العَرَبُ في عالَمٍ مُتَعَدِّدِ الأَقْطاب!

تُذَكِّرُنا الزِّيارَةُ الرَّسْمِيَّةُ الَّتي قامَ بِها الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ دونالد ترامب إلى الصّينِ مُؤَخَّرًا بِأَنَّنا بِالفِعْلِ نَنْتَقِلُ تَدْريجِيًّا نَحْوَ عالَمٍ مُتَعَدِّدِ الأَقْطاب، لَمْ تَعُدْ فيهِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ هِيَ الآمِرُ النّاهي الوَحيدُ بَعْدَما تَمَتَّعَتْ بِهَذا المَوْقِعِ لِقُرابَةِ ثَلاثَةِ عُقود (1990–2020). على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الرَّئيسَ الأَميرْكِيَّ يُحاوِلُ بِشَتّى الطُّرُقِ الاسْتِعْراضَ بِالقُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ وَالتَّصْريحاتِ العَنْتَرِيَّة، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في تَقْديري سِوى تَعْبيرٍ صَريحٍ عَنْ تَرَاجُعِ هَذا القُطْبِ الواحِدِ عَنْ وَضْعِهِ الدَّوْلِيِّ مُنْذُ انْهِيارِ الاتِّحادِ السّوفْياتِيّ.

العَرَبُ في عالَمٍ مُتَعَدِّدِ الأَقْطاب!

الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لا تَزالُ القُوَّةَ الأَكْبَرَ عَسْكَرِيًّا وَاقْتِصادِيًّا وَتِكْنولوجِيًّا، لَكِنَّها لَمْ تَعُدْ قادِرَةً على إِدارَةِ كُلِّ المِلَفّاتِ العالَمِيَّةِ وَحْدَها، لَيْسَ لِأَنَّها زاهِدَةٌ في ذَلِكَ كَما صَرَّحَ ترامب في فَتْرَتِهِ الرِّئاسِيَّةِ الأولى، وَلَكِنْ لِأَنَّها بِالفِعْلِ لَمْ تَعُدْ قادِرَةً عَلى أَنْ تَقومَ بِالمُهِمَّةِ وَحْدَها.

هَذا التَّحَوُّلُ التَّدْريجِيُّ نَحْوَ التَّعَدُّدِيَّةِ القُطْبِيَّة، التي ظَهَرَتْ إِرْهاصاتُها مُنْذُ نَحْوِ عَقْدَيْنِ مِنَ الزَّمان، مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يُثيرَ مَجْموعَةً مِنَ الأَسْئِلَةِ في العالَمِ العَرَبيّ. هَلْ بِالفِعْلِ مِنَ الأَفْضَلِ لِلْعَرَبِ التَّحَوُّلُ نَحْوَ عَصْرِ التَّعَدُّدِيَّةِ القُطْبِيَّة، أَمْ أَنَّ تَجْرِبَةَ الحَليفِ الأَميرْكِيِّ الوَحيدِ كانَتْ أَفْضَل؟ هَلْ يُمَثِّلُ هَذا التَّحَوُّلُ فُرْصَةً حَقيقِيَّةً لِلْفِلَسْطينِيّينَ مِنْ أَجْلِ الحُصولِ عَلى دَوْلَتِهِمُ المُسْتَقِلَّة، أَمْ أَنَّهُ يُمَثِّلُ مَزيدًا مِنَ الضُّغوطِ وَالأَعْباء؟ بَلْ وَهَلِ العالَمُ العَرَبيُّ مِنَ الأَصْلِ يُمْكِنُ التَّعامُلُ معهُ كَوَحْدَةٍ تَحْليلِيَّةٍ واحِدَة، أَمْ أَنَّهُ مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ نَتَحَرَّكَ نَحْوَ فَهْمِ أَنَّ هُناكَ بِالفِعْلِ أَكْثَرَ مِنْ "عالَمٍ عَرَبيٍّ" واحِدٍ وَعَلَيْنا أَنْ نَقْبَلَ تِلْكَ الحَقيقَة؟ ثُمَّ يَأْتي أَخيرًا السُّؤالُ الأَهَمُّ وَهُوَ: هَلْ يَمْلِكُ العَرَبُ تَصَوُّرًا واضِحًا لِكَيْفِيَّةِ التَّعامُلِ مع هَذا العالَمِ الجَديد؟.

التعدّدية هي مسألة قدرة الدولة العربية على تنظيم مصالحها في عالم لم يعُد فيه للقانون الدولي أهمّية

كَتَبَ فريد زَكَرِيّا قَبْلَ سَنَواتٍ عَنْ "عالَمِ ما بَعْدَ أَميرْكا" (The Post-American World)، لَكِنَّهُ كانَ يَقْصِدُ أَساسًا صُعودَ الآخَرينَ لا اخْتِفاءَ أَميركا. وَهَذِهِ نُقْطَةٌ مُهِمَّة. فَالمُشْكِلَةُ في الكَثيرِ مِنَ النِّقاشاتِ العَرَبِيَّةِ أَنَّها تَتَعَامَلُ مع التَّحَوُّلاتِ الدَّوْلِيَّةِ كَأَنَّها مُباراةٌ صِفْرِيَّة: إِذا تَراجَعَتْ أَميركا رَبِحَ العَرَب، وَإِذا صَعدَتِ الصّينُ خَسِرَ الغَرْب، وَإِذا تَوَسَّعَتِ التَّعَدُّدِيَّةُ أَصْبَحَ العالَمُ أَكْثَرَ عَدْلًا. لَكِنَّ السِّياسَةَ الدَّوْلِيَّةَ لا تَعْمَلُ بِهَذِهِ البَساطَة!.

ريتْشارد هاس، مَثَلًا، تَحَدَّثَ عَنْ عالَمٍ "غَيْرِ قُطْبِيّ"، لا تَتَحَكَّمُ فيهِ دَوْلَةٌ واحِدَةٌ وَلا حَتّى مَجْموعَةٌ مَحْدودَةٌ مِنَ الدُّوَل، بَلْ تَتَوَزَّعُ فيهِ القُوَّةُ بَيْنَ دُوَلٍ كُبْرى، وَمُنَظَّمات، وَشَرِكات، وَفاعِلينَ مُسَلَّحين، وَشَبَكاتٍ عابِرَةٍ للحُدود. هَذِهِ الفِكْرَةُ مُهِمَّةٌ عَرَبِيًّا، لِأَنَّ مِنْطَقَتَنا لا تَعيشُ فَقَطْ تَحْتَ ضَغْطِ الدُّوَلِ الكُبْرى، بَلْ تَحْتَ ضَغْطِ فاعِلينَ كُثُرٍ مِنْ غَيْرِ الدُّوَل: جَماعَاتٍ مُسَلَّحَة، شَرِكاتِ طاقَة، مُؤَسَّساتٍ مالِيَّة، شَبَكاتِ تَهْريب، مَوانِئ، مَمَرّاتٍ بَحْرِيَّة، وَأَسْواقِ غِذاءٍ وَسِلاح. لِذَلِك، فَإِنَّ التَّعَدُّدِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرَبِ لا تَتَمَحْوَرُ فَقَطْ حَوْلَ تَوازُناتِ القُوَّةِ بَيْنَ واشِنْطُن وَبِكين وَموسْكو، بَلْ هِيَ أَيْضًا مَسْأَلَةُ قُدْرَةِ الدَّوْلَةِ العَرَبِيَّةِ نَفْسِها عَلى تَنْظيمِ مَصالِحِها في عالَمٍ لَمْ يَعُدْ فيهِ لِلقانونِ الدَّوْليِّ أَهَمِّيَّةٌ تُذْكَر.

التبعيّة للصين أو لروسيا ليست أفضل من التبعيّة لأميركا

المُشْكِلَةُ أَنَّ العَرَبَ لا يَدْخُلونَ هَذا التَّحَوُّلَ مِنْ مَوْقِعٍ واحِد. هُناكَ دُوَلٌ خَليجِيَّةٌ تَمْلِكُ المالَ وَالطّاقَةَ وَصَناديقَ الاسْتِثْمارِ وَمِنْ ثُمَّ القُدْرَةَ عَلى المُناوَرَة، وَهُناكَ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ تَعيشُ تَحْتَ ضَغْطِ الدُّيونِ وَالغِذاءِ وَالعُمْلَةِ وَيُصارِعُ مُواطِنوها مِنْ أَجْلِ العَيْشِ على حَدِّ الكَفاف، ثُمَّ إِنَّ هُناكَ دُوَلًا عَرَبِيَّةً أَنْهَكَتْها الحُروبُ الأَهْلِيَّةُ أَوِ التَّدَخُّلاتُ الخارِجِيَّةُ وَتُصارِعُ لِكَيْ تُصْبِحَ دَوْلَة. لِذَلِكَ يَصْعُبُ تَحْليلًا، بَلْ وَسِياسِيًّا، الحَديثُ عَنْ "مَوْقِفٍ عَرَبيٍّ" واحِدٍ مِنَ التَّعَدُّدِيَّة، لِأَنَّ كُلَّ دَوْلَةٍ لَديها ظُروفٌ مُخْتَلِفَة، وَمِنْ ثُمَّ تَتَبايَنُ نَظْرَتُها لِلْعَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَقُدُراتُها عَلى اسْتِخْدامِ مَوارِدِها في السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ إِلى حَدٍّ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ بِالفِعْلِ مِنَ المُُمْكِنِ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ عالَمٍ عَرَبيٍّ واحِدٍ في ظِلِّ الظُّروفِ الرّاهِنَة.

وَإِذا ما عُدْنا إِلى سُؤالِ التَّعَدُّدِيَّة، فَعَلَيْنا أَيْضًا الحَذَرَ مِنَ الوُقوعِ في فَخِّ التَّبْسيطِ المُخِلّ، كَأَنْ نَقولَ إِنَّ التَّعَدُّدِيَّةَ سَتَكونُ أَكْثَرَ عَدْلًا. إِنَّ القُوى الصّاعِدَةَ عالَمِيًّا لَدَيْها أَيْضًا مَصالِحُها وَمَشاريعُها، فَقُوى إِقْليمِيَّةٌ مِثْلَ الهِنْدِ أَوِ البَرازيل، أَوْ حَتّى تُرْكيا وَإيران، إِذا ما أَصْبَحَتْ أَطْرافًا أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلى مُواجَهَةِ المَصالِحِ وَالسِّياساتِ وَالقِيَمِ الغَرْبِيَّةِ بِشَكْلٍ عامٍّ وَالأَميرْكِيَّةِ بِشَكْلٍ خاصّ، فَلا يَعْني هَذا أَنَّها سَتُقَدِّمُ لَنا الإِجاباتِ النَّموذَجِيَّةَ عَلى قَضايانا العالِقَة: الدّيموقراطِيَّة، الظُّروفِ الاقْتِصادِيَّة، الأَمْنِ القَوْمِيِّ وَالإِقْليمِيّ، وَالقَضِيَّةِ الفِلَسْطينِيَّة. كَما أَنَّ التَّبَعِيَّةَ لِلصّينِ أَوْ لِروسيا لَيْسَتْ بِالضَّرورَةِ أَفْضَلَ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلْوِلاياتِ المُتَّحِدَة. وَحَتّى بِافْتِراضِ أَنَّ هَذِهِ القُوى سَتُريدُ مُساعَدَتَنا في قَضايانا العالِقَة، فَلا يَعْني هَذا بِالضَّرورَةِ أَنَّهُ سَيَكونُ بِالمَجّانِ أَوْ لِأَجْلِ العَدْلِ في مَعْناهُ المُطْلَق، فَهُناكَ أَثْمانٌ يَجِبُ أَنْ تُدْفَعَ في كُلِّ الأَحْوال.

أوراق عربية تُهدر وستبقى مُهدرة طالما لا يوجد تنسيق وحدّ أدنى من القدرة على ضبط الخلافات البينيّة

مِنْ هُنا، لا يَنْبَغي أَنْ يَكونَ السُّؤالُ العَرَبيّ: مع مَنْ نَقِف؟ مع الغَرْبِ أَمْ مع الصّين؟ مع واشِنْطُن أَمْ مع موسْكو؟ مع التَّكَتُّلاتِ الجَديدَةِ أَمْ مع المُؤَسَّساتِ القَديمَة؟ هَذا سُؤالٌ يَفْتَقِدُ لِلْعُمْقِ وَالخَيال. السُّؤالُ الأَهَمُّ هُوَ: ما هِيَ المَصالِحُ العَرَبِيَّةُ الَّتي نُريدُ حِمايَتَها، وَكَيفَ نَسْتَخْدِمُ تَعَدُّدَ الأَقطابِ لِخِدْمَةِ هَذِهِ المَصالِح، وَبِأَيِّ أَثْمانٍ سَنَقْبَلُ بِها؟ ثُمَّ الأَهَمُّ مِنْ كُلِّ ذَلِك: كَيْفَ نَتَحَرَّكُ كَفاعِلٍ إِقْليمِيٍّ لَدَيْهِ الحَدُّ الأَدْنى مِنَ التَّنْسيقِ السِّياسِيِّ وَالأَمْنِيِّ حَتّى يَكونَ لَنا دَوْرٌ في هَذِهِ المُعادَلَةِ الدَّوْلِيَّةِ الجَديدَةِ القائِمَةِ عَلى التَّعَدُّد؟.

هُناكَ أَوْراقٌ عَرَبِيَّةٌ حَقيقِيَّةٌ لِلْمُناوَرَةِ في السِّياسَةِ الدَّوْلِيَّة، لَكِنَّها كَثيرًا ما تُهْدَر. الطّاقَة، وَالمَمَرّاتُ البَحْرِيَّةُ مِنْ قَناةِ السُّوَيْسِ إِلى البَحْرِ الأَحْمَرِ وَالخَليج، وَالحَضاراتُ وَالأَدْيانُ وَالفُنونُ وَالقِيَمُ في العالَمِ العَرَبيّ، كُلُّها تَمْنَحُ المِنْطَقَةَ وَزْنًا لا يُمْكِنُ تَجاهُلُه. لَكِنَّ هَذِهِ الأَوْراقَ سَتَبْقى مُهْدَرَةً طالَما أَنَّهُ لا يوجَدُ رُؤْيَةٌ وَتَنْسيقٌ وَحَدٌّ أَدْنى مِنَ القُدْرَةِ عَلى ضَبْطِ الخِلافاتِ البَيْنِيَّة.. وَلِلْحَديثِ بَقِيَّة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن