لِنُراجِعْ بِسُرْعَةٍ خُطُواتِ صُنْعِ القَرارِ الرَّشيدِ لِنَكْتَشِفَ ابْتِعادَ الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ عَنْها، وَتَتَلَخَّصُ هَذِهِ الخُطُواتُ في التَّحْديدِ الدَّقيقِ لِلمَوْقِفِ الذي يَتَطَلَّبُ اتِّخاذَ قرارٍ ما وَتَحْديدَ الهَدَفِ الْمَطْلوبِ تَحْقيقُهُ مِنْ هَذا القَرار، والبَحْثَ في أَفْضَلِ الوَسائِلِ لِتَحْقيقِه، ثُمَّ الِاخْتيارَ فيما بَيْنَها فَيَكونُ هُوَ القَرارُ المَطْلوب، وَلَوْ تَأَمَّلنا في القَرارِ بِشَنِّ الحَرْبِ على إيرانَ سَنَتَبَيَّنُ على الفَوْرِ مَدى افْتِقارِهِ لِمُعْظَمِ مُقَوِّماتِ القَرارِ الرَّشيد.
عَوَّض النظام الإيراني بقدراته الصاروخية فقدانه السيطرة على سمائه فضلًا عن توظيف ورقة الطاقة
بَدْءًا بِتَحْديدِ المَوْقِف، يَتَّضِحُ مَدَى القُصورِ في تَكْوينِ صورَةٍ دَقيقَةٍ لِأَبْعادِه، وَأَخُصُّ بِالذِّكْرِ نُقْطَتَيْنِ تَتَعَلَّقُ أُولاهُما بِصَلابَةِ النِّظامِ الإيرانِيِّ والثّانِيَةُ بِقُدراتِهِ العَسْكَرِيَّة:
- أَمّا الأولى، فَمِنَ الواضِحِ أَنَّ دونالد ترامْب تَخَيَّلَ أَنَّ تَوْجيهَ ضَرْبَةٍ قَوِيَّةٍ لِلنِّظامِ الإيرانِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يَقْتَلِعَهُ بِسُرْعَة، وَقَدْ تَكونُ الِاحْتِجاجاتُ الشَّعْبِيَّةُ الْواسِعَةُ التي تَعَرَّضَ لَها النِّظامُ غَيْرَ مَرَّةٍ مَسْؤولَةً عَنْ هَذا التَّقْديرِ الذي لَمْ يَتَحَقَّقْ على أَرْضِ الْواقِع، وَقَدْ يَكونُ بِنيامين نِتِنْياهو مَسْؤولًا عَنْ ذَلِك، لَكِنَّ المُهِمَّ أَنَّ هَذا التَّقْديرَ قَدْ ثَبَتَ فَشَلُه، مَعَ أَنَّ التَّحَوُّطَ لِلسّينارْيو الآخَر - وَهُوَ صُمودُ النِّظام - كانَ ضَرورِيًّا، في ضَوْءِ خِبْراتِهِ السّابِقَةِ النّاجِحَةِ في مواجَهَةِ الِاحْتِجاجاتِ الشَّعْبِيَّة، أَوِ الخِبْراتِ الأَميرْكِيَّةِ ذاتِها في مُحاوَلاتِ اقْتِلاعِ النُّظُم، والأَخْطَرُ أَنَّهُ حَتّى عِنْدَما نَجَحَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ في إِسْقاطِ نِظام - كَما حَدَثَ في الحالَةِ الأَفْغانِيَّةِ عامَ 2001 - فَإِنَّ الأَمْرَ تَطَلَّبَ مِنْها عِشْرينَ عامًا كَيْ تُسَلِّمَ بِهَزيمَتِها.
- أَمّا القُدراتُ العَسْكَرِيَّةُ لِلنِّظامِ الإيرانِيّ، فَلا شَكَّ أَنَّها لا تُقارَنُ مِنْ قَريبٍ أَوْ بَعيدٍ بِمَثيلَتِها لَدى الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإِسْرائيل، لَكِن كَما أَنَّ الحُروبَ غَيْرَ المُتَماثِلَةِ تُعَوِّضُ لِلطَّرَفِ الضَّعيفِ فَجْوَةَ القُوَّة، فَإِنَّ اخْتيارَ الِاسْتْراتيجِيَّةِ والتَّكْتيكاتِ العَسْكَرِيَّةِ المُناسِبَةِ في الحُروبِ النِّظاميةِ يُمْكِنُ أَنْ يُحَقِّقَ الأَثَرَ نَفْسَه، وَهَكَذا عَوَّضَ النِّظامُ الإيرانِيُّ بِقُدراتِهِ الصّاروخِيَّةِ فُقْدانَهُ السَّيْطَرَةَ على سَمائِه، فَضْلًا عَنْ تَوْظيفِ وَرَقَةِ الطّاقَةِ بِالتَّحَكُّمِ في مَضيقِ هُرْمُز.
ترامب يلجأ للتفاوض كنوع من الخداع التكتيكي لضمان عنصر المفاجأة في توقيت الضربة العسكرية
وَأَمّا خُطْوَةُ اخْتيارِ الهَدَف، فَقَدْ شَهِدَتْ تَخَبُّطًا غَيْرَ مَسْبوقٍ مِنْ إِعْلانِ الرَّغْبَةِ في القَضاءِ على البَرْنامجِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيّ، الذي كانَ قَدْ سَبَقَ لِترامب أَنْ أَعْلَنَ الإِجْهازَ عَلَيْه، ناهيكَ بِأَنَّ دُوَلًا أُخْرى تَمْتَلِكُ بِالفِعْلِ أَسْلِحَةً نَوَوِيَّةً مِنْها إِسْرائيلُ لا تُثيرُ لَدَيْهِ مُشْكِلَة، إلى ادِّعاءِ الرَّغْبَةِ في عِقابِ النِّظامِ الإيرانِيِّ على قَتْلِهِ شَعْبَه، وَلَوْ كانَ القَتْلُ مُبَرِّرًا لِلتَّدَخُّلِ العَسْكَرِيِّ لَوَجَبَ عَلَيْهِ النَّظَرُ في قَتْلِ إِسْرائيلَ بِاعْتِرافِ جَيْشِها لِـ70 أَلْفَ فِلَسْطينِيٍّ في حَرْبِها الْحالِيَّةِ على غَزَّة.
وَفيما يَتَعَلَّقُ بِالخُطْوَتَيْنِ الأَخيرَتَيْن، وَهُما البَحْثُ عَنْ أَفْضَلِ الوَسائِلِ لِتَحْقيقِ الهَدَف، فَتَقْضي قَواعِدُ الرَّشادَةِ بِأَنَّ ما يُمْكِنُ تَحْقيقُهُ سِلْمِيًّا هُوَ الخِيارُ الأَفْضَل، وَقَدْ كانَتْ هُناكَ تَجْرِبَةٌ ناجِحَةٌ لِضَبْطِ البَرْنامجِ النَّوَوِيِّ الإيرانِيِّ تَمَثَّلَتْ في اتِّفاقِ الدُّوَلِ الْخَمْسِ دائِمَةِ العُضْوِيَّةِ في مَجْلِسِ الأَمْنِ بِالإِضافَةِ إلى أَلْمانْيا مَعَ إيرانَ في 2015، وَهُوَ الِاتِّفاقُ الذي نَقَضَهُ ترامب في 2018 إِبانَ وِلايَتِهِ الأولى، ثُمَّ عادَ في وِلايَتِهِ الثّانِيَةِ لِيُقَرِّرَ سَلَفًا مَرَّتَيْن، في يونْيو/حُزَيْرانَ 2025 وَهَذِهِ المَرَّة، اللُّجوءَ لِلبَديلِ العَسْكَرِيِّ على الرَّغْمِ مِنْ فُرَصِ النَّجاحِ في المُفاوَضاتِ الدّيبْلوماسِيَّة، بِحَيْثُ ظَهَرَ أَنَّ ترامب لا يَلجَأُ لِلتَّفاوُضِ بَحْثًا عَنْ تَسْوِيَةٍ سِلْمِيَّة، وَإِنَّما كَنَوْعٍ مِنَ الخِداعِ التَّكْتيكِيِّ لِضَمانِ عُنْصُرِ المُفاجَأَةِ في تَوْقيتِ الضَّرْبَةِ العَسْكَرِيَّة، وَهُوَ ما يُفْضي إلى فُقْدانِ الثِّقَةِ في المُفاوِضِ الأَميرْكِيّ، وَيُعَقِّدُ مِنْ ثَمَّ أَيَّ مُفاوَضاتٍ لاحِقَة.
ذهب ترامب إلى القول بأنّ إيران مُحيت من الخريطة في انتظار انتخابات التجديد النصفي للكونغرس
وَنَتيجَةً لِهَذا التَّخَبُّطِ في عَمَلِيَّةِ صُنْعِ القَرار، فَإِنَّها تَعَثَّرَت، لَيْسَ بِالمَعْنى الزَّمَنِيِّ فَإِنَّ المُدَّةَ التي حَدَّدَها تْرامْب لِلمُهِمَّة (4-6 أَسابيع) لَمْ تَنْقَضِ حَتّى كِتابَةِ هَذا المَقال، وَلَكِنْ بِمَعْنى غِيابِ المُؤَشِّراتِ على أَنَّ أَهْدافَ العَمَلِيَّةِ تَقْتَرِبُ مِنَ التَّحْقيق، وَيَتَحَدَّثونَ لَحْظَةَ كِتابَةِ المَقالِ عَنْ تَدَخُّلٍ بَرِّيٍّ سَيَكونُ إِنْ حَدَثَ أَصْعَبَ بِكَثيرٍ مِنْ مَرْحَلَةِ القَصْفِ الجَوِّيِّ بِالنِّسْبَةِ لِلقُوّاتِ المُهاجِمَة، وَلِتَغْطِيَةِ العَجْزِ عَنْ تَحْقيقِ الأَهْدافِ راحَ ترامب يُمْطِرُنا بِالتَّصْريحاتِ التي جَعَلَتْهُ مَثارَ سُخْرِيَة، فَفي مواجَهَةِ عَدَمِ سُقوطِ النِّظامِ الإيرانِيِّ راحَ تارَةً يَقولُ إِنَّهُ يَبْحَثُ في قائِمَةِ أَسْماءٍ لِاخْتيارِ المُرْشِدِ الإيرانِيِّ مِنْ بَيْنِها، وَتارَةً أُخْرى يَقولُ إِنَّ قِياداتِ الحَرَسِ الثَّوْرِيِّ تَعْرِضُ عَلَيْهِ الِاسْتِسْلامَ مُقَابِلَ العَفْو، وَفي مُقابِلِ عَدَمِ اسْتِسْلامِ إيرانَ يُعْلِنُ تَدْميرَ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ الإيرانِيَّةِ بِالكامِل، مِنْ دونِ أَنْ يُكَلِّفَ نَفْسَهُ مَشَقَّةَ تَفْسيرِ الِاسْتِمْرارِ في قَصْفِ إِسْرائيلَ بِالصَّواريخِ وَتَصاعُدِ الخَسائِرِ نَتيجَةً لِذَلِك، بَل ذَهَبَ إلى القَوْلِ بِأَنَّ إيرانَ قَدْ مُحِيَتْ مِنَ الخَريطَةِ أَصْلًا، في انْتِظَارِ انْتِخاباتِ التَّجْديدِ النَّصْفِيِّ لِلكونْغْرِس في نوفَمْبَر/تِشْرين الثّاني المُقْبِلِ لِمَعْرِفَةِ حُكْمِ الرَّأْيِ الْعامِّ الأَميرْكِيِّ على هَذا الأَداءِ الْبائِس!.
(خاص "عروبة 22")

