرَّدُ إِشارةٍ إِلى هَذا التّاريخِ الفِكْرِيِّ الَّذي تَعَلَّمْتُ وَتَعَلَّمَ مِنْهُ الْكَثير.
(خاص "عروبة 22")

