بدا أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تمديد الهدنة القائمة مع إيران لا يعني حتمية الذهاب إلى التسوية السلمية في المرحلة المقبلة، بل يعكس دخول مرحلة إدارة الأزمة أكثر منه الذهاب إلى حلها، خصوصاً مع تمسّك كل فريق بالرهان على عامل الوقت لإجبار الآخر على التنازل.
وربما لهذا السبب لم يعمد ترامب الى وضع حدّ زمني للهدنة الجديدة. فهو يعتقد أنّه نجح في الحصول على ورقة جديدة وثمينة جداً تغنيه عن التصعيد العسكري، وهي ورقة حصار الموانئ الإيرانية، وهو يريد استخدامها إلى الحدّ الأقصى إلى جانب التهديد والتلويح بشن حرب أقسى من السابقة، قد تشمل هذه المرة منشآت الطاقة والخدمات ومخازن الغذاء الاستراتيجية.
وعند بداية هذه المعركة، كانت الحسابات الأميركية تتركز على حملات جوية وبحرية طاولت رأس النظام القائم والتركيبة القيادية، إضافة إلى إضعاف البنية التحتية العسكرية وتحديداً الحرس الثوري ومنصات الصواريخ، لدفع النظام الإيراني إلى تسوية سياسية شاملة. ورغم الاغتيالات الواسعة والدمار الهائل. لكن ترامب وفريقه لا يزال يراهن على أنّ سياسة النَفَس الطويل الذي تمتاز به إيران من الممكن إخضاعها، حيث بات الوقت يلعب ضدّ مصلحتها.
لكن الحقيقة التي أظهرتها هذه الجولة الضارية من الحرب، أن إدارة ترامب تريد تقليم أظافر طهران، وليس تدمير النظام أو تقسيم البلاد، بدليل أنّها لم تعمد إلى رعاية معارضة جدّية لتكون البديل، ولا إلى دعم المجموعات الانفصالية من الأكراد رغم التلويح بذلك والبدء بتحضيرات جدية لهذا المسار.
ولعبة عامل الوقت التي يلجأ إليها كلا الطرفين تبدو مكلفة وخطرة. فتراجع نسبة التأييد في الشارع الأميركي للحرب الجارية تنعكس بقوة على مرشحي الحزب الجمهوري، قبل أشهر من الانتخابات النصفية، فالحزب الديموقراطي بات يلعب على حصان الفوز الكاسح في الكونجرس ومجلس الشيوخ، لتضمن له لاحقاً حصار إدارة ترامب، ومحاولة عزله. وأما على الجانب الإيراني، فالمشكلات لا تبدو أقل سخونة، خصوصاً مع تصاعد نسب الفقر وإفلاس الشركات نتيجة الحرب القائمة، وربما قد لا يدفع ذلك بالضرورة إلى حصول تحركات شعبية غاضبة الآن، لكنه سيؤسس حتماً لوقائع اجتماعية وسياسية مرتقبة.
وعليه، فإن المراهنة على عامل الوقت المتبعة من الجانبين في هذه المرحلة، واستهلاك الوقت في سياق هدنة مفتوحة وغير محددة، ووفق توتر قائم ومستمر ولو بوتيرة منخفضة، سينعكس استمراراً للتوتر في دول الخليج ولبنان، والأكيد في العراق التي تعيش أصعب الظروف السياسية. صحيح أنّ مسار عودة الحرب وانهيار وقف إطلاق النار هو احتمال قائم في حال حصول أي تطور ميداني من خارج السياق، لكن الطرفين يتجنّبان الذهاب إلى مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية، أقله في المدى المنظور.
لكن حسابات نتنياهو وأحزاب اليمين المتطرف مختلفة. ففي وقت تبدو الحكومة الإسرائيلية متمسكة بالسيطرة العسكرية النهائية على المناطق الواسعة التي احتلتها، في لبنان وسوريا، ومع سعيها لتثبيت الوقائع الميدانية التي نشأت بعد قرار وقف النار السابق في 27 تشرين الثاني 2024، يسعى لبنان الرسمي لإيجاد مسارات خروج تبدو صعبة جداً، من خلال المفاوضات المباشرة. ومن المفترض أن تبدأ المراحل التالية من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، للبحث في مسألتي تمديد الهدنة القائمة لوقت أطول، إضافة إلى مناقشة الاجتماع الرسمي والذي من المفترض أن يشكّل الانطلاقة التفاوضية الجدية بين الجانبين، برئاسة السفير السابق سيمون كرم الذي يترأس ملف المفاوضات مكلفاً من الحكومة اللبنانية.
وعلى الرغم من رفض شرائح لبنانية متعددة لهذا الخيار، وتحديداً من حزب الله وحركة أمل والزعيم وليد جنبلاط، لكن بدا أن لبنان انساق بكليته لضغوط ترامب – نتنياهو، وهو ما يعني أنّ الظروف لم تنضج بعد للدفع بهذا المسار، وخاصة أنّ الأمور لا تزال غير واضحة في مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية في إسلام أباد، حيث يمارس الجانبان سياسة المراوغة والمناورة.
لكن الحكومة الإسرائيلية تسعى لتحقيق أهداف محددة من التفاوض المباشر مع لبنان، والتي تختلف جذرياً عن مسعى الحكومة اللبنانية، وتعمل في الوقت نفسه على ضمان استمرار العمل العسكري في الجنوب ومختلف المناطق اللبنانية، مع السعي لفرض معادلة جديدة تحت حجة هواجس ضمان أمن مستوطنات الشمال، خصوصاً أنّ الانتخابات ستحصل نهاية تشرين الأول المقبل.
من هنا تبدو الظروف الداخلية اللبنانية صعبة وخطيرة، فـ”حزب الله”، يظهر أنّه يريد إسقاط التوازنات داخل السلطة، والتي قامت منذ مطلع 2025، من خلال إسقاط حكومة نواف سلام. وخاصة عبر محاولات تحشيد طائفي، لكن هذه المحاولات جرى إفشالها بموقف عربي وخليجي لافت وواضح، وهذا الكلام سمعه مسؤولون لبنانيون زاروا الرياض والدوحة وأنقرة وسمعوا تأييداً لافتاً لحكومة سلام.
لكن قدرة حكومة سلام على الاستمرار مرهونة بوقائع المفاوضات، وخاصة أن لدى العرب تحفظات على انخراط لبنان في المفاوضات بهذه الطريقة، وخاصة أن دخول لبنان بهذا المسار التفاوضي أتى بعد أيام قليلة مما أعلنه وزير الخارجية السوري أسعد شيباني حول المفاوضات السورية – الإسرائيلية عبر ما وصفه برغبات نتنياهو التوسعية، وما سرب عن تردد خليجي وتحديداً لدى السعودية من دخول لبنان منفرداً في هذا المسار دون أشقائه السوريين والسعوديين، في ظل أطماع نتنياهو التي لا تنتهي.
وفي المحصلة، فإنّ التوازن الحاصل مرشح للاستمرار، ما يؤدي إلى واقع سياسي وأمني مضطرب. فلا حزب الله باستطاعته تغيير الوقائع السياسية، ولا الدولة قادرة على نزع سلاحه وإخضاعه لقراراتها، والأهم أنّ الضغوط الخارجية ستتزايد في ظل التوتر الإقليمي ومحاولة استيلاد نظام إقليمي جديد يبقى لبنان حكماً خارجه.
(الثورة السورية)

