يَبْدو أَنَّ بِناءَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وإسرائيلَ لهَياكِل خُطَّتِهِما في الإِطْباقِ الاسْتراتيجِيّ، قَدِ اقْتُبِسَ مِنْ شِعاراتِ الحُرِّيَّةِ والدّيموقْراطِيَّةِ وَحُقوقِ الإِنْسان، والشَّعْبُ يُريدُ إِسْقاطَ النِّظام، بَدْءًا مِنَ العِراقِ ثُمَّ ليبْيا وَقَبْلَهُما تونِس وَمِصْر، وُصولًا إلى سورْيا، وَبَعْدَها عَمَليَّةُ اعْتِقال الرَّئيسِ الفِنِزْويليِّ نيكولاس مادورو وَمَعَهُ أَنابيبُ الغازِ كَنَموذَجٍ طازَجٍ يُمْكِنُ إِسْقاطُهُ على إيرانَ التي يُريدُ ترامب اسْتِتْباعَها بِإِسْقاطِ كوبا في طَريقِ عَوْدَةِ أَساطيلهِ مِنَ المِنْطَقَة.
لَكِنَّ حِساباتِ "الإِطْباقِ الاسْتراتيجِيِّ الإِسْرائيكِيِّ" اصْطَدَمَتْ بِحِساباتِ المَيْدانِ في إيرانَ وَلُبْنانَ مَعًا. فَلَيْسَ تَفْصيلًا أَنْ تَتَمَكَّنَ إيرانُ مِنْ إِعادَةِ إِنْتاجِ آلِيّاتِ التَّحَكُّمِ والقِيادَةِ والسَّيْطَرَةِ والتَّوازُنِ النَّفْسِيِّ تَحْتَ النّارِ وَعَصْفِ المُقَنْبَلات. كَما لَيْسَ تَفْصيلًا أَنْ يَتَمَكَّنَ "حِزْبُ اللَّهِ" مِنْ إِعادَةِ لَمْلَمَةِ شَتاتِهِ بَعْدَ الخَسائِرِ الضَّخْمَةِ التي أَصابَتْهُ بِاغْتِيال زَعيمِهِ وَقِياداتِهِ العَسْكَرِيَّةِ والأَمْنِيَّةِ وَعَدَدٍ كَبيرٍ مِنْ مُقاتِليهِ قَبْلَ عَمَلِيَّةِ "البَيْجَر" وَبَعْدَها، وَطِوالَ 15 شَهْرًا مِنَ الاسْتِهْدافِ الإِسْرائيليِّ المُرَكَّز، ما دَفَعَ نِتِنْياهو إلى إِعْلانٍ مُتَكَرِّرٍ للنَّصْرِ على "حِزْبِ اللَّه"، وَمُباهاتِهِ في تَغْييرِ الشَّرْقِ الأَوْسَط.
وَإلى قائِعِ المَيْدانِ اللُّبْنانِيَّةِ في مُواجَهَةِ التوَغُّلِ الإسرائيليِّ ومُسَيَّراتِ "حِزْبِ اللهِ" العامِلَةِ بِالأَسْلاكِ الضَّوْئِيَّة، بَرَزَ في الجانِبِ الإيرانِيِّ "بَعوضُ الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ" لضَبْطِ مُرورِ النّاقِلاتِ في مَضيقِ هُرْمُز والذي فاقَ بِأَهَمِّيَّتِهِ امْتِلاكَ إيرانَ لقُنْبُلَةٍ نَوَوِيَّةٍ مُؤَجَّلَة.
الرباعية الإِسلامية في إسلام آباد مُتلمّسة لمخاطر تفكيك إيران
في بَدايَةِ الحَرْبِ على إيران، كَانَ رِهانُ "تْراتِنْياهو" الحَقيقِيُّ يَرْتَكِزُ إلى تَحَرُّكِ "المُعارَضَةِ الإيرانِيَّةِ" التي صَرَّحَ تْرامْب بِتَسْليحِ بَعْضِها، لَكِنَّ وَقائِعَ إيرانَ المُهَدَّدَةَ وُجودِيًّا ابْتَلَعَتْ مُغامَراتِ المُعارَضَة، وَأَجَّلَت أَيَّ تَحَرُّكٍ لَها، لِما بَعْدَ اليَوْمِ التّالي لوَقْفِ الحَرْب. لَكِنْ مِنْ مَفاعيلِ هذهِ الحَرْب، أَنَّها جَحَّظَتْ مَوْقِعَ باكِسْتانَ وَدَوْرَها المِحْوَرِيَّ في مِنْطَقَةٍ شَديدَةِ التَّعْقيدِ والحَساسِيَّةِ الاسْتراتيجِيَّة. وَهُنا يَجْدُرُ التَّوَقُّفُ أَمامَ قُدْرَةِ باكِسْتانَ على صِياغَةِ تَوازُنٍ دَقيقٍ في عِلاقاتِها الدَّوْليَّة، فَهِيَ حَليفَةُ الصّينِ في مُواجَهَةِ الهِنْدِ مِنْ جِهَة، وَصَديقَةُ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَكُلُّ دُوَلِ المِنْطَقَةِ مِنْ جِهَةٍ ثانِيَة. وَما يُمَيِّزُ باكِسْتانَ تَشابُهُها وَتَداخُلُها الدّيموغْرافي مَعَ إيران، كما أنّ صُعودَها جَحَّظَهُ أَيْضًا اسْتِضافَةُ إِسْلامْ آباد لاجْتِماعِ وُزَراءِ خَارِجِيَّةِ مِصْرَ والسُّعودِيَّةِ وَتُرْكِيا وَباكِسْتان، إِنَّها الرُّباعِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ المُتَلَمِّسَةُ لمَخاطِرِ تَفْكيكِ إيرانَ وَتَداعِياتِهِ الإِقْليمِيَّةِ مِنْ جِهَة، وَلشَراهَةِ نِتِنْياهو مَدْعومًا مِنْ ترامب في تَمْكينِ مَشْروعِ "إسرائيلَ الكُبْرى" مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَة.
وَفي هَذَا السِّياق، لَيْسَ تَفْصيلًا كَلامُ رَجُل تُرْكِيا القَوِيِّ وَوَزيرِ خارِجِيَّتِها هاكان فيدان أَنَّ "تُرْكِيا سَتَكونُ العَدُوَّ التّالِيَ لإسرائيلَ بَعْدَ إيران". كَما أَنَّهُ لَيْسَ تَفْصيلًا في لَحْظَةٍ تَكاثَرَ فيها الكَلامُ عَنْ حُشودٍ سورِيَّةٍ على الحُدودِ الشَّرْقِيَّةِ للُبْنانَ ما تَرَدَّدَ عَنْ إِبْلاغِ الرَّئيسِ السّورِيِّ أَحْمَد الشَّرْع المَبْعوثَ التّْرامْبِيَّ توم بارّاك بِرَبْطِ انْخِراطِ سورِيا في الحَرْبِ بِانْسِحابِ إسرائيلَ مِنَ الأَراضي المُحْتَلَّةِ وَخُصوصًا جَبَل الشَّيْخِ وَهُوَ الأَمْرُ الذي تُريدُهُ تُرْكِيا وَتَرْفُضُهُ إِسْرائيل.
الحوار الوطني الصادق وحده ما يردم الفجوة الداخلية اللبنانية
رُبَّما لهَذا السَّبَبِ ثَمَّةَ مَنْ يوقِدُ للفِتْنَةِ الدّاخِليَّةِ في لُبْنان. إِنَّها الفِتْنَةُ التي تَمْتَلكُ أَعْتى الأَدَواتِ والأَسْلحَة، وَتَنْخَرِطُ فيها فَضائِيّاتٌ وَلوبِيّاتٌ سِياسِيَّةٌ وَطائِفِيَّةٌ وَمَذْهَبِيَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَحْقيقًا للأَهْدافِ التي فَشِلَتْ إِسْرائيلُ في تَحْقيقِها حَتّى تاريخِه. وَتَتَّخِذُ الفِتْنَةُ مِنَ الانْقِسامِ السِّياسِيِّ الحادِّ داخِلَ أَقْطابِ الدَّوْلَةِ والقُوى السِّياسِيَّةِ حَوْلَ المُفاوَضاتِ المُباشِرَةِ مَعَ إسرائيلَ كَما يُريدُها رَئيسا الجُمْهورِيَّةِ والحُكومَة، وَغَيْرِ المُباشِرَةِ كَما يُريدُها رَئيسُ البَرْلَمانِ وَ"حِزْبُ اللَّه"، ذَريعَةً واكَبَها تَخْوينٌ مُتَبادَلٌ وَتَكْذيبُ رِئاساتٍ لبَعْضِها.
صَحيحٌ أَنَّ "حِزْبَ اللَّهِ" تَفَرَّدَ بِقَرارِهِ مُواجَهَةَ إسرائيل، وَقَبْلَها الدُّخولَ في حُروبٍ أُخْرى، لَكِنْ هَل يَنْطَبِقُ سُلوكُ الحِزْبِ الذي يُمَثِّلُ فَريقًا سِياسِيًّا وَطائِفِيًّا، على سُلوكِ رَئيسِ الجُمْهورِيَّةِ الذي يُمَثِّلُ إِجْماعًا وَطَنِيًّا شَكَّلَ تَصْويتُ نُوّابِ "حِزْبِ اللَّهِ" نَتيجَتَهُ الحاسِمَةَ رِئاسِيًّا؟
إِنَّ حِوارًا وَطَنِيًّا صادِقًا وَحْدَهُ ما يَرْدِمُ الفَجْوَةَ الدّاخِليَّة، وَيَصْنَعُ سَلامَ اللُّبْنانِيّينَ وَيَنْزِعُ صَواعِقَ تَفْجيرِ لُبْنانَ المُفَخَّخِ بِالفِتْنَة، وَإِنَّ صورَةً تَجْمَعُ رَئيسَ الجُمْهورِيَّةِ مَعَ مُجْرِمِ الحَرْبِ نِتِنْياهو لَنْ تَكونَ سِوى وَرَقَةٍ في مَلَفِّ ترامب لُزومِ تَطْويبِهِ "بَطَلًا للسَّلام".. لَكِنَّها قَدْ تُحْرِقُ البَلَد!.
(خاص "عروبة 22")

