تقدير موقف

البَحْرُ الأَحْمَرُ واخْتِبارُ الفاعِلِيَّةِ العَرَبِيَّة!

لَمْ يَعُدِ البَحْرُ الأَحْمَرُ مُجَرَّدَ مَمَرٍّ مِلاحِيّ، بَل باتَ فَضاءً مَفْتوحًا لِإِعادَةِ تَوْزيعِ النُّفوذ. وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ خُطْوَةَ اِسْرائيل بِالِاعْتِرافِ بِـ"صوماليلانْد" ثُمَّ تَعْيينها سَفيرًا فيها تَعْكِسُ إِدْراكًا مُتَزايِدًا في تَلِّ أَبيبَ لِأَهَمِّيَّةِ الِامْتِدادِ الجُغْرافِيِّ نَحْوَ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، خاصَّةً في ظِلِّ التَّهْديداتِ المُرْتَبِطَةِ بِإيرانَ وَحُلَفائِها في الإِقْليم. فالقُرْبُ مِنْ مَضيقِ بابِ المَنْدَبِ لا يَمْنَحُ فَقَطْ ميزَةً جُغْرافِيَّة، بَل يَفْتَحُ المَجالَ أَمامَ بِناءِ مَنْظومَةِ مُراقَبَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِحَرَكَةِ المِلاحَةِ والتَّفاعُلاتِ الأَمْنِيَّةِ في خَليجِ عَدَن، فَضْلًا عَنْ تَزايُدِ عَسْكَرَةِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ الحَيَوِيَّة.

البَحْرُ الأَحْمَرُ واخْتِبارُ الفاعِلِيَّةِ العَرَبِيَّة!

غَيْرَ أَنَّ ما يَبْدو في ظاهِرِهِ اخْتِراقًا اسْتْراتيجِيًّا، يَظَلُّ في جَوْهَرِهِ خُطْوَةً مَحْفوفَةً بِالقُيود. فَغِيابُ اعْتِرافٍ مُوازٍ مِنْ قُوًى كُبْرى، وَتَمَسُّكُ الِاتِّحادِ الأوروبِّيِّ بِمَبْدَأ وَحْدَةِ الصّومال، إلى جانِبِ تَحَفُّظاتِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ المُرْتَبِطَةِ بِحِساباتٍ أَوْسَعَ في أَفْريقْيا، كُلُّها عَوامِلُ تَحُدُّ مِنْ قُدْرَةِ هَذا التَّحَرُّكِ الإِسْرائيلِيِّ على التَّحَوُّلِ إلى واقِعٍ دَوْلِيٍّ مُسْتَقِر. بَلْ إِنَّ التَّرَدُّدَ الإِثْيوبِيَّ - على الرَّغْمِ مِنَ المَصالِحِ الجُغْرافِيَّةِ المُباشِرَة - يَعْكِسُ إِدْراكًا لِحَساسِيَّةِ فَتْحِ بابِ إِعادَةِ تَرْسيمِ الحُدودِ في مِنْطَقَةٍ تُعاني أَصْلًا مِنْ هَشاشَةٍ بُنْيَوِيَّةٍ وَسُيولَةٍ أَمْنِيَّةٍ تَفْتَحُ بابَ الجَحيمِ على أَديس أَبابا وَغَيْرِها مِنَ الدُّوَلِ الأَفْريقِيَّةِ إِذا تَمَّ فَتْحُ مَلَفِّ الحُدودِ الأَفْريقِيَّة.

البحر الأحمر الذي يُنظر إليه باعتباره مجالًا حيويًا عربيًا يشهد اليوم عملية تفكيك هادئة لاحتكاره الجيوسياسي

رُدودُ الفِعْلِ العَرَبِيَّةِ والإِقْليمِيَّةِ على الخُطْوَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ ما زالَتْ أَقْرَبَ إلى "الِاحْتِواءِ الحَذِرِ" مِنْها إلى المُواجَهَةِ الصَّريحَة. فَقَدْ تَعامَلَتْ مَقديشو مَعَ التَّطَوُّرِ بِاعْتِبارِهِ تَهْديدًا مُباشِرًا لِوَحْدَةِ الدَّوْلَة، وَهُوَ ما دَفَعَها إلى تَعْميقِ شَراكاتِها مَعَ تُرْكْيا وَمِصْر، في مُحاوَلَةٍ لِإِعادَةِ التَّوازُنِ في مُواجَهَةِ أَيِّ تَمَوْضُعٍ جَديدٍ في الشَّمال. وَفي المُقابِل، اخْتارَتِ القُوى العَرَبِيَّةُ الرَّئيسِيَّة، وَعلى رَأْسِها السُّعودِيَّةُ وَمِصْر، تَبَنِّيَ مُقارَبَةٍ تَتَّسِمُ بِالحَذَر، إِدْراكًا لِأَنَّ التَّصْعيدَ قَدْ يَفْتَحُ المَجالَ أَمامَ تَدْويلٍ أَوْسَعَ لِلبَحْرِ الأَحْمَر، وَهُوَ ما يَتَعارَضُ مَعَ مَصالِحِها بَعيدَةِ المَدى.

لَكِنَّ هَذا الحَذَرَ لا يَنْفي أَنَّ ثَمَّةَ خَسائِرَ عَرَبِيَّةً تَتَشَكَّلُ تَدْريجِيًّا، حَتّى وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ بِشَكْلٍ صِدامِيٍّ مُباشِر. فالبَحْرُ الأَحْمَر، الذي كانَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ تاريخِيًّا بِاعْتِبارِهِ مَجالًا حَيَوِيًّا عَرَبِيًّا، يَشْهَدُ اليَوْمَ عَمَلِيَّةَ تَفْكيكٍ هادِئَةٍ لِاحْتِكارِهِ الجِيوسِياسِيّ، مَعَ تَزايُدِ حُضورِ قُوًى غَيْرِ عَرَبِيَّة، سَواءً عَبْرَ القَواعِدِ العَسْكَرِيَّةِ أَوْ الشَّراكاتِ الأَمْنِيَّةِ أَوْ النُّفوذِ الِاسْتِخْبارِيّ. في هَذا السِّياق، يَبْدو أَنَّ هَذا التَّحَوُّلَ لا يَرْتَبِطُ بِحَدَثٍ واحِد، بَل هُوَ نِتاجُ تَراكُماتٍ مُمْتَدَّة، تَبْدَأُ مِنَ الحَرْبِ في اليَمَنِ وَلا تَنْتَهي عِنْدَ التَّنافُسِ الدَّوْلِيِّ على المَوانِئِ الأَفْريقِيَّة.

وَبِطَبيعَةِ الحال، لا تَقْتَصِرُ الخَسارَةُ على البُعْدِ الجِيوسِياسِيّ، بَل تَمْتَدُّ إلى مُسْتَوَياتٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا. فَمِنَ النّاحِيَةِ الأَمْنِيَّة، يَخْلُقُ أَيُّ تَمَوْضُعٍ إِسْرائيلِيٍّ مُحْتَمَلٍ في الضَّفَّةِ الأَفْريقِيَّةِ لِلبَحْرِ الأَحْمَرِ قُدْرَةً إِضافِيَّةً على مُراقَبَةِ التَّحَرُّكاتِ البَحْرِيَّة، وَهُوَ ما يُعيدُ تَشْكيلَ ميزانِ المَعْلوماتِ لِصالِحِ طَرَفٍ غَيْرِ عَرَبِيّ. وَمِنَ النّاحِيَةِ الِاقْتِصادِيَّة، فَإِنَّ أَيَّ تَوَتُّرٍ في هَذا المَمَرِّ الحَيَوِيِّ - الذي تَمُرُّ عَبْرَهُ نِسْبَةٌ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ التِّجارَةِ العالَمِيَّة - يَنْعَكِسُ مُباشَرَةً على مَصالِحِ مِصْر، التي تَعْتَمِدُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ على اسْتِقْرارِ حَرَكَةِ المِلاحَةِ في قَناةِ السُّوَيْس. أَمّا مِنَ النّاحِيَةِ السِّياسِيَّة، فَإِنَّ التَّمَدُّدَ الإِسْرائيلِيَّ يَعْكِسُ تَراجُعَ القُدْرَةِ العَرَبِيَّةِ على صِياغَةِ تَرْتيباتٍ إِقْليمِيَّةٍ مُسْتَقِلَّة، وَهُوَ ما يَفْتَحُ البابَ أَمامَ المَزيدِ مِنَ التَّدَخُّلاتِ الخارِجِيَّةِ التي تُعيدُ تَعْريفَ قَواعِدِ اللُّعْبَة.

الحفاظ على التوازن في البحر الأحمر يتطلّب إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن وبناء استراتيجية طويلة المدى

مَعَ ذَلِك، فَإِنَّ المَشْهَدَ لا يَخْلو مِنْ فُرَصٍ لِلمُناوَرَة. فالعالَمُ العَرَبِيُّ لا يَزالُ يَمْتَلِكُ أَدَواتٍ يُمْكِنُ تَوْظيفُها لِإِعادَةِ التَّوازُن، سَواءً عَبْرَ تَفْعيلِ أُطُرٍ مِثْلَ مَجْلِسِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ والأَفْريقِيَّةِ المُطِلَّةِ على البَحْرِ الأَحْمَرِ وَخَليجِ عَدَن، أَوْ مِنْ خِلالِ تَوْسيعِ نِطاقِ الشَّراكاتِ التَّنْمَوِيَّةِ مَعَ دُوَلِ القَرْنِ الأَفْريقِيّ، بِما يَخْلُقُ بَدائِلَ حَقيقِيَّةً لِلنُّفوذِ الخارِجِيّ. كَما أَنَّ الِانْقِسامَ داخِلَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، بَيْنَ تَوَجُّهاتٍ أَكْثَرَ تَحَفُّظًا وَأُخْرى أَكْثَرَ انْدِفاعًا، يُوَفِّرُ هامِشًا زَمَنِيًّا يُمْكِنُ اسْتِثْمارُهُ لِاحْتِواءِ تَداعِياتِ أَيِّ تَحَوُّلاتٍ مُفاجِئَةٍ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ تَتَّسِمَ الدّيبْلوماسِيَّةُ العَرَبِيَّةُ بِدَرَجَةٍ أَعْلى مِنَ الفاعِلِيَّةِ وَأَنْ يَكونَ التَّنْسيقُ المِصْرِيُّ - السُّعودِيُّ على دَرَجَةٍ كَبيرَةٍ مِنَ التَّوافُق.

في سِياقٍ مُوازٍ، فَإِنَّ المَوْقِفَ يَكْشِفُ عَنْ لَحْظَةٍ انْتِقالِيَّةٍ في طَبيعَةِ الصِّراعاتِ الإِقْليمِيَّة، حَيْثُ تَتَراجَعُ الحُدودُ الفاصِلَةُ بَيْنَ المَحَلِّيِّ والدَّوْلِيّ، وَيَتَحَوَّلُ الفاعِلونَ الصِّغارُ إلى أَدَواتٍ في صِراعاتٍ أَكْبَرَ مِنْهُم. أَمّا بِالنِّسْبَةِ لِلعالَمِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ التَّحَدِّيَ الحَقيقِيَّ لا يَكْمُنُ في الرَّدِّ على خُطْوَةٍ بِعَيْنِها، بَل في إِدْراكِ أَنَّ البَحْرَ الأَحْمَرَ لَمْ يَعُدْ مَجالًا مُغْلَقًا، وَأَنَّ الحِفاظَ على التَّوازُنِ فيهِ يَتَطَلَّبُ إِعادَةَ تَعْريفٍ شامِلَةً لِمَفْهومِ الأَمْن، تَتَجاوَزُ رُدودَ الفِعْلِ الظَّرْفِيَّةِ إلى بِناءِ اسْتْراتيجِيَّةٍ طَويلَةِ المَدى قادِرَةٍ على التَّعامُلِ مَعَ واقِعٍ يَتَغَيَّرُ بِوَتيرَةٍ مُتَسارِعَةٍ لَنْ تَنْتَظِرَ التَّرَدُّدَ العَرَبِيَّ كَثيرًا وَلا الِانْشِغالَ بِحَرْبِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، بَل تَتَّطَلَّبُ بَذْلَ جُهْدٍ مُضاعَفٍ بِشَكْلٍ مُتَوازٍ في جَميعِ المَلَفّاتِ الإِقْليمِيَّةِ حَتّى يَتِمَّ حِفْظُ القُدُراتِ الجِيوسِياسِيَّةِ العَرَبِيَّة، وَهِيَ المُؤَثِّرَةُ في مَصالِحِ العَرَبِ جَميعًا شُعوبًا وَحُكومات.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن