الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ بَيْنَ الهَيْمَنَةِ والإِبْداع!قِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ في سِباقٍ حُسِمَ سَلَفًا

أَدَّتِ التَّطَوُّراتُ التِّكْنولوجِيَّةُ المُتَلاحِقَةُ مُنْذُ عُقود، وَبِخاصَّةٍ تِقْنِيّاتُ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، إلى تَغْييرِ مَشْهَدِ الحَياةِ البَشَرِيَّةِ بِشَكْلٍ كَبير، فَمِنْ خِلالِ الخَوارِزْمِيّاتِ المُعَقَّدَةِ وَقُدراتِ مُعالَجَةِ البَياناتِ المُتَقَدِّمَة، أَمْكَنَ لِلذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ اليَوْمَ مُحاكاةُ العَمَلِيّاتِ المَعْرِفِيَّةِ البَشَرِيَّة، مِثْلُ الِاسْتِنْتاجِ والتَّعَلُّمِ وَحَلِّ المُشْكِلاتِ واتِّخاذِ القَرار، وَهَذا الأَمْرُ جَعَلَ الذَّكاءَ الِاصْطِناعِيَّ يَتَغَلغَلُ في شَتّى المَجالاتِ الحَياتِيَّةِ مِنَ الصِّناعَةِ والرِّعايَةِ الصِّحِّيَّةِ والتَّعْليم، إلى الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ والِاسْتْراتيجِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ والمُعامَلاتِ الِاقْتِصادِيَّة. لَكِنْ يَبْدو أَنَّ سِباقَ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ اليَوْم، قَدْ حُسِمَتْ مَلامِحُهُ مُبَكِّرًا، وَخارِجَ المُجْتَمَعاتِ التي وُضِعَتْ قَسْرًا على هامِشِ الحَداثَة، مِثْل المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّة.

الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ بَيْنَ الهَيْمَنَةِ والإِبْداع!
قِراءَةٌ عَرَبِيَّةٌ في سِباقٍ حُسِمَ سَلَفًا

في الوَقْتِ الذي كانَتْ فيهِ القُوى الكُبْرى مُنْشَغِلَةً بِبِناءِ نَماذِجِها وَتَطْويرِ بَياناتِها الرَّقْمِيَّة، في صَمْتٍ وَخَفاء - مُنْذُ عَقْدَيْنِ على الأَقَل - بَعيدًا عَنْ وَسائِلِ الإِعْلامِ والفَعّالِيّاتِ البَحْثِيَّةِ مِنْ كُتُبٍ وَمَقالاتٍ وَمُؤْتَمَرات، ظَلَّ الحُضورُ العَرَبِيُّ مَحْدودًا وَمُتَأَخِّرًا، إِنْ لَمْ نَقُل غائِبًا.

وَبَيْنَما تَسْتَثْمِرُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ الأَميرْكِيَّةُ والصّينُ مِلياراتِ الدّولاراتِ في البَحْثِ العِلْمِيِّ وَتَكْوينِ الكَفاءات، يُعاني العالَمُ العَرَبِيُّ مِنْ فَجْوَةٍ واضِحَةٍ في مَنْظوماتِ التَّعْليمِ والِابْتِكارِ والِاهْتِمامِ بِالكَفاءاتِ وَضَعْفِ التَّمْويل، وَهِجْرَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ لِلعُقول، إِذْ يُمْكِنُ الجَزْمُ أَنَّ البيئَةَ العَرَبِيَّةَ في الكَثيرِ مِنَ الحالاتِ هِيَ طارِدَةٌ لِلكَفاءاتِ والإِبْداعاتِ الجادَّة، في ظِلِّ فَسادِ الحَياةِ السِّياسِيَّةِ والحكامَةِ وَإِشْكالِ التَّدْبير، خاصَّةً مَعَ هَيْمَنَةِ مَنْطِقِ العَصَبِيَّةِ والقَبَلِيَّةِ والِانْتِماءاتِ الحِزْبِيَّةِ والجَماعاتِيَّةِ الضَّيِّقَة (التي تَسْتَقْطِبُ الأَقْرِباءَ والأَعِزّاءَ قَبْلَ الكَفاءاتِ وَذَوي المُؤَهِّلات)، وَفي ظِلِّ هَذِهِ الظُّروفِ لَمْ يَكُنْ مُّمْكِنًا حُصولُ وَعْيٍ اسْتِشْرافِيٍّ مِنْ أَجْلِ إِدْراجِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ ضِمْنَ أَوْلَوِيّاتِ السَّياساتِ العُمومِيَّةِ إِلّا في مَراحِلَ مُتَأَخِّرَة، وَهُوَ الأَمْرُ الذي يَطْرَحُ فَرْضِيَّةَ كَوْنِ سِباقِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ اليَوْمَ أَبْوابُهُ موصَدَة، عَلَيْها حُرّاسٌ شِدادٌ لا يَسْمَحونَ بِالعُبورِ إِلّا لِلمُسْتَكْشِفين، ثُمَّ يُحَوِّلونَ المُسْتَكْشِفينَ إلى مُشارِكينَ نَشِطين، وَفي النِّهايَةِ إلى مُسْتَهْلِكينَ أَوْفِياء.

يُعاد تشكيل علاقتنا بالتكنولوجيا من منظور الاستعمار المعرفي

فَاليَوْم، وَبَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّتْ مَوازينُ القُوَّةِ في هَذا المَيْدان، يَبْدو أَنَّ إِدْماجَنا في السِّباقِ يَتِمُّ وِفْقَ مَوْقِعٍ مُحَدَّدٍ سَلَفًا، مَوْقِعِ المُسْتَهْلِكينَ لا المُنْتِجين، والتّابِعينَ لا الشُّرَكاء، وَبَدَلًا مِنْ أَنْ نَكونَ جُزْءًا مِنْ صِناعَةِ الخَوارِزْمِيّاتِ وَبِناءِ النَّماذِج، يُقَدَّمُ لَنا الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ في شَكْلِ حُزَمٍ جاهِزَة: بَرامِجُ تَعْليمِيَّة، تَطْبيقاتٌ مُساعِدَةٌ في الحَياةِ اليَوْمِيَّة، وَمِنَصّاتٌ إِنْتاجِيَّةٌ تُسَوَّقُ بِوَصْفِها مَفاتيحَ حَداثَةِ القَرْنِ الـ21، حَيْثُ تَتَصَدَّرُ نَماذِجُ مِثْلُ "ChatGPT" وَ"Gemini" وَ"Copilot" هَذا المَشْهَد، وَمِنْ داخِلِه - كَمُسْتَهْلِكينَ لا كَمُطَوِّرينَ وَمُبَرْمِجين - يُعادُ تَشْكيلُ عَلاقَتِنا بِالتِّكْنولوجْيا، مِنْ مَنْظورِ الِاسْتِعْمارِ المَعْرِفِيّ، حَيْثُ نُغَذّي هَذِهِ النَّماذِجَ بِبَياناتِنا وَلُغَتِنا وَثَقافَتِنا مَجّانًا، ثُمَّ نُعيدُ شِراءَها كَخِدْمات.

وَمِنْه، فَالمَشْهَدُ العَرَبِيُّ اليَوْمَ يَعْكِسُ أَشْكالًا مِنَ الإِجْهادِ والأَزماتِ والحُروبِ والِانْقِساماتِ، على الرَّغْمِ مِنْ تَكاثُرِ الخِطاباتِ حَوْلَ "خَرائِطِ الطَّريق" وَ"اقْتِصادِ المَعْرِفَة" وَ"تَعْظيمِ الإِنْتاجِيَّة" وَ"السِّياساتِ التَّنْمَوِيَّةِ الذَّكِيَّة" وَ"الِاسْتْراتيجِيّاتِ التَّعْليمِيَّة"، لَكِنَّ السُّؤالَ الذي يَظَلُّ مُعَلَّقًا: هَل نَمْتَلِكُ فِعْلًا شُروطَ الدُّخولِ إلى قَلْبِ هَذا الِاقْتِصاد، أَمْ أَنَّنا خَسِرْناهُ وَنُدْفَعُ بِرِفْقٍ وَتُؤَدَةٍ إلى هامِشِه، حَيْثُ نُسْهِمُ في اسْتِهْلاكِ ما يُنْتِجُهُ الآخَرون، وَنَمْنَحُ مِنْ دونِ وَعْيٍ قيمَةً مُضافَةً لِمَنْظوماتِ ذَكاءٍ اصْطِناعِيٍّ لا نَتَحَكَّمُ فيها.

وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّ الحَديثَ عَنْ خَسارَةِ السِّباقِ لَيْسَ قَدَرًا، وَلا يَنْبَغي أَنْ يَكونَ إِعْلانًا لِلهَزيمَة، بِقَدْرِ ما هُوَ دَعْوَةٌ مُلِحَّةٌ لِلتَّفْكيرِ في مَوْقِعِنا كَعَرَبٍ داخِلَ الِاقْتِصادِ المَعْرِفِيِّ العالَمِيّ، واسْتِدْراكِ ما يُمْكِنُ اسْتِدْراكُهُ عَبْرَ الِاسْتِثْمارِ في الإِنْسانِ قَبْلَ الآلَة، وَتَدْريبِ الذّاتِ قَبْلَ تَدْريبِ النَّموذَج، وَأَوَّلُ خُطْوَةٍ في سِباقِ الخُروجِ مِنَ التَّأَخُّرِ وَمِنْ مَوْضِعِ المُسْتَهْلِكينَ في سِباقِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، تَبْدَأُ مِنْ تَبَنّي السِّيادَةِ المَعْرِفِيَّة، وَعَدَمِ الِانْخِراطِ الأَعْمى في سِباقٍ تَقودُهُ الشَّرِكاتُ والمِنَصّاتُ العالَمِيَّة، بَلِ البَحْثِ عَنْ بَدائِلَ مَحَلِّيَّةٍ مَفْتوحَةِ المَصْدَر، وَتَطْويرِ بُنًى تَحْتِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ عَرَبِيًّا، تَسْمَحُ بِتَعْظيمِ المَوارِدِ وَتَقاسُمِ الميزاتِ بَدَلَ اسْتِنْزافِها بِشَكْلٍ مُتَفَرِّقٍ وَغَيْرِ فَعّال.

إعادة التفكير في التأخّر كفرصة للتموقع من جديد داخل البنية العالمية لإنتاج المعرفة

مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، لا يَكْفي إِدْخالُ أَدَواتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ إلى المَدارِسِ والجامِعات، بَل يَجِبُ إِعادَةُ بِناءِ التَّكْوينِ الأَساس، عَبْرَ رَبْطِ عُلومِ الحاسوبِ بِالرِّياضِيّاتِ والفَلْسَفَةِ وَعِلمِ الِاجْتِماع، ثُمَّ قَبْلَ هَذا وَذاكَ التَّفْكيرُ مِنْ مَنْظورٍ نَقْدِيٍّ في "اقْتِصادِ ما بَعْدَ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ"، بِمَعْنًى أَدَقّ، في الفُرَصِ البَديلَة، مِنْ خِلالِ الِانْفِتاحِ على السُّؤال: ماذا لَوْ كُنّا نَعيشُ فُقاعَةَ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ؟ وَماذا لَوْ وَصَلَ العالَمُ إلى نُقْطَةِ تَشَبُّعٍ أَوْ تَراجُع؟ حَيْثُ تُشيرُ التَّوَقُّعاتُ إلى احْتِمالِ نَفادِ البَياناتِ اللُّغَوِيَّةِ عالِيَةِ الجَوْدَةِ خِلالَ السَّنَواتِ المُقْبِلَة، إِضافَةً إلى مَشاكِلَ مُتَزايِدَةٍ في اسْتِنْزافِ الطّاقَةِ العالَمِيَّةِ وَتَضَخُّمِ الِاسْتِثْمارات.

وَفي هَذِهِ الحالَة، لا يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِنا كَعَرَبٍ بِتَدارُكِ تَأَخُّرٍ تِقْنِيّ، بَل بِإِعادَةِ التَّفْكيرِ في التَّأَخُّرِ كَفُرْصَةٍ وَميزَةٍ لِلتَّمَوْقُعِ مِنْ جَديدٍ داخِلَ البُنْيَةِ العالَمِيَّةِ لِإِنْتاجِ المَعْرِفَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن