بصمات

هَل يَبْدَأ الاندِماجُ الاقتِصادِيُّ مِنْ سوقٍ ثقافِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُشترَكَة؟!

في الوَقْتِ الذي لا تَزالُ فيهِ مَشاريعُ التَّكامُلِ الِاقْتِصادِيِّ العَرَبِيِّ تُراوِحُ مَكانَها، تَظْهَرُ مُبادَراتٌ ثَقافِيَّةٌ خاصَّة، صَغيرَةٌ لَكِنَّها واعِدَة، قَدْ تَكونُ أَكْثَرَ قُدْرَةً على تَحْقيقِ ما عَجَزَتْ عَنْهُ مُؤَسَّساتُ التَّعاوُنِ الرَّسْمِيّ. وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ المُبادَرات، الإِعْلانُ عَنْ تَأْسيسِ مُجَمَّعٍ عَرَبِيٍّ لِلنَّشْرِ يَضُمُّ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ دورٍ لِلنَّشْرِ مِنْ تونِسَ وَمِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَبُلْدانٍ عَرَبِيَّةٍ أُخْرى، مِنْ بَيْنِها "دارُ المُقَدِّمَةِ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزيعِ" في تونِسَ صاحِبَةُ المُبادَرَة، وَتَضُمُّ "دارَ رُؤًى" وَ"دارَ مَسْكِلْياني"، بِهَدَفِ التَّعاوُنِ في طِباعَةِ الكُتُبِ وَتَوْزيعِها بِشَكْلٍ مُتَزامِنٍ داخِلَ البُلْدانِ المُشارِكَة، وَتَجاوُزِ العَقَباتِ التي يَفْرِضُها ارْتِفاعُ تَكاليفِ إِنْتاجِ الكِتابِ وَتَوْزيعِهِ في البُلْدانِ العَرَبِيَّة.

هَل يَبْدَأ الاندِماجُ الاقتِصادِيُّ مِنْ سوقٍ ثقافِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُشترَكَة؟!

على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ المُبادَرَةَ تَبْدو تِجارِيَّةً في ظاهِرِها، إِلّا أَنَّها تَعْكِسُ تَحَوُّلًا أَعْمَقَ في التَّفْكيرِ في التَّكامُلِ الثَّقافِيِّ العَرَبِيّ. فَمُنْذُ عُقودٍ، عاشَ الكِتابُ العَرَبِيُّ مُفارَقَةً لافِتَة: المُؤَلِّفُ يَكْتُبُ بِلُغَةٍ مُشْتَرَكَة، لَكِنَّ القارِئَ العَرَبِيَّ يَظَلُّ أَسيرَ الحُدودِ الوَطَنِيَّة، وَغِيابِ شَبَكاتِ تَوْزيعٍ فَعّالَة، وَارْتِفاعِ تَكاليفِ النَّقْلِ بَيْنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّة. وَلَعَلَّ المُفارَقَةَ الأَكْبَرَ أَنَّ انْتِقالَ الكِتابِ بَيْنَ بَعْضِ العَواصِمِ العَرَبِيَّةِ أَصْبَحَ أَكْثَرَ تَعْقيدًا وَكُلْفَةً مِنِ انْتِقالِهِ إلى بَعْضِ المُدُنِ الأوروبِّيَّة.

وَلا تَقْتَصِرُ المُشْكِلَةُ على مَحْدودِيَّةِ الأَسْواقِ الوَطَنِيَّة، بَل تَمْتَدُّ إلى الأَعْباءِ اللّوجيسْتِيَّةِ التي تَتَحَمَّلُها دورُ النَّشْر. فَفي الكَثيرِ مِنَ الحالات، تُضافُ إلى تَكْلِفَةِ الطِّباعَةِ مَصاريفُ النَّقْلِ وَالتَّخْزينِ وَالتَّوْزيعِ وَالرُّسومِ المُخْتَلِفَة، وَتَكاليفُ المُشارَكَةِ في مَعارِضِ الكِتابِ في العَواصِمِ العَرَبِيَّة، بِما قَدْ يَرْفَعُ السِّعْرَ النِّهائِيَّ لِلكِتابِ بِنِسْبَةٍ تَتَراوَحُ بَيْنَ 30 وَ40 في المِئَة، خُصُوصًا بِالنِّسْبَةِ إلى الطَّبَعاتِ الصَّغيرَةِ وَالمُتَوَسِّطَة. وَقَدْ يُصْبِحُ نَقْلُ الكِتابِ مِنْ تونِسَ إلى المَغْرِبِ أَوْ مِنْ مِصْرَ إلى الجَزائِرِ جُزْءًا مُعْتَبَرًا مِنْ تَكْلِفَتِهِ الإِجْمالِيَّة، وَهُوَ ما يَنْعَكِسُ مُباشَرَةً على سِعْرِ البَيْعِ وَيَحُدُّ مِنِ انْتِشارِ الكِتابِ العَرَبِيّ.

تجربة تكشف عن أهمية "التكامل الثقافي العربي من الأسفل"

وَمِنْ هُنا تَأْتي أَهَمِّيَّةُ النَّموذَجِ الذي تَقْتَرِحُهُ المُبادَرَةُ الجَديدَة. فَبَدَلًا مِنْ طِباعَةِ الكِتابِ في بَلَدٍ واحِدٍ وَشَحْنِهِ إلى بَقِيَّةِ الأَسْواقِ العَرَبِيَّة، يَقومُ التَّعاوُنُ بَيْنَ الناشِرينَ على مَبْدَأِ الطِّباعَةِ المُتَزامِنَةِ في أَكْثَرَ مِنْ بَلَد، بِما يَسْمَحُ بِتَقْليصِ تَكاليفِ النَّقْلِ وَالتَّخْزينِ وَالرُّسومِ وَتَكْلِفَةِ التَّمْثيلِ في المَعارِض، وَتَجاوُزِ مَخاطِرِ التَّأْخير، وَخَفْضِ التَّكْلِفَةِ النِّهائِيَّةِ لِلكِتابِ بِنِسْبَةٍ قَدْ تَصِلُ إلى 40 في المِئَة، فَضْلًا عَنْ تَمْكينِ القارِئِ العَرَبِيِّ مِنَ الحُصولِ على الإِصْدارِ نَفْسِهِ في الوَقْتِ نَفْسِهِ وَبِسِعْرٍ أَكْثَرَ مُلاءَمَةً لِقُدْرَتِهِ الشِّرائِيَّة. وَهُوَ المَعْمولُ بِهِ دَوْلِيًّا حَيْثُ إِنَّ الكِتابَ الصّادِرَ مِنْ دارِ النَّشْرِ الواحِدَةِ يَصْدُرُ في عَواصِمَ غَرْبِيَّةٍ عِدَّةٍ بِشَكْلٍ مُتَزامِن.

وَتَكْشِفُ هَذِهِ التَّجْرِبَةُ عَنْ أَهَمِّيَّةِ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"التَّكامُلِ الثَّقافِيِّ العَرَبِيِّ مِنَ الأَسْفَل"، أَيْ ذَلِكَ التَّكامُلُ الذي تَقودُهُ الشَّبَكاتُ المِهْنِيَّةُ وَالِاقْتِصادِيَّةُ وَالثَّقافِيَّة، وَلَيْسَ الِاتِّفاقِياتُ الحُكومِيَّةُ وَحَسْب. فَالقِطاعُ الثَّقافِيّ، شَأْنُهُ شَأْنُ قِطاعاتٍ أُخْرى، قادِرٌ على إِنْتاجِ حُلولٍ عَمَلِيَّةٍ تَنْبعُ مِنْ حَاجاتِ الفاعِلينَ أَنْفُسِهِم، مُسْتَفيدًا مِنْ وَحْدَةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَاتِّساعِ السّوقِ الثَّقافِيَّةِ المُشْتَرَكَة.

وَمِنْ مَنْظورٍ اقْتِصادِيّ، تُمَثِّلُ هَذِهِ المُبادَرَةُ مُحاوَلَةً لِتَجاوُزِ أَحَدِ أَهَمِّ العَوائِقِ التي تُواجِهُ الصِّناعاتِ الثَّقافِيَّةَ العَرَبِيَّة، وَهُوَ ضيقُ الأَسْواقِ الوَطَنِيَّة. فَالتَّعاوُنُ بَيْنَ النّاشِرينَ لا يُوَسِّعُ قاعِدَةَ القُرّاءِ فَحَسْب، بَل يَسْمَحُ أَيْضًا بِتَحْقيقِ اقْتِصادِياتِ الحَجْم، وَتَخْفيضِ التَّكاليف، وَتَوْفيرِ فُرَصٍ أَكْبَرَ لِلمُؤَلِّفينَ وَالنّاشِرينَ على حَدٍّ سَواء.

الوحدة الثقافية العربية مشروع قابل للتحقُّق

كَما تُذَكِّرُنا هَذِهِ التَّجْرِبَةُ بِأَنَّ الثَّقافَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَشاطٍ رَمْزِيّ، بَلْ هِيَ صِناعَةٌ وَشَبَكاتُ تَوْزيعٍ وَسَلاسِلُ قيمَةٍ أَيْضًا. وَإِذا كانَتِ الأَسْواقُ العَرَبِيَّةُ قَدْ نَجَحَتْ نِسْبِيًّا في مَجالاتِ الإِعْلامِ وَالِاتِّصالاتِ وَالخِدْماتِ الرَّقْمِيَّة، فَإِنَّ سوقَ الكِتابِ العَرَبِيَّةَ لا تَزالُ بِحاجَةٍ إلى مُبادَراتٍ مُماثِلَة، وَإلى انْضِمامِ المَزيدِ مِنْ دورِ النَّشْرِ العَرَبِيَّةِ إلى هَذِهِ الشَّبَكَةِ النّاشِئَة، بِما يُسْهِمُ في بِناءِ فَضاءٍ ثَقافِيٍّ عَرَبِيٍّ أَكْثَرَ انْفِتاحًا وَمُرونَة.

وَرُبَّما تَكْمُنُ القيمَةُ الحَقيقِيَّةُ لِهَذِهِ المُبادَرَةِ في أَنَّها تُقَدِّمُ نَموذَجًا جَديدًا لِلتَّكامُلِ العَرَبِيّ، لا يَقومُ على الخِطاباتِ الكُبْرى وَالِاتِّفاقِيّاتِ العَرَبِيَّةِ الرَّسْمِيَّة، بَل على التَّعاوُنِ العَمَلِيِّ وَالمَصالِحِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ فَاعِلينَ تِجارِيّين. فَحينَ يَنْجَحُ النّاشِرونَ العَرَبُ في بِناءِ سوقٍ مُشْتَرَكَةٍ لِلكِتاب، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتونَ أَنَّ الوَحْدَةَ الثَّقافِيَّةَ العَرَبِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حُلْمٍ رومانْسِيّ، بَل مَشْروعٌ قابِلٌ لِلتَّحَقُّق، يَبْدَأُ مِنْ كِتابٍ يَصِلُ إلى القارِئِ العَرَبِيِّ في الوَقْتِ نَفْسِه، وَبِسِعْرٍ مَعْقول، أَيْنَما كان.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن