بصمات

كُتُبُ "الطَّبَقاتِ" التّاريخِيَّة... واحْتِرامُ التَّراكُمِيَّةِ العِلْمِيَّة!

أَبْدَعَتِ الثَّقافَةُ العَرَبِيَّةُ في العُصورِ قَبْل الحَديثَةِ في مَجالِ الكِتابَةِ التّاريخِيَّة، وَساهَمَتْ في تَطْويرِها بِشَكْلٍ كَبيرٍ عَبْرَ مِرْوَحَةٍ مِنَ الأَنْواعِ والأَشْكالِ التي غَطَّتِ النَّشاطَ البَشَرِيَّ في مُخْتَلِفِ مَناحيه، فَقَدَّمَتْ مُسْتَوَياتٍ مُتَقَدِّمَةً في عَمَلِيَّةِ التّاريخِ الثَّقافِيِّ والحَضارِيِّ لِلْمُسْلِمينَ في الدَّوائِرِ النّاطِقَةِ بِالعَرَبِيَّة، وَهِيَ مُجْمَلُ عالَمِ المُسْلِمينَ في ذُرْوَةِ العَطاءِ الحَضارِيّ، وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الأَشْكالِ الكِتابَةُ عَبْرَ آلِيَّةِ الطَّبَقات، وَهِيَ مِنَ النَّماذِجِ التي أَبْدَعَ فيها المُؤَرِّخونَ العَرَب، إِذْ قَسَّموا تاريخَ النُّخَبِ العِلْمِيَّةِ غالِبًا في شَكْلِ طَبَقات، وَهِيَ التَّرْجَمَةُ لِأَهْلِ كُلِّ جيلٍ بِحَسَبِ تَقْسيمٍ زَمَنِيّ.

كُتُبُ

يَرى فْرانْز روزِنْثال (Franz Rosenthal) في كِتابِهِ "عِلْمُ التّأْريخِ عِنْدَ المُسْلِمين"، أَنَّ الطَّبَقاتِ اخْتِراعٌ عَرَبِيٌّ خالِص، وَرُبَّما يَرْجِعُ ذَلِكَ إلى خُصوصِيَّةِ صَحابَةِ رَسولِ الله، إِذْ شَكَّلوا طَبَقَةً مُعاصِرَةً لِلرَّسولِ وَنَقَلوا العِلْمَ عَنْهُ إلى طَبَقَةِ التّابِعينَ مِنْ بَعْدِهِم، وَهَكَذا دَوالَيْك، فَكُلُّ طَبَقَةٍ تُسَلِّمُ العِلْمَ لِلطَّبَقَةِ التّالِيَة. والمَدى الزَّمَنِيُّ لِلطَّبَقَةِ مَفْتوح، وَيُمْكِنُ أَنْ نَقولَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إِنَّ الطَّبَقَةَ هُنا تُسْتَخْدَمُ بِمَعْنى الجيل (لا الطَّبَقَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ بِالمَفْهومِ الدّارِجِ في يَوْمِنا هَذا)، لَكِنَّ بَعْضَ المُؤَرِّخينَ لَمْ يَسْتَخْدِمِ الطَّبَقَةَ كَمَفْهومٍ بِالمَعْنى نَفْسِهِ وَلا تَحْتَ الإِطارِ الزَّمَنِيّ، بَلْ كانَ في الأَمْرِ سَعَةٌ لِاسْتِخْداماتٍ مُتَنَوِّعَةٍ بِحَسَبِ ذِهْنِيَّةِ كُلِّ مُؤَلِّف، فَالغالِبُ هُوَ التَّرْجَمَةُ لِعَدَدٍ مِنَ العُلَماءِ الَّذِينَ ظَهَروا في جيلٍ واحِدٍ أَوْ رُبَّما قَرْنٍ واحِد، وَعُرِفوا بِتَواصُلِهِمُ المَعْرِفِيِّ فيما بَيْنَهُمْ والأَخْذِ عَنِ الشُّيوخِ أَنْفُسِهِم، في إِطارِ طَبَقَةٍ واحِدَةٍ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ تَقارُبِ سِنِيِّ الميلادِ والوَفاة.

تفتح أعيننا على حقيقَة دور العلم والتعلُّم والبحث العلمي في رُقِيّ الحضارة العربية الإسلامية

وَهُناكَ إِشارَةٌ عِنْدَ ياقوت الحَمَوِيّ في "مُعْجَمِ الأُدَباءِ" لِكِتابٍ بِعُنْوانِ "طَبَقاتُ أَهْلِ العِلْمِ والجَهْل"، أَلَّفَهُ مُؤَسِّسُ الِاعْتِزالِ واصِلُ بْنُ عَطاء (ت 131هـ/ 748م)، وَإِذا صَحَّتْ هَذِهِ الإِشارَة، فَمَفْهومُ "الطَّبَقاتِ" مُسْتَخْدَمٌ إِذَنْ مُنْذُ بِدَايَةِ القَرْنِ الثّاني الهِجْرِيِّ / الثّامِنِ الميلادِيّ. وَتُعَدُّ طَبَقاتُ خَليفَةَ بْنِ خَيّاط (ت 240هـ/ 855م) مِنْ أَقْدَمِ ما وَصَلَنا مِنْ نَماذِجِ كُتُبِ الطَّبَقات، وَظَهَرَ بَعْدَها "الطَّبَقاتُ الكبير" لِابْنِ سَعْدٍ كاتِبِ الواقِدِيّ (ت 230هـ/ 845م)، وَمِنْ أَشْهَرِ الكُتُبِ في مَجالِ الشِّعْرِ "طَبَقاتُ فُحولِ الشُّعَراء" لِابْنِ سَلامٍ الجُمَحِيّ (ت 231هـ/ 846م). أَمّا في الأَدَبِ فَهُناكَ "طَبَقاتُ الأُلَبّاءِ في طَبَقاتِ الأُدَباء" لِأَبي بَرَكاتٍ الأَنْبارِيّ (ت 577هـ/ 1181م)، وَ"عُيونُ الأَنْباءِ في طَبَقاتِ الأَطِبّاء" لِابْنِ أَبي أُصَيْبِعَة (ت 668هـ/ 1270م).

وَمِنْ كُتُبِ الطَّبَقاتِ المُهِمَّةِ تِلْكَ المَعْنِيَّةُ بِتَراجِمِ الفُقَهاءِ وَعُلَماءِ المَذاهِبِ والفِرَق، فَنَجِدُ مَثَلًا: "طَبَقاتُ الفُقَهاء" لِأَبي إِسْحاقَ الشّيرازِيّ (ت 476هـ/ 1083م)، وَ"طَبَقاتُ المُعْتَزِلَة" لِلقاضي عَبْدِ الجَبّار (ت 415هـ/ 1025م)، وَ"طَبَقاتُ الحَنابِلَة" لِابْنِ أَبي يَعْلى (ت 526هـ/ 1131م)، وَ"طَبَقاتُ الشّافِعِيَّةِ الكُبْرى" لِتاجِ الدّينِ السُّبْكِيّ (ت 771هـ/ 1370م)، وَ"طَبَقاتُ أَعْلامِ الشّيعَة" لِآغا بُزُرْكِ الطَّهْرانِيّ (ت 1389هـ/ 1970م)، وَفي التَّصَوُّفِ كِتابُ "حِلْيَةُ الأَوْلِياءِ وَطَبَقاتُ الأَصْفياء" لِأَبي نُعَيْمٍ الأَصْبَهانِيّ (ت 430هـ/ 1038م).

وَتُقَدِّمُ لَنا كُتُبُ الطَّبَقاتِ مَعْلوماتٍ غايَةً في الأَهَمِّيَّةِ والطَّرافَةِ في النَّواحي الِاجْتِماعِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةِ بِصورَةٍ تَفوقُ في أَحْيانٍ كَثيرَةٍ ما تُقَدِّمُهُ كُتُبُ التّاريخِ الحَوْلِيِّ شِبْهِ الرَّسْمِيَّةِ والمُهْتَمَّةِ بِالتّاريخِ السِّياسِيِّ أَساسًا، فَفي تِلْكَ الكُتُبِ ثَرْوَةٌ مَعْلوماتِيَّةٌ كَبَحْرٍ لا يَنزِف، تَعودُ إِلَيْها وَتَغْرِفُ مِنْها ما تَشاء، تَطْرَحُ عَلَيْها الكَثيرَ مِنَ الأَسْئِلَةِ فَتُعْطيكَ مِنَ الإِجاباتِ ما يَفْتَحُ أَمامَكَ مَواضيعَ البَحْثِ في مُخْتَلِفِ المَناحي والمَسالِك، فَهُنا نَلْتَقي بِاحْتِرامٍ يَصِلُ إلى حَدِّ التَّقْديسِ لِلرَّوابِطِ العِلْمِيَّةِ التي تَقومُ عَلَيْها فِكْرَةُ الطَّبَقات، بِما يَكْشِفُ عَنْ شَبَكَةٍ مِنَ العَلاقاتِ المُتَغَلْغِلَةِ في عالَمِ المُسْلِمينَ مِنَ الأَنْدَلُسِ غَرْبًا حَتّى حُدودِ الهِنْدِ والصّينِ شَرْقًا.

تعكس الروح التي ميّزت الثقافة العربية وهي روح نحتاجها الآن

تَفْتَحُ كُتُبُ الطَّبَقاتِ أَعْيُنَنا عَلَى حَقيقَةِ دَوْرِ العِلْمِ والتَّعَلُّمِ والبَحْثِ العِلْمِيِّ وَمَرْكَزِيَّتِها في رُقِيِّ الحَضارَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّة، فَهَذِهِ النَّوْعِيَّةُ مِنَ الكُتُبِ تَكْشِفُ عَنْ تَراكُمٍ مَعْرِفِيِّ يَزيدُ مَعَ كُلِّ جيل، يَبْدَأُ العِلْمُ بَسيطًا ثُمَّ يَأْخُذُ في التَّعْقيدِ والتَّشَعُّبِ مَعَ إِضافاتِ العُلَماءِ كُلٍّ في مَجالِه، تَجِدُ الأَفْكارَ تُطْرَحُ وَيُرَدُّ عَلَيْها بِأَفْكارٍ جَديدَة، مُساجَلاتٌ بَيْنَ عُلَماءَ مِنْ مُخْتَلِفِ المَشارِب، احْتِرامُ الأُسْتاذِيَّةِ لا يُعيقُ نِقاشَ الأُسْتاذِ في أَفْكارِهِ وامْتِحانَها والرَّدَّ عَلَيْها، وَتَكْشِفُ عَنْ مَدى الجُهْدِ المَبْذولِ في تَحْصيلِ العُلومِ عَبْرَ الِانْتِقالِ مِنْ مَدينَةٍ إلى أُخْرى بَحْثًا عَنْ تَلَقّي العِلْمِ عَنْ عالِمٍ مُتَخَصِّصٍ في مَجالِه.

كُتُبُ الطَّبَقاتِ تَعْكِسُ الرّوحَ التي مَيَّزَتِ الثَّقافَةَ العَرَبِيَّةَ في زَمَنِ العَطاء، وَهِيَ روحٌ نَحْتاجُها الآنَ عَبْرَ الِانْفِتاحِ الثَّقافِيِّ وَتَقَبُّلِ النَّقْدِ والدُّخولِ في سِجالٍ مَعْرِفِيّ، واعْتِناقِ مَبْدَأِ التَّراكُمِ المَعْرِفِيِّ لا هَدْمِ ما سَبَقَ وَإِعادَةِ اخْتِراعِ العَجَلَة، فَما تُقَدِّمُهُ كُتُبُ الطَّبَقات، هي خُلاصَةُ مَفاتيحِ النُّهوضِ الحَضارِيّ، عَبْرَ إِعادَةِ التَّذْكيرِ بِأَهَمِّيَّةِ التَّراكُمِ المَعْرِفِيّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن