اسْتِنادًا إِلى المَصْدَرَيْنِ أَعْلاه، هَذا يَعْني أَنَّ عُمْرَ هذا المُصْطَلَحِ مِنْ عُمْرِ الأَوْطانِ الحَديثَةِ التي نَشَأَتْ في أوروبّا مَعَ الحَضارَةِ الرَّأْسْمالِيَّة، ثُمَّ في سائِرِ بُلْدانِ العالَمِ التي تَأَسَّسَتْ بَعْدَ الحَرْبَيْنِ العالَمِيَّتَيْن. كَما يَعْني أَنَّ نَسَبَهُ التُّرْكِيَّ مَرَدُّهُ إِلى أَنَّ التَّحَوُّلاتِ التي طَرَأَتْ على السُّلُطاتِ الحاكِمَةِ المُتَعاقِبَةِ على الحُكْمِ في جُمْهوريَّةِ أَتاتورْك ظَلَّتْ "سَطْحِيَّةً" وَلَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ القَضاءِ على "الشَّبَكَةِ العَميقَة"، بَلْ على العَكْس، إِذْ إِنَّ هَذِهِ الشَّبَكَةَ كانَتْ أَقْوى مِنْ أَيِّ مُحاوَلَةٍ رَمَتْ إِلى إِحْداثِ تَغْييرٍ في هُوِيَّةِ الدَّوْلَةِ أَوْ إِلى تَقْويضِ الأَرْكانِ التي تَأَسَّسَتْ عَلَيْها.
في العالم العربي أعطى الحكّام الأولوية للسلطة على الدولة
في بُلْدانِ الرَّبيعِ العَرَبِيّ، لَمْ تَنْجَحْ قُوى "التَّغْييرِ" اليَساريَّةِ وَالقَوْمِيَّةِ وَالدّينيَّةِ في تَقْويضِ أُسُسِ الدَّوْلَةِ العَميقَة، مَعَ أَنَّ سَيْطَرَةَ بَعْضِها على السُّلْطَةِ بِالانْقِلاباتِ العَسْكَرِيَّةِ دامَتْ عُقودًا.
في تُونِس، الدّيموقْراطِيَّةُ وَالدُّسْتورُ وَالمَرْأَةُ وَالجَيْشُ هِيَ أَرْكانُ الدَّوْلَةِ العَميقَةِ التي حَمَتِ النِّظامَ مِنْ حُكْمِ الفَرْدِ وَمِنَ التَّطَرُّفِ الدّينيّ. مُؤَسَّسَةُ الجَيْشِ في الجَزائِرِ وَفي مِصْر، شَبَكَةُ العَلاقاتِ القَبَلِيَّةِ وَالعَشائِرِيَّةِ في الخَليج. أَمّا في سورْيا وَالعِراقِ وَاليَمَنِ فَقَدْ جَرَّتِ الأَجْهِزَةُ المُخابَراتِيَّةُ وَالأَمْنِيَّةُ بُلْدانَها إِلى حُروبٍ أَهْلِيَّة، وَانْتَهى الأَمْرُ بِالسّودانِ إِلى حَرْبٍ يَخوضُها جَيْشُ البِلادِ المُنْقَسِمُ على نَفْسِه.
في لُبْنانَ صَمَدَ النِّظامُ على امْتِدادِ خَمْسينَ عامًا أَمامَ مُحاوَلاتِ سَيْطَرَةِ الميليشْياتِ اليَسارِيَّةِ وَاليَمينِيَّةِ وَالدّينِيَّة، وَآخِرُها ميليشْيا "حِزْبِ اللهِ" المَدْعومَةُ مِنْ إيران، التي حاوَلَتْ كُلُّها وَفَشِلَتْ في تَدْميرِ أُسُسِ الدَّوْلَةِ العَميقَةِ القائِمَةِ على الدّيموقْراطِيَّةِ وَتَداوُلِ السُّلْطَةِ وَتَقاليدِ التَّعَدُّدِ وَالتَّنَوُّعِ التي حَمَلَتِ اسْمَ العَيْشِ المُشْتَرَك.
الدُّكْتورُ أَنْطوان مَسَرَّة كَتَبَ عَنْ "مَزْبَلَةٍ ذِهْنِيَّةٍ وَتَنْظيفِ العُقول، ما مَعْنى دَوْلَةٍ وَنِظامٍ وَمُؤَسَّسات؟"، وَذَلِكَ تَعْبيرًا عَنِ امْتِعاضِه، وَهُوَ الخَبيرُ في الشَّأْنِ الدُّسْتوريّ، مِنْ "تَلَوُّثِ المُصْطَلَحاتِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدَّوْلَةِ في خِطابِ السّوق"، وَاعْتِراضًا على اسْتِخْدامِ مُصْطَلَحِ الدَّوْلَةِ العَميقَةِ بَدِيلًا مِنَ الدَّوْلَةِ الرَّديفَةِ أَوِ المُوازِيَة.
تعطّلت الدساتير في البلدان العربية وشُطبت الديموقراطية من القاموس السياسي وأُلغي مبدأ تداول السلطة
بَيْنَ 2010 وَ2011 اسْتَمَرَّتْ بَلْجيكا 589 يَوْمًا، وَفي عامِ 2018 اسْتَمَرَّتْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، مِنْ غَيْرِ حُكومَةٍ فيدِرالِيَّة، وَظَلَّتِ الحَياةُ اليَوْمِيَّةُ لِلْمُواطِنينَ تَسيرُ على أَكْمَلِ وَجْه. الدَّوْلَةُ العَميقَةُ تَمَثَّلَتْ بِالمَلِكِ وَبِحُكومَةٍ لِتَصْريفِ الأَعْمالِ مِنْ خِلالِ الأَجْهِزَةِ الإِدارِيَّة. التَّقاليدُ الدّيموقْراطِيَّةُ في فَرَنْسا تَجْمَعُ اليَمينَ وَاليَسارَ في مُواجَهَةِ التَّطَرُّف. شَبَكاتُ المَصالِحِ وَرِجالُ الأَعْمالِ وَالدُّسْتورُ هِيَ ما يُصَعِّبُ على الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ نَقْلَ النِّظامِ مِنْ حُكْمِ القانونِ إِلى حُكْمِ الفَرْد.
الدَّوْلَة، بِما هِيَ أَهَمُّ اخْتِراعٍ بَشَرِيّ، بِحَسَبِ عَبْدِ الإِلَهِ بَلْقَزيز، قَديمَةٌ في التّاريخ. لٰكِنَّ الدَّوْلَةَ التي توصَفُ بِالعَميقَةِ أَوِ الرَّديفَةِ أَوِ المُوازِيَة، هِيَ على وَجْهِ التَّحْديد، الدَّوْلَةُ الحَديثَةُ التي نَشَأَتْ مَعَ الحَضارَةِ الرَّأْسْمالِيَّةِ وَشَكَّلَتْ بُنْيَتُها قَطيعَةً مَعَ ما سَبَقَها وَلا سِيَّما الدَّوْلَةُ الدّينِيَّةُ وَالإِمْبَراطورِيّاتُ وَالسَّلْطَناتُ وَالمَمالِك. أَهَمُّ خَصائِصِها الدّيموقراطيَّةُ وَالفَصْلُ بَيْنَ السُّلُطات.
في بُلْدانِ العالَمِ العَرَبِيّ، لَمْ تَنْشَأِ الدَّوْلَةُ الحَديثَةُ نَشْأَةً طَبيعِيَّة، إِذْ أَعْطى الحُكّامُ الأَوْلَوِيَّةَ لِلسُّلْطَةِ على الدَّوْلَة، وَتَشارَكوا مَعَ المُؤَسَّسَةِ الدّينيَّةِ في تَعْميمِ ثَقافَةِ الطّاعَةِ وَالاسْتِبْدادِ بَدِيلًا مِنَ الحُرِّيّاتِ وَالدّيموقراطيَّة. أَوَّلُ مَنْ افْتَتَحَ هَذا الالْتِباس، الشَّريفُ حُسَيْن الَّذي رَضِيَ بِاسْتِبْدالِ مَشْروعِ "الدَّوْلَةِ العَرَبِيَّةِ" بِسُلْطَةٍ لَهُ على كُلٍّ مِنَ العِراقِ وَالأُرْدُنّ. ثُمَّ أَتَتِ الانْقِلاباتُ العَسْكَرِيَّةُ في سورْيا وَالعِراقِ وَمِصْرَ وَالسّودانِ وَليبْيا وَالجَزائِرِ لِتُكَرِّسَ أَوْلَوِيَّةَ السُّلْطَةِ وَتُرَكِّزَ اهْتِمامَها على الأَجْهِزَةِ لا على المُؤَسَّسات، وَعلى الأَنْظِمَةِ العَسْكَرِيَّةِ بَدَلَ المَدَنِيَّة، فَتَعَطَّلَتِ الدَّساتيرُ في هَذِهِ البُلْدانِ وَشُطِبَتِ الدّيموقراطيَّةُ مِنَ القاموسِ السّياسيِّ وَأُلْغِيَ مَبْدَأُ تَداوُلِ السُّلْطَة، وَهَذا ما كانَ سائِدًا في الأَنْظِمَةِ السُّلْطانِيَّة.
من دون الدستور لا تُبنى الدولة الحديثة بل يستمر إرث الاستبداد الديني والسياسي
يَرْتَبِطُ وُجودُ الدَّوْلَةِ الحَديثَةِ بِأَسْماءِ عَدَدٍ مِنَ الفَلاسِفَة، توماس هوبز وَجون لوك وَجان جاك روسو وَفريدريش هيغل وَكارل ماركس، غَيْرَ أَنَّ الدَّوْلَةَ في بُلْدانِ العالَمِ العَرَبِيِّ لَمْ تَتَأَسَّسْ على العَقْدِ الاجْتِماعِيِّ الَّذي رَسَمَهُ هَؤُلاءِ بِقَدْرِ ما اسْتَلَّتْ مِنَ التّاريخِ تَقاليدَ السَّحْلِ في عِراقِ الحَجّاج، وَتَقاليدَ الدَّهاءِ مِنْ مُعاوِيَةَ في سورْيا، فيما تَرَكَتْ مَرْحَلَةُ الاسْتِعْمارِ الإِنْكْليزِيِّ بَصَماتِها على السّياسَةِ في مِصْرَ فَشَهِدَ المَلِكُ المَخْلوعُ وَداعًا بِأُبَّهَةِ المُلوك، وَمَرْحَلَةُ الاسْتِعْمارِ الفَرَنْسِيِّ بَصَماتِها على تُونِسَ فَحَمى الجَيْشُ هَيْبَةَ الرَّئيسِ وَحَمَلَهُ على الرَّحيلِ الهادِئِ في ثَوْرَةٍ مِنْ غَيْرِ دِماء.
ثَوْراتُ الرَّبيعِ العَرَبِيِّ أَطْلَقَتِ النُّسْخَةَ الثّانِيَةَ مِنَ النَّهْضَةِ حينَ طالَبَتْ بِسَنِّ الدَّساتير. مِنْ دونِ الدُّسْتورِ لا تُبْنى الدَّوْلَةُ الحَديثَة، بَلْ يَسْتَمِرُّ حَيًّا في كُلِّ سُلْطَةٍ إِرْثُ الاسْتِبْدادِ الدّينِيِّ وَالسّياسِيّ.
في البُلْدانِ المَنْكوبَةِ بِالكَوارِث، كَفِلَسْطينَ وَلُبْنانَ وَالسّودانِ وَاليَمَنِ وَالصّومال، كَما في سِواها مِنْ بُلْدانِ العالَمِ العَرَبِيِّ وَلا سِيَّما في الخَليجِ حَيْثُ تَمْضي التَّنْمِيَةُ بِوَتيرَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة، لا حَلَّ إِلّا بِالدَّوْلَة، دَوْلَةِ القانونِ وَالمُؤَسَّساتِ وَالكَفاءَةِ وَتَكافُؤِ الفُرَص، دَوْلَةِ الحُرِّيّاتِ وَالدّيموقراطيَّةِ وَالعَدالَةِ الاجْتِماعِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

