يُراقب العالمُ عن كثبٍ مسارَ المفاوضاتِ الجاريةِ لإنهاءِ الحرب، بعدما رَفَع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سَقفَ تهديداتِه، واضعًا مهلةً زمنيةً أمام إيران للتوصلِ إلى تسويةٍ وإلا "الجحيم"، ما أدّى إلى ارتفاعِ منسوبِ التوتر وإعادةِ "تشغيلِ محركات" الوساطات بعد تعثُّرِها في الأيام القليلة الماضية. وتدخل دولٌ عدة على هذا الخط، ومن بينها باكستان ومصر وتركيا، لكنها تقفُ "عاجزةً" أمام لائحةِ الشروطِ التي يَضعُها كل طرفٍ ويتمسكُ بها من دون تقديمِ أي تنازلاتٍ، بينما تعيشُ المنطقةُ بأسرِها هولَ تداعياتِ الصراعِ المستمرِ منذ ثمانيةٍ وثلاثين يومًا. وعن المسارِ التفاوضي الجاري، نقلَ موقعُ "أكسيوس" الأميركي عن مصادرَ أميركيةٍ وإسرائيليةٍ إشارتها إلى أن واشنطن وطهران، إلى جانب وسطاء إقليميين، يَعقِدون مباحثاتٍ بشأن التوصلِ إلى وقفِ إطلاقِ نارٍ مُحتمَل لمدة خمس وأربعين يومًا، لافتةً إلى أن فرصَ التوصلِ إلى "اتفاقٍ جزئي" خلال الساعات الثماني والأربعين المقبلة لا تزال ضئيلةً، في حين تُعدُّ هذه المحاولةُ الأخيرةُ فرصةً حاسمةً لتفادي تصعيدٍ خطيرٍ.
وبحسب المعلومات، تبادلَ المبعوثُ الأميركي ستيف ويتكوف ووزيرُ الخارجيةِ الإيراني عباس عراقجي رسائلَ نصيةً مباشرةً، خلال الساعاتِ الماضية، طُرِحت خلالها مُقترحاتٌ عدةٌ، "لكنها لم تستطع تحقيقَ أيَ اختراقٍ". وهذا الضغطُ المتزايدُ يأتي على وقعِ التصعيدِ العسكري في الميدان، واستمرارِ إغلاقِ مَضيقِ هُرمزَ بعد وضع طهرانَ شروطًا لإعادةِ فتحِه، متحديةً تهديداتِ ترامب ومتجاهلةً الدعواتِ المحذرةَ من التدهورِ المستمر في أمنِ الطاقةِ والتجارةِ العالمية. إذ طالبَ نائبُ رئيسِ مكتبِ الاتصالاتِ التابعِ للرئاسةِ الإيرانيةِ مهدي طباطبائي بالتعويضِ عن الخسائرِ الناجمةِ عن الهجماتِ ضد بلادِه، من خلالِ جزءٍ من عائداتِ نظامِ عُبورٍ جديد. والتعاملُ مع هذا المضيقِ الحيوي وكأنه ملكٌ للنظامِ الإيراني يُصعِّب التوصلَ إلى حلٍ، خصوصًا أن دولَ الخليجِ العربيِ باتت ترفعُ الصوتَ عاليًا وتريدُ أن تكونَ جزءًا من أي اتفاقٍ، وترفض تَحوُّل "هُرمز" إلى ورقةِ ضغطٍ وابتزازٍ سياسي. فقال المستشارُ الدبلوماسي لرئيسِ دولةِ الإمارات أنور قرقاش، أن رغبةَ إيران في إبرامِ "اتفاقِ عدمِ اعتداء" يجب أن تكونَ شاملةً لجميعِ الأطرافِ في المنطقة، وأن مضيقَ هُرمز يجب ألا يكونَ "رهينةً بيدِ دولةٍ واحدةٍ"، مشددًا على ضرورةِ أن يكونَ هذا الملفُ "جزءًا لا يتجزأ من أي تسويةٍ لأيِ صراع". وإذ أَوضحَ أن الإمارات ليست بصددِ التّحرّكِ كقوةٍ بحريةٍ منفردةٍ، أكدَ استعدادَها للانضمامِ إلى أيِ جهدٍ دولي أو بقيادةِ الولايات المتحدة لتأمينِ حريةِ الملاحةِ الدولية.
وتمثّلُ المهلةُ الجديدةُ التي منَحَها الرئيسُ ترامب لإيرانَ الحدَّ الفاصلَ، إذ تتجّهُ الأنظارُ إلى ما ستؤولُ إلِيه الأمورُ قبل نفادِ الوقتِ المحدّدِ الذي ينتهي الثامنة مساءَ غدٍ الثلاثاء بتوقيتِ شرقِ الولاياتِ المتحدة، بعد تهديدِه بـ"دمارٍ شاملٍ" يطالُ محطاتِ توليدِ الكهرباءِ والجسورَ وآبارَ النفط وجزيرة "خرج" الاستراتيجية "إذا لم يُتوَصَّل إلى اتفاقٍ يَضمنُ فتحَ مضيقِ هُرمز". وتبدو كلفةُ استمرارُ الحربِ كبيرةً على طرفي النزاع، كما الدول المتأثرة بما يجري، في وقتٍ شكل فيه الاجتماع الإيراني العُماني "بدايةً لتقاربٍ جزئي"، بعدما أفادت "وكالةُ الأنباءِ العُمانية" بأن السلطنة وطهران عقدتا اجتماعاً على مستوى وكلاء وزارتي الخارجية، بمشاركة مختصين من الجانبين، لبحثِ الخياراتِ الممكنةِ لضمانِ انسيابيةِ العبورِ في المضيقِ في ظلِّ الأوضاعِ الإقليميّةِ الراهنة. وهذا الحراك المتسارع لمنع تدهور الأمور واتساع نطاق المواجهة، تراقبه إسرائيل التي تتوقع "فشلًا ذريعًا" في المباحثات الجارية، وتعّد العدة للمزيدِ من التصعيدِ العسكري. فتلُ أبيب بقيادةِ رئيسِ الوزراءِ بنيامين نتنياهو تَسعَى إلى إطالةِ أمدِ الحربِ واستهدافِ القدراتِ الإيرانيةِ العسكريةِ والاقتصاديةِ، بهدف تعزيزِ موقِعِها الاستراتيجي. وضمن هذا السيّاقِ، نقلت صحيفةُ "يديعوت أحرونوت" عن مصدرٍ أمنيٍ إسرائيليٍ تأكيدَه أن الوضعَ في تل أبيب متوترٌ قُبيل انتهاءِ المهلةِ الحاسمةِ التي حدّدَها ترامب، مرجحًا عدمَ حدوثِ أي توافقٍ، ومؤكدًا استعدادَ الجيشِ الإسرائيلي لاستهدافِ ما سمَّاه بـ"الأهدافِ الكبيرة". ووفق ما نشرتهُ الصحيفةُ عينُها، فإن إسرائيلَ والولاياتِ المتحدةَ اتفقتا الأسبوعَ الماضيَ على قائمةِ الأهدافِ المتعلقةِ بالطاقةِ والبنيةِ التحتيةِ في إيرانَ، في اجتماعٍ عُقدَ بين رئيسِ الأركانِ الإسرائيلي إيال زامير وقائدِ القيادةِ المركزيةِ (سنتكوم) براد كوبر.
وتُعقّدُ الضغوطُ المُتزايِدةُ على طهرانَ ورفعُ الأخيرةِ ورقةَ هُرمز واستمرارُ هجماتِها على دولِ الخليجِ، المشهدَ، خصوصًا أن هذه الحربَ أثبتت تآكلَ الثقةِ، وخلّفت هوةً سحيقةً بين طهرانَ وجيرانِها من العربِ، التي لن يكونَ تخطِيها ممكنًا من دونِ معالجاتٍ جذرية. وعلى الرغمِ من حديثِ الإيرانيينَ عن أن ضرباتِهِم على دولِ الخليجِ تَستَهدفُ ما يسمونَها "المصالحَ الأميركيةً"، فإن الوقائعَ على الأرضِ تنفي هذه الادعاءاتِ، بعد أن طَالَت هذه الضرباتُ منشآتٍ مدنيةٍ ومراكزَ حيويةً وبنىً تحتيةً رئيسية. وأعلنت وزارةُ الكهرباءِ والماءِ والطاقةِ المتجددةِ في الكويت، أمس الأحد، عن استهدافِ طائراتٍ مُسيّرةٍ مُعاديةٍ إيرانية محطتين للقوى الكهربائيةِ وتقطيرِ المياهِ، ما أسفرَ عن أضرارٍ ماديةٍ جسيمةٍ، وخروج وَحدَتينِ لتوليدِ الكهرباءِ عن الخدمة. أما في البحرين، فتعرّضَت وحداتٌ تشغيليةٌ في "شركةِ الخليجِ لصناعةِ البتروكيماويات" لهجومٍ تَسبّبَ في اندلاعِ حريقٍ من دون تسجيلِ أيِ إصاباتٍ بشرية. وكشفت الإمارات، من جهتِها، أن الجهاتِ المختصةَ في إمارةِ أبو ظبي تتعاملُ مع حرائقَ عدة اندلعَت في مصنعِ "بروج للبتروكيماويات"، إثر سقوطِ شظايا بعد اعتراضٍ ناجحٍ من قبل أنظمةِ الدفاعِ الجوي. وكانت هذه المستجداتُ الميدانيةُ مدارَ بحثٍ ونقاشٍ خلال الاتصالاتِ الديبلوماسيةِ التي تَجرِي على أكثر من مستوَى، إذ بَحثَ وزيرُ الخارجيةِ السعودي فيصل بن فرحان في اتصالين هاتفيين مع نظيرَيهِ الكويتي الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، واللاتفية بايبا برازي، الأوضاعَ في المنطقةِ والجهودَ المبذولةَ بشأنِها. كذلك استعرضَ مع نائبِ رئيسِ الوزراءِ وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، المساعي الإقليميةِ وسطَ تأكيدِ الجانبين أهميةَ استمرارِ التنسيقِ والتشاورِ في هذا الشأن.
وتشعرُ الدولُ الخليجيةُ بـ"الخيانةِ" – إذا صحَّ التعبير- خصوصًا أنها سَعَت من أجل منعِ اندلاعِ الحربِ وحاولَت في السنواتِ الماضيةِ تحسينَ العلاقاتِ بينَها وبين النظامِ الإيراني، لكنها واجهَت وابلًا من الصواريخِ والمسيّرات. والدلالةُ الكبيرةُ على حجمِ الضرباتِ والخسائرِ، ما كشفَتْه صحيفةُ "الشرق الأوسط" عن إطلاقِ نحوِ 20 هجومًا إيرانيًا منذ بدءِ الحربِ في أواخر شباط/ فبراير الماضي، استهدفَتْ منشآتٍ ومواقعَ الطاقةِ لدولِ مجلسِ التعاون، في حين وقعَتْ 8 هجماتٍ منها خلال الأيامِ الثلاثةِ الماضيةِ، أي الجمعة والسبت والأحد. وتريد إيران من خلال ذلك أن يكونَ لَها اليدُ الطولى في الحربِ وأن تُحدّدَ شروطَها وتفرضَ إرادتَها، خصوصًا أنها تخوضُ معركةَ "تقريرِ مصيرٍ"، فإما تتمكن من انتزاعِ اتفاقٍ يُرضِيهَا أو تَدخلُ في حربِ استنزافٍ طويلةٍ مع تزايدِ الخسائرِ البشريةِ والمادية. ويُمثّلُ هذا الإقحامُ "للجيران" جوهرَ القضيةِ الراهنةِ، ما أكّدَه الرئيسُ التركيُ رجب طيب أردوغان، الذي حذّرَ من أن مسارَ الحربِ الحالي يتجه نحو "مأزقٍ جيوسياسيٍ"، مطالبًا المجتمعَ الدولي بتكثيفِ الجهودِ لإنهائِها. وتَخشَى أنقرة من انعكاساتِ الصراعِ و"رواسبِه"، وتبذلُ جهودًا حثيثةً انطلاقًأ من الموقعِ والمكانةِ التي تَحظَى بها. وتناولَ مقالٌ تحليليٌ في صحيفةِ "هآرتس" الإسرائيلية الدورَ المحوريَ الذي تضطلعُ بِه تركيا، معللًا ذلك بالإشارةِ إلى أنها نَقلَت علاقاتِها في الآونةِ الأخيرةِ معَ بعضِ دولِ المنطقةِ إلى مستوىً استراتيجي.
البحثُ عن تحالفاتٍ جديدةٍ ورسمُ توزاناتٍ مختلفةٍ هو أبرزُ نتائجِ هذه الحربِ، طالَ أمدُها أو قَصُرَ، لأنها أنتجَتْ معادلاتٍ مختلفةً لن يكونَ بمقدورِ أحدٍ تجاهُلُهَا أو نِكرانُها. في غضونِ ذلك، استمرَ الحديثُ وتعدّدَتْ الرواياتُ عن كيفيةِ إنقاذِ الطيارِ الأميركي الثاني داخلَ الأراضي الإيرانية، بعدَما كشفَ الرئيسُ ترامب لوسائلِ الإعلامِ عن مسارِها والطريقةِ التي اعتُمِدتْ، في وقتٍ أفادَتْ فيه وكالةُ "رويترز" بأن عمليةَ الإنقاذِ واجهَت مقاومةً إيرانيةً شرسة. بينما رجّحَت صحيفةُ "نيويورك تايمز" أن المنطقةَ التي أُسقِطت فيها الطائرةُ، تشهدُ معارضةً للحكومةِ الإيرانيةِ، ما أتاح للضابطِ - المفقود حينها- الحصولَ على مأوىً ومساعدةٍ من سكانٍ محليينَ خلال فترةِ الاختباءِ، في حين كانَت القواتُ الإيرانيةُ تُمشِّطُ المنطقةَ وتطلبُ من السكانِ المساعدةَ في العثورِ علِيه مقابلَ مبلغٍ مادي. وستُظهر السنواتُ المقبلةُ السيناريو الحقيقي لما جرى، لكن حتى اللحظة، تلفُّ الضبابيةُ والغموضُ ما يجري عمومًا، وسطَ تكثيفِ الضرباتِ من قبلِ جميع الأطراف. وشهدَ أمسِ الأحدِ، إعلانُ إيرانَ تَنفيذَها هجماتٍ بطائراتٍ مسيّرةٍ استهدفَت منشآتٍ بتروكيماويةً وخزاناتِ وقودٍ في جنوبِ إسرائيل قربَ ديمونة، واصفةً هذه الضرباتِ بأنها ذاتُ أهدافٍ و"أهميةٍ استراتيجية". في المقابل، تحدثَ الجيشُ الإسرائيلي عن قصفِ أكثرَ من 120 هدفًا في وسطِ وغربِ إيران، شَمِلَتْ مواقعَ صواريخَ باليستيةً ومنشآتِ طائراتٍ مسيّرةٍ ومنظوماتِ دفاعٍ جويٍ، كاشفًا عن مقتلِ محمد رضا أشرفي كاهي، الذي قالَ إنه كان يشغلُ منصبَ رئيس الشؤون التجارية في مقرِ النفطِ التابعِ لـ"الحرس الثوري".
وتعج وسائل التواصل الاجتماعي بأسماء قيادات إيرانية رفيعة تغتالها الضربات الأميركية – الإسرائيلية، فيما الحصيلة النهائية لا تزال غير معروفة، مع استمرار القيود الصارمة التي يفرضها "الحرس الثوري" على البلاد، بهدف تعزيز سيطرته والاستمرار في ضبط الأوضاع ومنع انفلات الجبهة الداخلية مع تعزيز التنسيق مع الساحات الأخرى الداعمة لها. إذ تكشف سلسلة الضربات الأخيرة عن "وحدة الساحات"، عبر الرشقات الصاروخية المتزامنة من لبنان واليمن وإيران. وأدخل "حزب الله" الساحة اللبنانية الحرب منذ أيامها الأولى "ثأرًا" للمرشد الإيراني علي خامنئي، من دون أي اعتبارٍ للدولةِ اللبنانيةِ وللأوضاعِ التي تمرُّ بها البلاد. وبين المحاولاتِ الديبلوماسيةِ للتهدئة – على ندرتها – والوقائع الميدانية، يعيش اللبنانيون خوفًا مضاعفًا. فإسرائيل تزيد ضرباتها التي تَكثّفَت، أمس الأحد في بيروت، بعد سلسلةِ غاراتٍ عنيفةٍ على الضاحيةِ الجنوبيةِ، بالإضافة إلى غارةٍ جويةٍ استهدفت مبنى مأهولًا بالسكان قرب مستشفى رفيق الحريري الحكومي في منطقة الجناح، أسفرت عن مقتل 5 وإصابة نحو 37 شخصًا . وسبق ذلك، استهداف لبلدة كفرحتى جنوب لبنان، أسفرَ عن مقتلِ 7 أشخاص، من بينهم 6 من عائلة واحدة، بعد إنذارٍ وجّهَه الجيشُ الإسرائيلي، مساء السبت، لسكان البلدة داعيًا إلى إخلائها. وفي هذا السياق، ربط كثر بين التكثيف في الضربات وتبني الحزب استهداف بارجة حربية إسرائيلية قبالة الشواطئ اللبنانية، على الرغم من نفي تل أبيب ذلك جملة وتفصيلًا. ومساءً، وفي تطور إسرائيلي خطير، استهدفت غارة إسرائيلية شقة في المشروع الماروني في منطقة تلال عين سعادة أدّت، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، إلى مقتل 3 أشخاص وجرح ثلاثة.
في موازاة ذلك، تتواصل المعارك البرية في جنوب لبنان، حيث يحاول مقاتلو "حزب الله" التصدي للتوغلات الإسرائيلية على 4 محاور على الأقل، بينما يزيد الاحتلال من توغلاته وإجرامه مع قيامه بنشر فيديوهات توثق نسف المنازل والمنشآت والبنى التحتية في جريمة حرب موثقة، إسوة لما قام به خلال عامين من حرب الإبادة في غزّة. من جانبها، أعربت "اليونيفيل"عن "قلق بالغ" إزاء الهجمات التي تُشنّ بالقرب من مواقعها، منبهة من أن ذلك "قد يستدعي ردًا ناريًا"، ودعت الطرفين إلى "وضع سلاحهما جانبًا". ولكن "التعقل" لا يبدو سيد الموقف خصوصًا ان مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون أكدت انسداد أفق المفاوضات مع اسرائيل، موجهًا لومًا مبطنًا إلى "حزب الله" الذي جرّ البلاد إلى تحمّل تبعات الحرب. ويؤخذ على الرئيس عون عدم تسميات الأشياء بإسمها، خصوصًا أن بخطابه أمس تجنت ذكر الحزب واكتفي بالإشارة إليه بعبارة "البعض". ويحتاج لبنان اليوم للوضوح لأن الخسائر يدفع ثمنها الجميع، حتى اولئك الذين يرفضون خوض غمار هذه الحرب خدمة للمصالح الايرانية ولتقوية نفوذها في المنطقة. ولكن "متلازمة" لبنان وإيران باتت تحتاج إلى حلول دولية غير متاحة اليوم بظل ما يجري إقليميًا ودوليًا. إلى ذلك، قُتل 11 ضابطًا وجنديًا إسرائيليًا وأُصيب 375 آخرون، وُصفت جراح 27 منهم بالخطيرة و56 بالمتوسطة منذ تجدّد المعارك في جنوب لبنان مطلع الشهر الماضي. ووفق إحصاء لوكالة "الأناضول"، ارتفع عدد هجمات "حزب الله" إلى 1455 هجومًا منذ 2 آذار/مارس الماضي وحتى مساء يوم أول من أمس السبت.
والساحة اللبنانية المفتوحة على المزيد من التصعيد يقابلها، على الضفة الأخرى، ما يدور في العراق من تأزم سياسي والتخوف من تفلت أمني. وقالت السفارة الأميركية في بغداد إن مليشيات عراقية موالية لإيران شنّت هجومين على منشآت دبلوماسية أميركية بالعراق ليلة السبت، كاشفة أن الهجومين استهدفا اغتيال دبلوماسيين أميركيين. وتسعى الحكومة لإتخاذ خطوات فعّالة ولكنها لا تزال – حتى الساعة – غير قادرة على ضبط الأوضاع. أما في الأحداث الأخرى، فقد لفتت الزيارة "غير المُعلن عنها" سابقًا للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي وصل إلى العاصمة دمشق، في أول زيارة رسمية. وقد أجرى الأخير لقاءً مع الرئيس السوري أحمد الشرع بمشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وقد اشارت وسائل إعلامية أن اللقاء الثلاثي ناقش قضايا ثنائية وإقليمية، فيما أوضحت الرئاسة السورية أنه جرى بحث سبل تعزيز العلاقات والتعاون الاقتصادي، حيث أكد الجانبان أهمية ضمان أمن خطوط الإمداد الغذائي، بما يسهم في تعزيز استقراره في ظل التوترات الدولية. ولا يمكن قراءة هذه الزيارة "الخاطفة" بعيدًا عن الاجتماعات التي قام بها الشرع في المانيا وبريطانيا خلال الاسبوع الماضي وما يمكن أن تقرزه من معطيات جديدة وسط محاولات سوريا النأي بنفسها عن الصراعات الجارية و"نيران الحرب".
وهنا أبرز ما تناولته الصحف العربية الصادرة اليوم:
كتبت صحيفة "عكاظ" السعودية "الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، تضعنا أمام تداعيات أزمة غير مسبوقة، فمطالبة طهران بفرض رسوم على العبور من مضيق هرمز، يعني بلا شك تحديًّا للقانون الدولي، بل وحرفه عن شرعيته للأبد، إنه انقلاب لا يمكن التنبؤ بعواقبه". وقالت "إن مجرد التغافل عن محاولات إيران فرض رسوم عبور، سيؤدي إلى انهيار أحد أهم أسس النظام الاقتصادي والقانوني العالمي، وسيدفع دولًا أخرى إلى فرض رسوم أو إغلاق مضائق يعيش العالم عليها". لتخلص إلى أن ذلك " بلا شك سيخلق فوضى وتعطيلًا لحياة البشرية، وسيفرض تمردًا غير مقبول على القانون الدولي الذي اعترف به الجميع، وأصبح واقعًا عاشت عليه الدول خلال المئة عام الماضية".
رأت صحيفة "الدستور" الأردنية أنه "من الواضح أنّ الحرب الحالية لا تتجه نحو التهدئة أو خفض التصعيد أو حتى تسوية دبلوماسية، على النقيض من ذلك نتجه نحو التصعيد العسكري والتوسع الجغرافي والتمدد الزمني"، محذرة من أن "الحرب قد تمتد إلى مرحلة أطول، وقد تتوسع بصورة أكبر وتنتقل لتكون حربًا بالوكالة، بخاصة إذا شعرت الصين أن الفرصة أصبحت مواتية أكثر لاستنزاف الولايات المتحدة هناك، والحال كذلك بالنسبة للروس، وتوسّعت شقّة الخلاف بين أميركا وأوربا، بصورة أكثر دراماتيكية خلال المرحلة القادمة، وبالتالي يمكن أن تحصل إيران على قدرات أكثر فعالية تمكّنها من الصمود وتحمل الكلفة الكبيرة للحرب".
في إطار أخر، تطرقت صحيفة "الأهرام" المصرية إلى اللقاءات التي عقدت في القاهرة على مدار يومين وضمت الفصائل الفلسطينية إلى جانب الممثل السامي لغزة لمجلس السلام نيكولاى ميلادينوف "وذلك بهدف استكمال جهود وقف إطلاق النار وتثبيته خلال المرحلة القادمة، وهو ما يأتي في سياق الدور الأساسي الذي مارسته مصر من أجل الوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار"، مشيرة إلى أن "هذه التحركات المستمرة تطرح دلالتين رئيستين: الأولى، أن هذه الجهود تعكس الموقع الحيوي لمصر، باعتبارها قوة إقليمية رئيسة تسعى دائمًا إلى دعم الاستقرار ومكافحة الفوضى والإرهاب فى منطقة الشرق الأوسط برمتها، والثانية، إنها تمثل إدراكًا مصريًا لأهمية البناء على ما تحقق من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وعدم التوقف عن دعم تنفيذ ما تبقى من بنود خطة الرئيس ترامب، إذ لا توفر الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب أي فرصة من أجل عرقلة تلك الجهود، وذلك قبيل انتخابات الكنيست القادمة"، وفق تعبيرها.
(رصد "عروبة 22")

