بِقَدْرِ ما لا يُمْكِنُ إِنْكارُ أَنَّ التَّسَلُّطَ يُشَكِّلُ ظاهِرَةً إِنْسانِيَّةً عَرَفَتْها البَشَرِيَّةُ قَديمًا وَحَديثًا، وَلَمْ تَقْتَصِرْ على الأَنْظِمَةِ الكُلِّيانِيَّة، وَشَمِلَ حَتّى أَعْتى الأَنْظِمَةِ الدّيموقْراطِيَّة، فَإِنَّ طَبيعَةَ الأَزْمَةِ البُنْيَوِيَّةِ العَرَبِيَّةِ تَجْعَلُ مِنْ عَمَلِيَّةِ قِراءَتِها في ظِلِّ تَأْثيرِ نَموذَجٍ إِرْشادِيٍّ يُوَجِّهُ أَنْظِمَةَ التَّفْكيرِ والسُّلوكِ يَنْتَقِلُ مِنْ جيلٍ إلى آخَرَ عَبْرَ الثَّقافَةِ والمِخْيال، تُمَثِّلُ مَدْخَلًا مُهِمًّا لِفَهْمِ تِلْكَ الأَزْمَةِ والبَحْثِ عَنْ سُبُلِ تَجاوُزِها.
لَمْ يَكُنِ احْتِفاءُ كُتُبِ الأَحْكامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِثْلَ "سِراجِ المُلوك" لِلطُّرْطوشِيِّ بِمَفْهومِ الطّاعَةِ مُعْطًى عابِرًا فَرَضَهُ الِاسْتِبْدادُ السِّياسِيُّ وَتَلافي القَلاقِلِ والفِتَنِ وَحِدَّةُ شَوْكَةِ العَصَبِيّاتِ الغالِبَة، وَإِنَّما شَكَّلَ نَسَقًا قائِمَ الذّاتِ ظَلَّ يُغَذّي العَقْلَ السِّياسِيَّ العَرَبِيَّ وَيَسْتَحْوِذُ عَلَيْهِ إلى اليَوْم. لِذا لا يُمْكِنُ عَدُّ الطّاعَةِ "آلِيَّةً نَفْسِيَّةً" فَقَطْ مِثْلَما نَبَّهَ إلى ذَلِكَ ميلغْرام، وَإِنَّما يُمَثِّلُ نَموذَجًا إِرْشادِيًّا مُهَيْمِنًا على أَنْظِمَةِ التَّفْكيرِ والسُّلوكِ في الحالَةِ العَرَبِيَّة. وَلَعَلَّ مِنَ المُؤَشِّراتِ الكاشِفَةِ لِذَلِكَ أَنَّهُ على الرَّغْمِ مِنِ انْفِتاحِ العَرَبِ على الحَضارَةِ الحَديثَةِ مُنْذُ الثُّلُثِ الثّاني مِنَ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر، فَإنَّ الفَشَلَ الذَّريعَ كانَ مَآلَ تَجارِبِهِمُ التَّحْديثِيَّة.
تحوّلت الأحزاب والنقابات والهياكل الثقافية والسياسية إلى أوكار تمّ فيها تطوير آليات الطاعة والولاء
وَلَمْ يَقْتَصِرْ ذَلِكَ الفَشَلُ على الخَيْبَةِ في تَحْقيقِ الرِّهاناتِ المَأْمولَة، وَإِنَّما أَفْرَزَ تَشَوُّهاتٍ عَميقَةً تَجَلَّتْ بِوُضوحٍ في عَمَلِيَّةِ "المَسْخِ" والتَّحْويلِ التي اضْطَلَعَ بِها بَراديغْمُ الطّاعَة، إِذْ أَخْضَعَ المَفاهيمَ والمُكْتَسَباتِ الحَديثَةَ إلى بَرْنامَجِهِ الهَجينِ وَتَراتيبِهِ "العَصْبَوِيَّة". فَعلى سَبيلِ الذِّكْرِ تَحَوَّلَتِ الأَحْزابُ السِّياسِيَّةُ والنِّقاباتُ وَمُخْتَلِفُ الهَياكِلِ الثَّقافِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ مِنْ فَضاءٍ عُمومِيٍّ حَديثٍ يُنَمّي التَّعَدُّدِيَّةَ وَحَقَّ الِاخْتِلافِ والمُواطَنَةَ إلى أَوْكارٍ تَمَّ فيها تَطْويرُ آلِيّاتِ الطّاعَةِ والوَلاء، فَأَضْحى مِنَ المَأْلوفِ رُؤْيَةُ أَحْزابٍ سِياسِيَّةٍ يَحْكُمُها مَنْطِقٌ قَبَلِيٌّ/جِهَوِيٌّ/عائِلِيٌّ، وَنِقاباتٍ يَسودُها الوَلاءُ القِطاعِيُّ والطّاعَةُ لِلرَّفيقِ المُلْهِم، وَمُؤَسَّساتٍ ثَقافِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ وَجامِعِيَّةٍ تُقَدَّمُ فيها الوَلاءاتُ البالِيَةُ الضّامِنَةُ لِلطّاعَةِ العَمْياءِ على حِسابِ الكَفاءَةِ والنُّبوغِ والمَوْهِبَة.
يُمْكِنُ القَوْلُ انْطِلاقًا مِنْ ذَلِكَ إِنَّ التَّحَرُّرَ مِنْ بَراديغْمِ الطّاعَةِ يَعْني اسْتِئْنافَ العَقْلِ العَرَبِيِّ لِفَعّالِيَّتِهِ الحَضارِيَّةِ وَتَجاوُزَ عَطالَتِهِ الذِّهْنِيَّةِ والتّاريخِيَّة. وَلا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ ذَلِكَ التَّجاوُزُ أَوِ التَّحَرُّرُ بِانْتِظارِ تَطَوُّرِ الوَعْيِ الجَماعِيِّ وَيَقْظَةِ الشُّعوبِ مِثْلَما تُرَدِّدُهُ الأَدَبِيّاتُ الرّومانْسِيَّة، وَإِنَّما يَقْتَضي ذَلِكَ بُروزَ نُخْبَةٍ سِياسِيَّةٍ لَها مِنْ سِعَةِ الأُفُقِ الفِكْرِيِّ وَآلِيّاتِ التَّمْكينِ المادِّيِّ والنَّظَرِ الِاسْتراتيجِيِّ ما يُؤَهِّلُها لِمُباشَرَةِ التَّغْييرِ الجَذْرِيِّ المَأْمولِ مِثْلَما تُثْبِتُهُ مُخْتَلِفُ التَّجارِبِ التّاريخِيَّةِ التي عَرَفَتْها الحَضارَةُ الإِنْسانِيَّة.
وَلَئِنْ لا يُمْكِنُ إِنْكارُ دَوْرِ العَوامِلِ الخارِجِيَّة، سَواء الِاسْتِعْمارُ القَديمُ أَوِ الجَديد، في إِعاقَةِ بُروزِ تِلْكَ النُّخْبَةِ وَطَمْسِ جُهودِها، فَإِنَّ الحالَةَ العَرَبِيَّةَ لَمْ تَكُنْ أَسْوَأ مِمّا كانَتْ عَلَيْهِ التَّجْرِبَةُ اليابانِيَّةُ أَوِ الصّينِيَّةُ أَوِ الفْيِتْنامِيَّةُ مَثَلًا. وَهَذا ما يُؤَكِّدُ أَنَّ نَجاحَ المُخَطَّطاتِ الخارِجِيَّةِ اقْتَرَنَ بِتَوَفُّرِ ظُروفٍ عَرَبِيَّةٍ داخِلِيَّةٍ مُساعِدَةٍ على ذَلِكَ أَيْ "القابِلِيَّةِ لِلِاسْتِعْمار" بِعِبارَةِ مالِكِ بْنِ نَبي.
التسلُّط من العوامل البنيوية العميقة التي أسهمت في تأبيد الأزمة العربية
يَسْتَدْعي تَجاوُزُ بَراديغْمِ الطّاعَةِ مُراجَعَةً مُعَمَّقَةً لِلمَنْظومَةِ التَّرْبَوِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ القائِمَةِ على "إِعادَةِ الإِنْتاجِ" وَ"المَنْهَجِ الخَفِيِّ" بَدَلَ تَنْويرِ العُقولِ وَتَعْزيزِ المَلَكاتِ النَّقْدِيَّة. وَلا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يَتَقاطَعُ جَدَلِيًّا مَعَ السِّياساتِ الثَّقافِيَّةِ السّائِدَةِ التي تَنْظُرُ إلى الثَّقافَةِ كَفولْكلورٍ لِلِاسْتِعْراضِ المُناسَباتِيِّ والبَهْرَجِ الدِّعائِيّ، في حينِ أَنَّ الثَّقافَةَ تُعَدُّ رَأْسَمالًا غَيْرَ مادِّيٍّ وَآلِيَّةً مِنْ آلِيّاتِ القُوَّةِ النّاعِمَةِ التي تُمَكِّنُ مِنْ تَغْييرِ التَّمَثُّلاتِ الرَّثَّةِ والِاعْتِقاداتِ الخاطِئَةِ المُكَرِّسَةِ لِأَوامِرِ الخُضوعِ والوَلاءِ والتَّبَعِيَّةِ والخُنوع، بَيْنَما كانَ مِنَ الضَّرورِيِّ دَعْمُ روحِ المُبادَرَةِ والتَّحَرُّرِ والمَسْؤولِيَّة. فَذَلِكَ يُنَمّي التَّفْكيرَ النَّقْدِيَّ وَيُحَقِّقُ شُروطَ المُواطَنَةِ الحَقيقِيَّة. وَمَنْ يُراجِعْ تاريخَ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ في العالَمِ العَرَبِيّ، وَتونسَ مَثَلًا، يَسْهُل عَلَيْهِ اكْتِشافُ ذَلِكَ الخَطَأِ الفادِحِ في تَهْميشِ الثَّقافَةِ الجادَّةِ والنَّقْدِيَّة.
لَقَدْ تَأَخَّرَ العالَمُ العَرَبِيُّ كَثيرًا في تَجاوُزِ الصّورَةِ النَّمَطِيَّةِ التي تَنْظُرُ لِبَراديغْمِ الطّاعَةِ نَظْرَةً تَبْسيطِيَّةً اخْتِزالِيَّةً تُقَدِّمُهُ بِصِفَتِهِ عامِلًا مُساعِدًا على ضَمانِ الِاسْتِقْرارِ السِّياسِيِّ والِاجْتِماعِيِّ بِحُكْمِ طَبيعَةِ المُجْتَمَعاتِ الشَّرْقِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ خُصوصًا. إِذْ على النَّقيضِ مِنْ ذَلِكَ يُعَدُّ التَّسَلُّطُ مِنَ العَوامِلِ البُنْيَوِيَّةِ العَميقَةِ التي أَسْهَمَتْ في تَأْبيدِ الأَزْمَةِ العَرَبِيَّةِ وَتَعَقُّدِها. لِذا فَإِنَّ تَحْقيقَ الحَداثَةِ السِّياسِيَّةِ يَظَلُّ رَهينَ تَجاوُزِ بَراديغْمِ الطّاعَةِ بِاعْتِبارِهِ مَدْخَلًا أَوَّلِيًّا لَها.
(خاص "عروبة 22")

