على الرَّغْمِ مِنْ تَراجُعِ المُعَدَّلِ العامِّ لِلْبِطالَةِ في تونِس، إلى مُسْتَوى 15.2% خِلالَ الثُّلُثِ الأَخيرِ مِنْ عامِ 2025، مُقابِلَ 15.4% سابِقًا، وَتَراجُعِ نِسْبَةِ بِطالَةِ الشَّباب، وَخاصَّةً نِسْبَةِ البِطالَةِ مِنْ بَيْنِ حامِلي الشَّهاداتِ العُلْيا لِتَصِلَ إلى 22.5% خِلالَ الثُّلُثِ الرّابِعِ مِنَ السَّنَةِ ذاتِها، فَإِنَّ مُعَدَّلَ فَتْرَةِ البِطالَةِ التي تَتَراوَحُ ما بَيْنَ عَشْرِ سَنَواتٍ وَسِتَّ عَشرَةَ سَنَة، يَكْشِفُ مُفارَقَةً مُؤْلِمَة، إِذْ كُلَّما ارْتَفَعَ المُسْتَوى التَّعْليمِيُّ ارْتَفَعَ مَعَهُ خَطَرُ الوُقوعِ في بَراثِنِ البِطالَة.
وَهكَذا تَحَوَّلَتِ الشَّهادَةُ الجامِعِيَّةُ مِنْ وَسيلَةٍ لِلتَّرَقّي الاجْتِماعِيِّ إلى مَصْدَرٍ لِلْقَلَقِ وَالإِحْباطِ لَدى هذِهِ الفِئَةِ وَعائِلاتِها. فَأَدْمِغَةٌ تَكَوَّنَتْ بِجُهْدِ الدَّوْلَةِ وَتَضْحِياتِ العائِلات، وَبِسَنَواتٍ طَويلَةٍ مِنَ الدِّراسَةِ وَالبَحْث، تُتْرَكُ على هامِشِ الحَياةِ الوَطَنِيَّة، وَلا تُوَظَّفُ في الجامِعات، وَلا تُسْتَوْعَبُ في الاقْتِصاد، وَلا يُسْتَفادُ مِنْها في الإِدارَة.
فَهَلِ المُشْكِلَةُ في نَوْعِيَّةِ الشَّهاداتِ وَاخْتِياراتِ الطَّلَبَة؟ أَمْ في غِيابِ التَّوْجيهِ الجامِعِيِّ السَّليمِ الذي يَرْبِطُ التَّكْوينَ بِحاجِيّاتِ السّوق؟ أَمْ أَنَّ المَسْؤولِيَّةَ الحَقيقِيَّةَ تَقَعُ على عاتِقِ السِّياساتِ العُمومِيَّةِ التي فَشِلَتْ في مُواكَبَةِ التَّحَوُّلاتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَالحَدِّ مِنَ الفَجْوَةِ بَيْنَ التَّعْليمِ وَالتَّشْغيل؟.
عدم ملاءمة منظومة التعليم للمتغيّرات وعدم قدرة قطاع الوظيفة العمومية على استيعاب المزيد من الموظفين
إِنَّها عَوامِلُ مُتَداخِلَةٌ مُتَشابِكَةٌ ساهَمَتْ بِتَفاوُتٍ في تَشَكُّلِ هذِهِ المُعْضِلَة، مِنْها ارْتِفاعُ عَدَدِ الجامِعات، الأَمْرُ الذي أَدّى إلى تَزايُدِ أَعْدادِ المُتَخَرِّجينَ الذينَ يُقَدَّرُ عَدَدُهُمْ سَنَوِيًّا بِما بَيْنَ 60 وَ70 أَلْفَ طالِبٍ وَطالِبَة، إلى جانِبِ أَزْمَةِ التَّوْجيهِ الجامِعِيِّ وَغِيابِ التَّخْطيطِ الاسْتراتيجِيِّ لِلتَّشْغيل. كَما تُساهِمُ الاخْتِياراتُ الاقْتِصادِيَّةُ القائِمَةُ على الكَمِّ دونَ الكَيْفِ في تَخْريجِ أَعْدادٍ كَبيرَةٍ مِنْ أَصْحابِ الشَّهاداتِ العُلْيا تُواجِهُ سوقَ شُغْلٍ ضَيِّقَةً لَيْسَتْ لَها آفاقٌ كَبيرَة، إِضافَةً إلى عَدَمِ مُلاءَمَةِ مَنْظومَةِ التَّعْليمِ لِلْمُتَغَيِّرات، وَعَدَمِ قُدْرَةِ قِطاعِ الوَظيفَةِ العُمومِيَّةِ على اسْتيعابِ المَزيدِ مِنَ المُوَظَّفينَ وَتَوَقُّفِ الانْتِداباتِ وَغِيابِ سِياساتٍ واضِحَةٍ وَفَعّالَةٍ لِلتَّشْغيل.
وَيُفاقِمُ انْتِشارُ المَحْسوبِيَّةِ وَالاعْتِمادُ على العَلاقاتِ الشَّخْصِيَّةِ بَدَلًا مِنَ الكَفاءَةِ في الحُصولِ على فُرَصِ العَمَل، تَقْويضَ مَبْدَأِ تَكافُؤِ الفُرَصِ وَإِحْباطَ الشَّبابِ المُؤَهَّل. كَما يُؤَدّي الفَسادُ وَسوءُ الإِدارَةِ إلى تَحْويلِ المَوارِدِ المُخَصَّصَةِ لِبَرامِجِ التَّشْغيلِ أَوِ التَّنْمِيَةِ بَعيدًا عَنْ أَهْدافِها.
وَتَتَجَلّى هذِهِ الأَزْمَةُ في مُعاناةٍ يَوْمِيَّةٍ تَمْتَدُّ إلى العائِلات: قَهْرٌ نَفْسِيّ، وَضيقٌ مادِّيّ، وَأَحْلامٌ أُجْهِضَتْ على الرَّغْمِ مِنْ سَنَواتِ الجِدِّ وَالاجْتِهادِ لِتَتَحَوَّلَ إلى أَزْمَةِ كَرامَةٍ قَبْلَ أَنْ تَكونَ أَزْمَةَ شُغْلٍ، وَوَصْمَةِ عَجْزٍ لا تَليقُ بِدَوْلَةٍ تُعَلِّمُ أَبْناءَها إلى مَراحِلَ عُلْيا ثُمَّ تَتْرُكُهُمْ لِمَصيرٍ مَجْهول.
اهتزاز التصوّرات المجتمعية الراسخة لدى المجتمع حول قيمة العلم والمعرفة
وَتَنْجَرُّ عَنْ بِطالَةِ أَصْحابِ الشَّهاداتِ العُلْيا تَداعِياتٌ هَيْكَلِيَّةٌ عَميقَة: اجْتِماعِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ وَاقْتِصادِيَّةٌ مِنْها الإِحْباط، وَفِقْدانُ الأَمَل، وَتَدَنّي تَقْديرِ الذّات، وَمَشاكِلُ الصِّحَّةِ النَّفْسِيَّة، وَتَأَخُّرُ سِنِّ الزَّواجِ وَتَكْوينِ الأُسْرَة، وَاتِّساعُ دائِرَةِ الفَقْرِ وَالتَّهْميش. كَما يَدْفَعُ ضَعْفُ اسْتيعابِ السّوقِ لِلْكَفاءاتِ العِلْمِيَّةِ آلافَ الشَّبابِ إلى الهِجْرَةِ النِّظامِيَّةِ أَوْ غَيْرِ النِّظامِيَّةِ أَوْ إلى مَتاهاتٍ مِهْنِيَّةٍ غَيْرِ مُهَيْكَلَةٍ قانونِيًّا لا تُلَبّي طُموحاتِهِمُ الشَّخْصِيَّةَ ما يُمَثِّلُ عِبْئًا على نُظُمِ الحِمايَةِ الاجْتِماعِيَّة.
أَمّا على المُسْتَوى الاقْتِصادِيّ، فَتُؤَدّي تِلْكَ الوَضْعِيَّةُ إلى تَراجُعِ الإِنْتاجِيَّةِ وَتَباطُؤِ النُّمُوِّ الاقْتِصادِيِّ عامَّةً وَاهْتِزازِ الثِّقَةِ في الاخْتِياراتِ العامَّةِ لِلدَّوْلَة، بَلْ تُفاقِمُ أَزْمَةَ الثِّقَةِ في الدَّوْلَةِ كَمُؤَسَّسَةٍ في حَدِّ ذاتِها.
وَالأَخْطَرُ مِنْ كُلِّ ذَلِك، اهْتِزازُ التَّصَوُّراتِ المُجْتَمَعِيَّةِ الرّاسِخَةِ لَدى المُجْتَمَعِ حَوْلَ قيمَةِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَة. إِذا كانَتِ الشَّهادَةُ الجامِعِيَّة، مُنْذُ اسْتِقْلالِ البِلاد، مِنْ أَهَمِّ وَسائِلِ الارْتِقاءِ الاجْتِماعِيّ، فَقَدْ أَصْبَحَتِ اليَوْمَ مَوْضِعَ تَشْكيكٍ بِسَبَبِ ضَخامَةِ عَدَدِ العاطِلينَ عَنِ العَمَلِ مِنْ أَصْحابِ الشَّهاداتِ العُلْيا في الوَقْتِ الذي بَرَزَتْ فيهِ قِيَمٌ أُخْرى تُنافِسُها مِثْلَ الثَّراءِ السَّريعِ حَتّى بِوَسائِلَ غَيْرِ قانونِيَّةٍ أَوِ النُّجومِيَّةِ الرِّياضِيَّة، الأَمْرُ الذي جَعَلَ الشَّهادَةَ العِلْمِيَّةَ ضَرورِيَّةً لَكِنَّها لَمْ تَعُدْ كافية.
إنقاذ قيمة الشهادة الجامعية يمرّ عبر إعادة الاعتبار للمعرفة وربطها بالفعل الاقتصادي
وَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّدَخُّلِ الرِّئاسِيِّ مُؤَخَّرًا في مِلَفِّ الدَّكاتِرَةِ المُعَطَّلِينَ عَنِ العَمَل، وَما صاحَبَهُ مِنْ تَراجُعٍ نِسْبِيٍّ في حَجْمِ المُشْكِلَة، غَيْرَ أَنَّ الأَزْمَةَ ما زالَتْ قائِمَةً إِذْ تَتَطَلَّبُ مُعالَجَتُها مُقارَبَةً شامِلَةً وَمُتَكامِلَةً تَقومُ على إِصْلاحِ مَنْظومَةِ التَّعْليمِ العالي وَرَبْطِ الجامِعَةِ بِالمُؤَسَّساتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَتَحْسينِ الحَوْكَمَةِ وَالشَّفافِيَّةِ في الانْتِداباتِ ما يُساعِدُ على فَتْحِ آفاقٍ جَديدَةٍ لِلْكَفاءاتِ الشّابَّةِ التي تُمَثِّلُ الرَّأْسَمالَ الحَقيقِيَّ لِلدَّوْلَة. كَما يَمُرُّ إِنْقاذُ قيمَةِ الشَّهادَةِ الجامِعِيَّةِ بِالضَّرورَةِ عَبْرَ إِعادَةِ الاعْتِبارِ لِلْمَعْرِفَةِ وَرَبْطِها بِالفِعْلِ الاقْتِصادِيّ، وَفَتْحِ آفاقٍ حَقيقِيَّةٍ أَمامَ الشَّبابِ لِيَكونوا فاعِلينَ في التَّنْمِيَةِ لا ضَحايا لَها. فَالمُجْتَمَعاتُ التي تُهْمِلُ كَفاءاتِها، إِنَّما تُهْدِرُ مُسْتَقْبَلَها بِبُطْء!.
(خاص "عروبة 22")

