حَمَلَتْ قَصيدَةُ "نَجْم" شاعِرِ العامِّيَّةِ المِصْرِيَّةِ نَقْدًا حادًّا، كانَّهُ كَتَبَ بِسِكّينِ غَضَبِه، لِثَوْرَةِ يولْيو، أَطْلَقَ فيها على جَمال عَبْد النّاصِر اسْمَ "عَبْدِ الجَبّار"، الذي "خَرَّبَها مَدايِن"! لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِيَ أَزْمَةَ القَصيدَة، حَتّى لَوْ بَدا النَّقْدُ مُشْتَطًّا.
تَبَدَّتْ أَزْمَتُها في مَطْلَعِها، الذي نالَ بِقَسْوَةٍ مِنْ جَيْشٍ جَريح، لا ذَنْبَ لِضُبّاطِهِ وَجُنودِهِ في الهَزيمَةِ العَسْكَرِيَّةِ الفادِحَة، فيما هُوَ يَعودُ مَرَّةً أُخْرى لِمَيادينِ القِتالِ في مَعْرَكَةِ "رَأْسِ العِشّ" بَعْدَ أَيّامٍ قَليلَة.
لم يكن مُمكنًا أن يقف على الجانب الآخر من إرادة شعبه
على الرَّغْمِ مِنْ تَضْحِياتِ الرِّجالِ والعَوْدَةِ إلى القِتالِ في وَقْتٍ قِياسِيّ، ذاعَتِ القَصيدَةُ في أَوْساطِ الحَرَكَةِ الطُّلّابِيَّةِ المِصْرِيَّةِ مَطْلَعَ سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي بَعْدَما لَحَّنَها وَغَنّاها رَفيقُ "نَجْم" الفَنِّيُّ والسِّياسِيُّ الشَّيْخُ "إِمام عيسى".
"الحَمْدُ لِلَّهِ خَبَّطْنا
تَحْتَ بَطاطْنا
يا مَحْلا رَجْعَة ضُبّاطْنا
مِنْ خَطِّ النّار".
يَسْتَلْفِتُ النَّظَرَ - الآن - أَنَّ هُناكَ مَنْ هُوَ مُسْتَعِدٌّ لِاسْتِعادَةِ هَذِهِ القَصيدَةِ مِنْ أَرْشيفِ "نَجْم"، كَعَمَلٍ انْتِقامِيٍّ مِنْ "عَبْدِ النّاصِر"، تَجْرِبَتِهِ وارْثِهِ وَمَشْروعِه، كُلَّما حَلَّتْ ذِكْرى 5 يونْيو، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الشّاعِرَ هَجَرَ إِنْشادَها في أَيِّ مَحافِلَ عامَّةٍ كانَ يُدْعى إِلَيْها لِإِلْقاءِ أَشْعارِه. كانَ ذَلِكَ تَعْبيرًا عَنْ نَدَمٍ عَميقٍ على كِتابَتِها على الرَّغْمِ مِنْ ذُيوعِها.
بِحِسٍّ تاريخِيّ، اسْتَشْعَرَ المِصْرِيّونَ في التَّظاهُراتِ المِلْيونِيَّة، التي رَفَضَتِ الهَزيمَة، يَوْمَي 9 وَ 10 يونْيو، أَنَّ مِصْرَ نَفْسَها، دَوْرًا وَتاريخًا وَوُجودًا، هِيَ المُسْتَهْدَفَةُ لا تَجْرِبَةُ عَبْدِ النّاصِر وَحْدَها.
نَهَضَتِ الوَطَنِيَّةُ المِصْرِيَّةُ لِاسْتِئْنافِ القِتالِ مِنْ جَديد، في حَرْبِ اسْتِنْزافٍ امْتَدَّتْ لِثَلاثِ سَنَوات، كانَتْ تَمْهيدًا لِعُبورِ الجُسورِ في أُكْتوبر (1973).
لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا لِشاعِرٍ كَـ"نَجْم" أَنْ يَقِفَ على الجانِبِ الآخَرِ مِنْ إِرادَةِ شَعْبِهِ وَتَضْحِياتِه. سَجَّلَتْ أَخيرًا ابْنَتُهُ "نوّارَة نَجْم" على شَبَكَةِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ أَنَّهُ نَدِمَ على هَذِهِ القَصيدَةِ وَتَمَنّى أَلّا يَكونَ قَدْ كَتَبَها.
"الفاجومي" يقول ما يختمر في قلبه من دون حسابات
عِنْدَ أَوائِلِ القَرْنِ الحَالِيّ، أُسْندَتْ إِلَيْهِ إِحْدى الفَضائِيّاتِ الخاصَّةِ تَقْديمَ بَرْنامَجٍ تِلْفِزْيونِيٍّ عَنْ شَخْصِيّاتٍ مِصْرِيَّة، فاخْتارَ "جَمالَ عَبْدِ النّاصِر" عُنْوانًا أَوَّل.
شارَكْتُ في تِلْكَ الحَلَقَةِ بِجِوارِ المُـمَثِّلَةِ القَديرَةِ "فِرْدَوْسِ عَبْدِ الحَميد"، والمُلَحِّنِ الكَبيرِ "فاروقِ الشَّرْنوبِي"، الذي حَمَلَ عودَهُ مَعَهُ مُسْتَعيدًا بِصَوْتِهِ أَغانِيَ ثَوْرَةِ "يولْيو" مِنْ حينٍ لِآخَر.
عِنْدَما وَصَفْتُ "صَلاحَ جاهين"، وَمُعْظَمَ ما يُغَنّى مِنْ شِعْرِه، بِـ"شاعِرِ الشَّعْب"، اعْتَرَضَ مُقاطِعًا: "أَنا شاعِرُ الشَّعْب".
لَدَيْهِ أَحَقِّيَّة أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِـ"شاعِرِ الشَّعْب" مَنْسوبًا إلى تَجْرِبَتِهِ العَريضَةِ كَأَبْرَزِ شُعَراءِ الرَّفْضِ في العَصْرِ الحَديث.
وَبِاليَقينِ فَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الشُّعَراءِ الْتِزامًا بِما يُؤْمِنُ بِهِ وَتَعَرُّضًا لِتَجْرِبَةِ السِّجْن. يُطْلِقُ على نَفْسِهِ اسْمَ "الفاجومي"، الذي يَقولُ ما يَخْتَمِرُ في قَلْبِهِ مِنْ أَفْكارٍ وَمَشاعِرَ مِنْ دونِ حِساباتٍ وَأَيًّا ما كانَتِ التَّكاليفُ والعَواقِب.
قُلْتُ والكاميراتُ تَرْصُدُ كُلَّ حَرْف: "لَكِنَّ شاعِرَ الشَّعْبِ لا يَقولُ الحَمْدُ لِلَّهِ خَبطْنا تَحْتَ بَطاطْنا... ما أَحْلى رَجْعَة ضُبّاطْنا مِنْ خَطِّ النّار... والبَلَدُ يُعْلِنُ المُقاوَمَةَ وَيَتَأَهَّبُ لِرَدِّ العُدْوانِ عَلَيْه".
صَمَتَ وَلَمْ يَرُدَّ على عَكْسِ شَخْصِيَّتِهِ "الفاجومِيَّة" تَمامًا.
كانَ يَعْرِف، رُبَّما أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِه، أَنَّ لِلْكَلامِ مَنْطِقَه، يَفْهَمُهُ وَيَمَسُّ عُمْقَهُ الوَطَنِيَّ الذي لا شَكَّ فيه.
بَعْدَ سَنَواتٍ طَويلَةٍ مِنْ رَحيلِ "عَبْدِ النّاصِر"، الذي عارَضَهُ وَهَجاهُ في حَياتِه، كَتَبَ مُنْتَصَفَ الثَّمانينِيّاتِ قَصيدَةً شاعَتْ في مِصْرَ والعالَمِ العَرَبِيِّ بِأَكْثَرَ مِنْ أَيِّ قَصيدَةٍ أُخْرى كَتَبَها.
أَنْشَدَ على غَيْرِ تَوَقُّعٍ وانْتِظَار، وَبِلا مُقَدِّماتٍ مُعْلَنَة:
"عَمَلْ حاجاتْ مُعْجِزَة وَحاجاتْ كتيرْ خابتْ
وَعاشْ وَماتْ وِسْطِنا
على طَبْعِنا ثابِتْ
وإِنْ كانْ جَرَحْ قَلْبِنا كُلِّ الجِراحْ طابِتْ
وَلا يِطولوهْ العِدا
مَهْما الأُمورْ
جابِتْ".
كانَ ذَلِكَ تَصْحيحًا لِلتّاريخ، تاريخِهِ هُوَ قَبْلَ أَيِّ اعْتِبارٍ آخَر.
بِمُقارَبَةٍ شِعْرِيَّةٍ أُخْرى في التَّوْقيتِ نَفْسِه، هاجَمَ الشّاعِرُ السّورِيُّ "نِزار قَبّاني" في قَصيدَتِهِ "هَوامِشُ على دَفْتَرِ النَّكْسَة"، طَبيعَةَ النِّظامِ السِّياسِيِّ وَحَمَّلَهُ المَسْؤولِيَّةَ الكامِلَةَ عَنْ فَداحَةِ ما جَرى.
"أَنْعي لَكُمْ..
كَلامَنا المَثْقوب، كالْأَحْذِيَةِ القَديمَة..
وَمُفْرَداتِ العُهْر، والهِجاء، والشَّتيمَة
أَنْعي لَكُمْ.. أَنْعي لَكُمْ
نِهايَةَ الفِكْرِ الذي قادَ إلى الهَزيمَة".
"يا سَيِّدي..
يا سَيِّدي السُّلْطانْ
لَقَدْ خَسِرْتَ الحَرْبَ مَرَّتَيْنْ
لِأَنَّ نِصْفَ شَعْبِنا.. لَيْسَ لَهُ لِسانْ
ما قيمَةُ الشَّعْبِ الذي لَيْسَ لَهُ لِسانْ؟".
تَعَرَّضَتْ أَعْمالُ "نِزارِ قَبّاني" لِلْمُصادَرَةِ في مِصْر.
جَرَتْ حَمْلَةٌ صُحُفِيَّةٌ عَلَيْهِ بِدَواعي الغَيْرَةِ في النُّفوس، تَصَدَّرَها الشّاعِرُ "صالِح جَوْدَت" المُقَرَّبُ مِنْ دَوائِرِ السُّلْطَة.
بِنَصيحَةٍ مِنَ النّاقِدِ الأَدَبِيِّ "رَجاءِ النَّقّاش"، كَتَبَ "نِزار" خِطابًا إلى "عَبْدِ النّاصِر"، الذي لَمْ يَكُنْ قَدْ قَرَأَ الدّيوانَ الغاضِب.
عِنْدَما اطَّلَعَ على نَصِّهِ أَشَّرَ عَلَيْهِ بِالنَّشْرِ في مِصْرَ مِنْ دونِ حَذْفِ حَرْفٍ واحِد.
بَعْدَ سَنَواتٍ قَليلَةٍ مِنْ هَذِهِ القِصَّةِ المُثيرَةِ اخْتَلَفَتِ المَواقِع.
هاجَمَ "صالِح جودَت" "عَبْدَ النّاصِر" بِضَراوَةٍ غَيْرِ مُبَرَّرَةٍ وَغَيْرِ مُنْصِفَة، فيما أَنْشَدَ فيهِ "نِزار قَبّاني" قَصيدَةً رِثائِيَّةً فاقَتْ شُهْرَتُها "هَوامِشَ على دَفْتَرِ النَّكْسَة":
"قَتَلْناكَ..
يا حُبَّنا وَهَوانا..
وَكُنْتَ الصَّديقَ، وَكُنْتَ الصَّدوق،
وَكُنْتَ أَبانا..
وَحينَ غَسَلْنا يَدَيْنا..
اكْتَشَفْنا..
بِأَنَّ قَتَلْنا مُنانا..
وَأَنَّ دِماءَكَ فَوْقَ الوِسادَة..
كانَتْ دِمانا..".
بِاليَقينِ كانَتْ هُناكَ مُؤامَراتٌ على ثَوْرَةِ "يولْيو" لِإِجْهاضِ مَشْروعِها وَإِنْهاءِ أَدْوارِها، غَيْرَ أَنَّها ما كانَتْ لِتَمُرَّ لَوْلا الثَّغَراتُ الدّاخِلِيَّةُ في بُنْيَةِ "النِّظامِ المُقْفولِ الذي يُعَلِّقُ مُسْتَقْبَلَ البَلَدِ على مَجْهول" - بِتَعْبيرِ "عَبْدِ النّاصِر" في مُراجَعاتِ ما بَعْدَ النَّكْسَة.
كان انقلابه على قصيدته حادًا بالدرجة ذاتها التي كُتبت بها
الفارِقُ الزَّمَنِيُّ بَيْنَ القَصيدَتَيْنِ ثَلاثُ سَنَوات. والفارِقُ المَوْضوعِيُّ هُوَ الفارِقُ نَفْسُهُ بَيْنَ نِظامٍ أَخْفَقَ في حِفْظِ سَلامَةِ حُدودِهِ وَمَشْروعٍ أَلْهَمَ العَرَبَ ذاتَ يَوْمٍ أَنَّهُم قُوَّةٌ كُبْرى يُعْتَدُّ بِها في عالَمِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَسْتَطيعونَ أَنْ يَصْنَعوا مُسْتَقْبَلَهُمْ بِأَنْفُسِهِم.
مِنْ زَوايا مُتَعَدِّدَة، هُناكَ ما هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ تَجْرِبَتَيْ "الفاجومي" وَ"نِزار" في النَّظَرِ إلى النَّكْسَةِ وَ"عَبْدِ النّاصِر"، لَكِنْ يَبْدو الآنَ أَنَّ تَجْرِبَةَ الأَوَّلِ أَكْثَرُ دْرامِيَّةً مِنَ الثّاني، فَقَدْ كانَ انْقِلابُهُ على قَصيدَتِهِ حادًّا بِالدَّرَجَةِ ذاتِها التي كُتِبَتْ بِها.
(خاص "عروبة 22")

