الغَضَبُ الرَّقْمِيّ، الذي تُضَخِّمُهُ الخَوارِزْمِيّاتُ وَمِنَصّاتُ التَّواصُل، يَدْفَعُ النِّقاشاتِ العَرَبِيَّةَ بَعيدًا عَنْ مَنْطِقِ المَصالِحِ المُشْتَرَكَةِ وَالتَّعاوُنِ الإِقْليمِيّ، نَحْوَ مَنْطِقِ "الصَّديقِ وَالعَدُوّ"، حَيْثُ يُنْظَرُ إِلى الِاخْتِلافِ السِّياسِيِّ بِوَصْفِهِ تَهْديدًا وُجودِيًّا وَهُوِيّاتِيًّا وَأَخْلاقِيًّا.
غَيْرَ أَنَّ هذِهِ الظّاهِرَةَ لَيْسَتْ عَرَبِيَّةً فَقَط، بَلْ أَصْبَحَتْ مُشْكِلَةً عالَمِيَّةً تُهَدِّدُ الدّيموقْراطِيّاتِ نَفْسَها. فَالدِّراساتُ الجَديدَةُ تَتَحَدَّثُ عَنْ تَصاعُدِ ما يُعْرَفُ بِـ"الِاسْتِقْطابِ العاطِفِيّ"، حَيْثُ لَمْ يَعُدِ الخِلافُ السِّياسِيُّ قائِمًا أَساسًا حَوْلَ البَرامِجِ وَالسِّياسات، بَلْ حَوْلَ المَشاعِرِ السَّلْبِيَّةِ تُجاهَ الطَّرَفِ المُقابِل. وَتُشيرُ أَبْحاثٌ صَدَرَتْ مُؤَخَّرًا إِلى أَنَّ الرَّسائِلَ الغاضِبَةَ تُحَقِّقُ مُسْتَوَياتٍ أَعْلى بِكَثيرٍ مِنَ التَّفاعُلِ وَالِانْتِشارِ عَبْرَ الشَّبَكاتِ مُقارَنَةً بِرَسائِلِ السَّعادَةِ وَالأَمَلِ العَقْلانِيَّة، مِمّا جَعَلَ الغَضَبَ يَتَحَوَّلُ تَدْريجِيًّا إِلى لُغَةٍ سِياسِيَّةٍ مُهَيْمِنَةٍ داخِلَ الفَضاءِ الرَّقْمِيّ، كَما تُشيرُ أَبْحاثُ يان أَلْغان (Yann Algan) لِعامِ 2026.
ساهمت المنصات الرقمية في تحويل الخلافات السياسية العربية إلى استقطابات عاطفية حادة
لَكِنَّ تَأْثيرَ هذِهِ الدّينامِيَّةِ يَبْدو أَكْثَرَ هَشاشَةً في العالَمِ العَرَبِيِّ بِسَبَبِ ضَعْفِ المُؤَسَّساتِ الوَسيطَة، كَالأَحْزابِ وَالنِّقاباتِ وَالجَمْعِيّات، وَتَراجُعِ الثِّقَةِ السِّياسِيَّة، وَانْهِيارِ الكَثيرِ مِنْ فَضاءاتِ النِّقاشِ العُمومِيِّ التَّقْليدِيَّة. فَفي هذا السِّياق، لا يَتَحَوَّلُ الغَضَبُ إِلى مُجَرَّدِ أَداةِ احْتِجاجٍ سِياسِيّ، بَلْ إِلى لُغَةٍ هُوِيّاتِيَّةٍ تُعيدُ تَشْكيلَ العَلاقَةِ بَيْنَ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ نَفْسِها.
وَيُفَسِّرُ بَعْضُ نَظَرِيّاتِ عِلْمِ النَّفْسِ السِّياسِيِّ هذِهِ الظّاهِرَةَ مِنْ خِلالِ التَّمْييزِ بَيْنَ القَلَقِ وَالغَضَب. فَالقَلَقُ يَدْفَعُ الأَفْرادَ إِلى البَحْثِ عَنِ المَعْلوماتِ وَإِعادَةِ التَّفْكير، كَما حَدَثَ خِلالَ المَراحِلِ الأُولى مِنْ جائِحَةِ كوفيد-19، بَيْنَما يَقودُ الغَضَبُ إِلى اليَقينِ الأَخْلاقِيِّ وَالِانْغِلاقِ المَعْرِفِيّ. وَعِنْدَما يُهَيْمِنُ الغَضَب، يَتَحَوَّلُ الخَصْمُ السِّياسِيُّ إِلى "عَدُوٍّ أَخْلاقِيٍّ" لا مُجَرَّدَ مُنافِسٍ سِياسِيّ، فَتَبْدو التَّسْوِياتُ وَكَأَنَّها خِيانَةٌ أَوِ اسْتِسْلام.
لَقَدْ ساهَمَتِ المِنَصّاتُ الرَّقْمِيَّةُ في تَحْويلِ الكَثيرِ مِنَ الخِلافاتِ السِّياسِيَّةِ العَرَبِيَّةِ إلى اسْتِقْطاباتٍ عاطِفِيَّةٍ حادَّةٍ تَقومُ عَلى ثُنائِيّاتٍ مِنْ قَبيل: "الصَّديقِ وَالعَدُوّ"، "مَعي أَوْ ضِدّي"، "نَحْنُ وَهُم"، حَتّى داخِلَ الفَضاءِ العَرَبِيِّ نَفْسِه. وَمَعَ الوَقْت، أَصْبَحَ أَيُّ خِلافٍ سِياسِيٍّ أَوْ ديبلوماسِيٍّ حَوْلَ القَضايا العَرَبِيَّةِ قابِلًا لِلتَّحَوُّلِ إِلى حَمَلاتِ تَخْوينٍ وَكَراهِيَةٍ مُتَبادَلَةٍ بَيْنَ الجَماهيرِ العَرَبِيَّة، بِما يُضْعِفُ تَدْريجِيًّا فِكْرَةَ المَجالِ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك. وَهكَذا تَنْتَقِلُ المِنْطَقَةُ مِنْ أَزْمَةِ تَنْسيقٍ سِياسِيٍّ إِلى أَزْمَةٍ أَعْمَقَ تَمَسُّ البُنْيَةَ العاطِفِيَّةَ وَالثَّقافِيَّةَ لِلْعَلاقاتِ العَرَبِيَّة.
الخطابات الهوياتية تحظى بانتشار أوسع من الخطابات التكاملية
وَلا تَقودُ لُغَةُ الغَضَبِ إِلى الِاسْتِقْطابِ العاطِفِيِّ فَحَسْب، بَلْ تَدْفَعُ أَيْضًا نَحْوَ صُعودِ تَوَجُّهاتٍ مُتَطَرِّفَةٍ تَتَقاطع، عَلى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلافِها الإيدْيولوجِيّ، في نَزْعَتِها الِانْغِلاقِيَّةِ وَالحِمائِيَّة. فَحينَ يُصْبِحُ الغَضَبُ هُوَ اللُّغَةَ المُهَيْمِنَة، تَتَراجَعُ سَرْدِيّاتُ التَّعاوُنِ وَالتَّكامُلِ وَالِانْفِتاحِ لِصالِحِ خِطابٍ يَقومُ على تَحْميلِ "الآخَرِ" مَسْؤولِيَّةَ الأَزمات.
في الخِطاباتِ الشَّعْبَوِيَّةِ يَظْهَرُ الآخَرُ في صورَةِ المُهاجِرِ أَوِ المُنافِسِ الخارِجِيِّ الذي "يَسْرِقُ" الوَظائِفَ وَالثَّرْوَة. وَفي المُقابِل، يَميلُ بَعْضُ الخِطاباتِ الرّاديكالِيَّةِ إِلى تَفْسيرِ الأَزماتِ بِمَنْطِقِ المُؤامَرَةِ الخارِجِيَّةِ أَوِ الهَيْمَنَةِ المُطْلَقَةِ لِلأَسْواقِ العالَمِيَّة. وَفي الحالتَيْن، تُصْبِحُ سِياساتُ الِانْغِلاقِ أَكْثَرَ جاذِبِيَّةً مِنْ سِياساتِ التَّبادُلِ وَالتَّكامُلِ الِاقْتِصادِيّ.
في العالَمِ العَرَبِيّ، تَبْدو هذِهِ الدّينامِيَّةُ أَكْثَرَ خُطورَةً لِأَنَّ اقْتِصادَ الِانْتِباهِ الرَّقْمِيِّ يُكافِئُ المُحْتَوى الأَكْثَرَ إِثارَةً لِلْغَضَبِ وَالِاسْتِقْطاب، بِاعْتِبارِهِ الأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلى جَذْبِ التَّفاعُلِ وَالمُشارَكَة. وَهُنا يُصْبِحُ الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ جُزْءًا مِنَ المُشْكِلَة؛ فَالخَوارِزْمِيّاتُ لا تُفَضِّلُ الحَقيقَةَ أَوِ العَقْلانِيَّة، بَلِ المُحْتَوى القادِرَ عَلى إِبْقاءِ المُسْتَخْدِمِ أَطْوَلَ وَقْتٍ مُمْكِنٍ داخِلَ المِنَصَّة. وَالنَّتيجَةُ أَنَّ الخِطاباتِ الغاضِبَةَ وَالهُوِيّاتِيَّةَ تَحْظى بِانْتِشارٍ أَوْسَعَ بِكَثيرٍ مِنَ الخِطاباتِ التَّعاوُنِيَّةِ أَوِ التَّكامُلِيَّة.
كَما أَنَّ أَدَواتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ التَّوْليدِيِّ أَصْبَحَتْ قادِرَةً عَلى إِنْتاجِ مُحْتَوًى عاطِفِيٍّ وَاسْتِقْطابِيٍّ بِكَمِّيّاتٍ هائِلَةٍ وَبِتَكْلِفَةٍ شِبْهِ مَعْدومَة، مِمّا يُضاعِفُ سُرْعَةَ انْتِشارِ الغَضَبِ داخِلَ الفَضاءِ الرَّقْمِيِّ العَرَبِيّ. وَهكَذا تَتَحَوَّلُ المِنَصّاتُ الرَّقْمِيَّةُ تَدْريجِيًّا مِنْ فَضاءاتٍ مُحْتَمَلَةٍ لِبِناءِ نِقاشٍ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَكٍ إِلى ساحاتِ تَعْبِئَةٍ عاطِفِيَّةٍ مُسْتَمِرَّة.
يحتاج العالم العربي إلى إعادة بناء "الفضاء العاطفي المشترك"
لِذلِك، فَإِنَّ أَزْمَةَ التَّكامُلِ العَرَبِيِّ اليَوْمَ لَيْسَتِ اقْتِصادِيَّةً أَوْ جِيوسِياسِيَّةً فَقَط، بَلْ أَيْضًا أَزْمَةٌ عاطِفيةٌ وَثَقافِيَّة. فَمَشاريعُ التَّكامُلِ تَحْتاجُ إِلى حَدٍّ أَدْنى مِنَ الثِّقَةِ المُتَبادَلَة، وَالقُدْرَةِ عَلى إِدارَةِ الِاخْتِلاف، وَالقَبولِ بِالتَّدَرُّجِ وَالتَّسْوِيات. غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِقْطابَ العاطِفِيَّ المُسْتَمِرَّ يَدْفَعُ نَحْوَ الِاتِّجاهِ المُعاكِسِ تَمامًا: تَحْويلِ المَجالِ العَرَبِيِّ إِلى جَماعاتٍ رَقْمِيَّةٍ مُتَنازِعَة، يَصْعُبُ عَلَيْها إِنْتاجُ مَصالِحَ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ سَرْدِيّاتٍ جَماعِيَّةٍ طَويلَةِ المَدى.
فَلا يُمْكِنُ في هذِهِ الحالَةِ بِناءُ تَكامُلٍ اقْتِصادِيٍّ عَرَبِيٍّ مُسْتَدامٍ داخِلَ بيئَةٍ رَقْمِيَّةٍ تُكافِئُ الكَراهِيَةَ أَكْثَرَ مِمّا تُكافِئُ التَّعاوُن. وَرُبَّما يَحْتاجُ العالَمُ العَرَبِيُّ اليَوْم، بِقَدْرِ حاجَتِهِ إِلى مَشاريعَ اقْتِصادِيَّةٍ وَمُؤَسَّساتٍ تَكامُلِيَّة، إِلى إِعادَةِ بِناءِ "الفَضاءِ العاطِفِيِّ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك". فَالتَّكامُلُ لا يَقومُ فَقَطْ عَلى الأَسْواقِ وَالِاتِّفاقِيّات، بَلْ يَقومُ كَذلِكَ عَلى ثَقافَةٍ سِياسِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلى إِدارَةِ الغَضَبِ مِنْ دونِ تَحْويلِهِ إِلى كَراهِيَة، وَعلى حِمايَةِ النِّقاشِ العُمومِيِّ مِنَ الِانْزِلاقِ نَحْوَ حَرْبٍ رَمْزِيَّةٍ دائِمَةٍ بَيْنَ "الأَصْدِقاءِ الأَعْداء".
وَفي عَصْرِ الخَوارِزْمِيّاتِ وَالذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، قَدْ يُصْبِحُ الدِّفاعُ عَنِ العَقْلانِيَّة، وَالِاعْتِرافُ المُتَبادَل، وَأَخْلاقِيّاتُ النِّقاشِ العُمومِيّ، وَخِطاباتُ الأَمَلِ وَالتَّعاوُن، شَرْطًا أَساسِيًّا لِدَعْمِ التَّكامُلِ وَالِانْدِماجِ العَرَبِيّ، بَلْ أَيْضًا لِلْحِفاظِ عَلى إِمْكانِيَّةِ وُجودِ مَجالٍ عَرَبِيٍّ مُشْتَرَكٍ في المُسْتَقْبَل.
(خاص "عروبة 22")

