مِنَ المُهِمِّ الإِشارَةُ إلى أَنَّ العَمَلَ المَنْشورَ هُوَ في أَصْلِهِ مَجْموعَةٌ مِنَ المُحاضَراتِ وَالأَبْحاثِ التي تَقَدَّمَ بِها المُؤَلِّفُ لِلرّابِطَةِ في السَّنَواتِ الماضِيَة (مُؤْتَمَراتِها وَمَجَلَّتِها الرّائِدَةِ "التَّأْويل") تَدورُ في عُمومِها حَوْلَ إِشْكالاتِ تَفْسيرِ القُرْآنِ الكَريمِ وَمَناهِجِ تَأْويلِهِ الكْلاسيكِيَّةِ وَالحَديثَةِ وَمَوْضوعاتِ التَّأْويلِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ الرّاهِنَة.
أهمّ أهداف السردية الإسلامية الجديدة هي استعادة السكينة في الدين وتوطيد الدولة الوطنية وتحقيق المصالحة مع العالم
وَلَيْسَ مِنْ هَمِّنا عَرْضُ هَذا الكِتابِ الأَكاديمِيِّ الفَريدِ مِنْ نَوْعِه، وَإِنَّما سَنَكْتَفي بِأَرْبَعِ مُلاحَظاتٍ كُبْرى نَعْتَقِدُ أَنَّها أَهَمُّ الدُّروسِ المِحْوَرِيَّةِ التي يُقَدِّمُها هَذا العَمَلُ العِلْمِيُّ العَميق.
- المُلاحَظَةُ الأُولَى هِيَ أَنَّ رَضْوان السَّيِّد الذي كانَ سَبّاقًا إلى عَرْضٍ وَنَقْدِ أُطْروحاتِ المُراجِعينَ الجُدُدِ التي شَكَّكَتْ في السَّرْدِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، يُقَدِّمُ لَنا في هَذا الكِتابِ عَيِّناتٍ هامَّةً مِنَ الدِّراساتِ الغَرْبِيَّةِ التي تَناوَلَتِ النَّصَّ المُنَزَّل، تَخْرُجُ عَنْ نِطاقِ هَذِهِ المُقارَباتِ العَدَمِيَّةِ العَقيمَة. وَمِنْ هَذِهِ المُقارَباتِ أُطْروحَةُ الباحِثَةِ الأَلْمانِيَّةِ أَنْجيليكا نويْفِرْت (Angelika Neuwirth) التي دَرَسَتِ النَّصَّ القُرْآنِيَّ مِنْ حَيْثُ التَّقاليدِ المَرْوِيَّةِ الحَيَّةِ وَتَفاعُلِهِ القَوِيِّ مَعَ سِيَاقِهِ التاريخِيّ، كَما تَناوَلَ الباحِثُ التَّأْويلاتِ الأَخْلاقِيَّةَ التي تَعَرَّضَتْ لِلبُنْيَةِ الدَّلالِيَّةِ وَالإِتيقِيَّةِ لِلكِتابِ الكَريمِ الذي خَرَجَتْ مِنْهُ ثَقافَةُ الأُمَّةِ وَقِيَمُها النّاظِمَة. وَلا يَزالُ هَذا الاتِّجاهُ في بِدايَتِهِ على الرَّغْمِ مِنْ وُعودِهِ الهائِلَة.

- ثانِيًا: نَبَّهَ الباحِثُ إلى جَوانِبِ الثَّراءِ وَالخُصوبَةِ في الدِّراساتِ القُرْآنِيَّةِ الكْلاسيكِيَّة، مِنْ خِلالِ نَماذِجَ مُعَبِّرَةٍ مِثْلَ أَدَبِيّات "الحارِثِ المُحاسِبِيّ" وَ"أَبو عُبَيْدٍ القاسِمِ بْنِ سَلام"، بِما يَدُلُّ على أَنَّ هَذِهِ الكِتاباتِ التُّراثِيَّةَ تَخْتَزِنُ عُدَّةً فِكْرِيَّةً وَدَلالِيَّةً ثَرِيَّةً لَمْ تُسْتَثْمَرْ في الدِّراساتِ الإِسْلامِيَّةِ المُعاصِرَة.
- ثالِثًا: دَرَسَ رَضْوان السَّيِّد في ما وَراءَ المُقارَباتِ الجَديدَةِ في التَّأْويلِ وَالنَّظَرِ إلى النَّصِّ المُنَزَّل، ما سَمّاهُ بِمُكَوِّناتِ "السَّرْدِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ الجَديدَة" التي لا تَزالُ في طَوْرِ التَّشَكُّلِ وَهِيَ البَديلُ المُناسِبُ عَنِ الإيدْيولوجِيّاتِ السِّياسِيَّةِ المُتَطَرِّفَةِ وَالحَرَكاتِ الرّاديكالِيَّةِ العَنيفَةِ وَالمُتَشَدِّدَة. وَمِنْ مُكَوِّناتِ هَذِهِ السَّرْدِيَّةِ بِناءُ رُؤْيَةِ العالَمِ على أَساسِ مَرْجِعِيَّةِ الرَّحْمَةِ كَقيمَةٍ عُلْيا، وَاعْتِبارُ التَّعارُفِ إِطارًا ناظِمًا لِلْعَلاقاتِ بَيْنَ المُجْتَمَعاتِ وَالأُمَم، وَاعْتِمادُ مَقاصِدِ الشَّريعَةِ مَنْهَجًا لِقِراءَةِ النُّصوصِ وَتَأْويلِها في السِّياقِ الحاضِر. أَمّا أَهَمُّ أَهْدافِ هَذِهِ السَّرْدِيَّةِ فَهِيَ اسْتِعادَةُ السَّكينَةِ في الدّينِ وَتَوْطيدُ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ وَتَحْقيقُ المُصالَحَةِ مَعَ العالَم.
الجدل النقدي التاريخي حول تدوين القرآن الكريم حُسِم نتيجة وجود نصوص شبه كاملة من عصر جمع النص المُنزّل
- رابِعًا: اسْتِئْنافُ المَشْروعِ الإِصْلاحِيِّ النَّهْضَوِيِّ الذي قامَ على إِعادَةِ تَأْويلِ النَّصِّ الكَريم، وِفْقَ ما قامَ بِهِ مُنْذُ القَرْنِ التّاسِعَ عَشَرَ الإِمامُ مُحَمَّد عَبْدُه وَتِلْميذُهُ الشَّيْخُ رَشيد رِضا، ثُمَّ أَعْمالُ الفَقيهِ الأَزْهَرِيِّ مُحَمَّد عَبْدَ الله دِراز في التَّأْويلِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ لِلْقُرْآنِ وَتَفْسيرِ العَلّامَةِ التُّونِسِيِّ الشَّيْخِ الطَّاهِر بْنِ عاشور الذي أَطْلَقَ عَلَيْهِ تَسْمِيَةَ التَّحْريرِ وَالتَّنْوير. لَقَدْ تَوَقَّفَتْ هَذِهِ الجُهودُ الرّائِدَة، وَفَشِلَتِ المُقارَباتُ القَطائِعِيَّةُ لَدى مُحَمَّد أَرْكون وَمُحَمَّد عابِد الجابِرِي وَعَبْدِ المَجيدِ الشَّرْفِيّ... في تَقْديمِ بَدائِلَ مُعاصِرَةٍ ناجِعَةٍ لِتَأْويلِيَّةِ الدّينِ وِفْقَ مَناهِجِ العُلومِ الإِنْسانِيَّةِ الجَديدَةِ التي يَدَّعونَ الاسْتِنادَ إِلَيْها.
قَبْلَ أَشْهُرٍ سَمِعْتُ الباحِثَ الفَرَنْسِيَّ فرانسوا ديروش وَهُوَ أَهَمُّ مُؤَرِّخٍ مُعاصِرٍ لِلمَصاحِفِ الشَّريفَة، يُؤَكِّدُ في مُحاضَرَةٍ في باريسَ أَنَّ الجَدَلَ النَّقْدِيَّ التّاريخِيَّ حَوْلَ تَدْوينِ القُرْآنِ الكَريمِ قَدْ حُسِمَ نَتيجَةَ وُجودِ نُصوصٍ شِبْهِ كامِلَةٍ مِنْ عَصْرِ جَمْعِ النَّصِّ المُنَزَّل، بِما يُعَزِّزُ الثِّقَةَ في الرِّوايَةِ الإِسْلامِيَّةِ التَّقْليدِيَّةِ وَيُبْطِلُ فَرْضِيّاتِ المُراجِعينَ الجُدُدِ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ مِنَ الباحِثينَ العَرَب.
ذَلِكَ بِالضَّبْطِ ما نَجَحَ رَضْوَان السَّيِّد في بَيَانِهِ مِنْ خِلالِ كِتابِهِ الجَديدِ الذي نَطْمَحُ إلى أَنْ تَتْلوهُ أَعْمالٌ لاحِقَة، تَنْدَرِجُ في الاتِّجاهِ ذاتِهِ وَالمُنْطَلَقاتِ المَنْهَجِيَّةِ نَفْسِها، تَنْشيطًا لِلدِّراساتِ القُرْآنِيَّةِ وَدَفْعًا لَها.
(خاص "عروبة 22")

