يَرومُ الكِتابُ الإِجابَةَ عَنْ أَسْئِلَةٍ عِدَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِتِلْكَ الثُّنائِيَّة: هَلْ يُمْكِنُ لِخِيارِ الِانْتِقامِ أَنْ يَلْعَبَ دَوْرًا ما في إِقامَةِ السَّلامِ بِمَعْناهُ الإِيجابِيّ، مِن قَبيلِ أَنْ يَكونَ بَديلًا لِلْعُنْفِ البُنْيَوِيِّ النّاتِجِ عَنْ عُنْفِ المُجْتَمَعِ أَوْ عُنْفِ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَة؟ هَلْ مِنَ المُمْكِنِ فَهْمُ الِانْتِقامِ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ لِجَعْلِهِ دافِعًا لِلسَّلام؟ وَهَلْ يُمْكِنُ التَّفْكيرُ أَساسًا في التَّخَلُّصِ مِنَ الِانْتِقامِ مِن أَجْلِ الوُصولِ إلى السَّلام؟.
انتقام الضعيف من القوي وانتقام القوي من الضعيف
مَفْهومُ السَّلامِ الذي تَتَحَدَّثُ عَنْهُ المُؤَلِّفَة، يَتَقاطعُ مع مَفْهومِ السَّلامِ الإِيجابِيِّ الذي سَطَّرَ مَعالِمَهُ النَّظَرِيَّةَ عالِمُ الِاجْتِماعِ النُّرْويجِيُّ يوهان غالْتونْغ، وَالمُؤَسَّسِ على خَمْسَةِ مَعاييرَ كَما هُوَ مَعْلوم، وَهِيَ: الرَّفاهِيَّةُ الفَرْدِيَّة (جَسَدِيَّةٌ وَأَخْلاقِيّةٌ في آن)، جَوْدَةُ التَّفاعُلاتِ اليَوْمِيَّةِ مِنْ خِلالِ الرِّهانِ على خِيارِ التَّعاوُنِ بَدَلَ المُنافَسَة، إِدارَةُ النِّزاعاتِ بِشَكْلٍ هادِئٍ وَسَلِس، العَدالَةُ في الوُصولِ إلى المَوارِد، وَأَخيرًا القُدْرَةُ عَلى إِقامَةِ حُكْمٍ مُناسِب.
أَحَدُ النَّماذِجِ التَّطْبيقِيَّةِ لِلْجَدَلِيَّةِ أَعْلاه، هُوَ عَيْنُ ما جَرى مُنْذُ ثَلاثِ سَنَواتٍ في قِطاعِ غَزَّة، حَيْثُ إِنَّ حَرَكَةَ "حَماس"، في مَعْرِضِ هُجومِها عَلى "الكيبوتْز"، لَمْ تَسْعَ إلى تَحْقيقِ نَصْرٍ اسْتراتيجِيّ، حَسَبَ المُؤَلِّفَة، بِقَدْرِ ما كانَتْ تَرومُ إِذْلالَ الإِسْرائيلِيّين، أَوْ قُلِ الِانْتِقامَ مِنَ الإِهاناتِ التي تَعَرَّضَ لَها الشَّعْبُ الفِلَسْطينِيُّ لِعُقود؛ وَفي المُقابِل لَمْ تَتَرَدَّدْ إِسْرائيلُ في اسْتِغْلالِ تِلْكَ الأَحْداثِ لِإِطْلاقِ حَرْبِ إِبادَةٍ أَوْ ما وَصَفَتْهُ المُؤَلِّفَةُ بِحَرْبٍ عِقابِيَّةٍ بِلا حُدودٍ أَوْ أُفُقٍ سِياسِيّ. مِنْطَقَتانِ مُتَماثِلَتانِ تَتَجاوَبان: انْتِقامُ الضَّعيفِ مِنَ القَوِيّ، وَانْتِقامُ القَوِيِّ مِنَ الضَّعيف.

تُضيفُ المُؤَلِّفَةُ أَيْضًا في النَّموذَجِ الفِلَسْطينِيِّ أَنَّ الحَرْبَ الإِسْرائيلِيَّةَ لَمْ تَسْتَهْدِفْ تَحْييدَ حَرَكَةِ "حَماس" فَحَسْب، بَلْ كانَتْ تَسْتَهْدِفُ أَيْضًا فَرْضَ عُقوبَةٍ جَماعِيَّةٍ على سُكّانٍ مُنْهَكينَ سَلَفًا، لِأَنَّهُ مَعَ تِلْكَ الِاعْتِداءات، كانَ الإِسْلامِيّونَ يَعْلَمونَ جَيِّدًا أَنَّهُ مِنْ خِلالِ الِانْتِقامِ مِنْ عَقْدَيْنِ مِنَ الحِصارِ وَاسْتِعْمارِ الأَراضي الفِلَسْطينِيَّةِ في الضَّفَّةِ الغَرْبِيَّة، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجْذِبوا سِوى غَضَبِ رَئيسِ وُزَراءِ الكِيان، وَهُوَ ما تَحَقَّقَ فِعْلًا، لِأَنَّ رَدَّ الجَيْشِ الإِسْرائيلِيِّ جاءَ عَبْرَ عَمَلِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ تَحْتَ شِعارِ الإِجْهازِ عَلى إِسْلامِيِّي القِطاع، بَيْنَما الهَدَفُ الأَهَمُّ لا عَلاقَةَ لَهُ بِحَلِّ النِّزاع، وَإِنَّما إِرْضاءُ غَضَبِ دَوْلَةٍ وَحُكومَةٍ يَمينِيَّةٍ مُتَطَرِّفَةٍ مُقْتَنِعَةٍ بِأَنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّعايُشُ مَعَ التَّنْظيمِ الإِسْلامِيِّ المَعْنيّ، وَالنَّتيجَةُ التي تَتَفاعَلُ مَعَ عُنْوانِ الكِتاب، أَنَّ الرَّدَّ الإِسْرائيلِيَّ تَجاوَزَ الِانْتِقام، وَأَصْبَحَ بَعيدًا جِدًّا عَنِ السَّلام. (لا نَجِدُ في الكِتابِ أَيَّ أَثَرٍ بِخُصوصِ النِّقاشِ الذي أُثيرَ عَرَبِيًّا حَوْلَ خَطَأِ الحَرَكَةِ في تِلْكَ الأَحْداث، وَلا الجَدَلَ العَرَبِيَّ أَيْضًا حَوْلَ الفائِزِ وَالخاسِرِ في تَبِعاتِ تِلْكَ المَآسي، مَعَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأَسْئِلَة، بَدَهِيَّةُ الإِجابَةِ لَكِنَّ الخَوْضَ فيها كانَ أَشْبَهَ بِالخَوْضِ في حَقْلِ أَلْغام).
الأمر وصل عمليًا إلى تجاوز المواثيق الأممية في معرض التفاعل الميداني مع القضية الفلسطينية
بِخُصوصِ البَديلِ الذي تَقْتَرِحُهُ المُؤَلِّفَةُ قَصْدَ الوُصولِ إلى ذَلِكَ السَّلامِ الإِيجابِيّ، فَإِنَّ الأَمْرَ يَقْتَضي أَوَّلًا أَنْ نَأْخُذَ الِانْتِقامَ بِعَيْنِ الِاعْتِبار، مُعْتَبِرَةً أَنَّ تَحْقيقَ السَّلامِ يَقْتَضي مِنّا جَميعًا أَنْ نَفْهَمَ الِانْتِقام. صَحيحٌ أَنَّ هَذا التَّنْظيرَ لَيْسَ جَديدًا لِتَحْقيقِ السَّلام، لَكِنَّ المُسْتَجِدَّ فيه يَكْمُنُ في أَنْ تُؤْخَذَ المَطالِبُ التي أَدَّتْ إلى الِانْتِقامِ في الِاعْتِبار، أَوِ النَّظَرِ فيها مِنْ دونِ الِانْتِقالِ إلى الفِعْلِ في مَرْحَلَةٍ أولى، قَبْلَ طَرْقِ المَرْحَلَةِ الثّانِيَة، وَعُنْوانُها تَفْعيلُ هَذا التَّنْظيرِ عَلى مُسْتَوى الأَفْرادِ وَكَذَلِكَ على مُسْتَوى الدُّوَل، لِأَنَّهُ إِذا كانَ يَجِبُ مَنْعُ أَعْمالِ الِانْتِقامِ لِلسَّماحِ بِالسَّلام، فَإِنَّ المَطالِبَ بِالِانْتِقام، مِنْ جِهَتِها، تَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْتَمَعَ إِلَيْها وَتُحَلَّل.
مَجْهودٌ نَظَرِيٌّ لا بَأْسَ بِهِ يُحْسَبُ لِلْمُؤَلِّفَة، وَيُمْكِنُ أَنْ يُشَكِّلَ مادَّةً أَساسِيَّةً لِلتَّفْكيرِ في العَدالَة، وَالتَّعْويض، حَتّى إِنَّها تُوَجِّهُ الدَّعْوَةَ إلى أَهَمِّيَّةِ تَشْجيعِ جَلَساتِ الحِوارِ حَوْلَ الِانْتِقامِ مِنْ أَجْلِ تَنْظيمِ وَمَنْعِ الفِعْلِ العَنيفِ لِلِانْتِقام، وَإِقامَةِ حِوارٍ حَوْلَ المَطالِبِ التي تَكْمُنُ وَراءَ هَذا الِانْتِقام، مِنْ أَجْلِ دِراسَةِ ما إِذا كانَ يُمْكِنُ تَنْفيذُ هَذِهِ المَطالِب، مُعْتَبِرَةً أَنَّهُ مِنْ خِلالِ دِراسَةِ المَطالِبِ المُتَبادَلَةِ لِلِانْتِقامِ وَطَلَباتِ التَّعْويضِ يُمْكِنُ تَنْظيمُ المُصالَحَةِ وَفي النِّهايَة، السَّلامُ المُحْتَمَل، مِنْ دونِ أَنْ تُفَصِّلَ المُؤَلِّفَةُ في طَبيعَةِ تَفاعُلِ الكِيانِ الإسرائيليِّ مَعَ هَذا السَّقْفِ النَّظَرِيّ، وَمَعَهُ الحَليفُ الأَميرْكِيّ، لِأَنَّ الأَمْرَ وَصَلَ عَمَلِيًّا وَلَيْسَ نَظَرِيًّا فَحَسْب، إلى تَجاوُزِ المَواثيقِ الأُمَمِيَّةِ في مَعْرِضِ التَّفاعُلِ المَيْدانِيِّ لِهَذا الثُّنائِيِّ مَعَ القَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة!.
(خاص "عروبة 22")

