يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ موران هُوَ الأَكْثَرُ كْلاسيكِيَّة، لَكِنَّهُ جَسَّدَ حُضورًا حَداثِيًّا تَجاوُزِيًّا في دَوْرِ رَجُلِ التَّقَدُّم، وَعلى الرَّغْمِ مِنَ القُيودِ الاجْتِماعِيَّة، كانَ هُناكَ دائِمًا إِمْكانِيَّةٌ لِروحِ الفِكْرِ الحُرّ. فَيَلْعَبُ دَوْرَ المُسْتَفِزِّ في صِراعٍ مَعَ شَبابِهِ المُنْدَفِع. هَلْ هُوَ "عالِمُ اجْتِماع"، "أَنْثَروبولوجِيّ"، "فَيْلَسُوف"، أَمْ رَجُلٌ "مُشاكِسٌ"، يَظْهَرُ في "قَلْبِ الثَّلاثينَ المَجيدَة"، في سِلْسِلَةٍ مِنَ الخُطُوَاتِ وَالتَّجارِبِ الجَريئَةِ في امْتِلاكِ المُحاوَلاتِ الفِكْرِيَّة، وَمُقابَلَةِ جُمْهورٍ عَريض، وَفي مواجَهَةِ التَّقاليدِ الأَكاديمِيَّةِ عَبْرَ أَفْلامِ "وَقائِعِ صَيْف" (فيلْمٌ شارَكَ في إِخْراجِهِ عامَ 1960 مَعَ جان روش)، وَ"تَحَوُّلِ بلوديميتْ" (1967)، وَ"تَحَوُّلِ بْلوزيفيتْ"، وَ"رومور دورْلِيا (1969)، أَيْ امْتِلاكُ خاصِّيَّةِ الفِكْرِ الشُّمولِيِّ بَيْنَ الاسْتِطْلاعِ السّوسْيولوجِيِّ وَالفَلْسَفَةِ وَالسّينَما. وَتَتَكامَلُ جَميعُها بِطَرِيقَةٍ مورانِيَّة، تَجِدُ نَفْسَها مُطَبَّقَةً على المَيْدانِ البْريتونِيِّ مِثْلَ بُحوثِهِ عَنِ النِّساءِ وَوُكَلاءِ الحَداثَةِ في المَناطِقِ الرّيفِيَّة.
كانَ موران يَسْتَفِزُّ الحَساسِيّاتِ عِنْدَ الكيمْيائِيّينَ وَالفيزْيائِيّينَ وَعُلَماءِ الوِراثَة، وَعُلَماءِ الأَحْياءِ وَعُلَماءِ الاجْتِماع. وَالفَلاسِفَةُ سَيَنْظُرونَ بِعَيْنٍ مُسَلِّيَةٍ أَوْ مُشَكِّكَةٍ إلى هَذا "المُغامِرِ العَبْقَرِيِّ" الذي يَبْتَكِرُ جُسورًا بَيْنَ عُلومِ الطَّبيعَة، وَعُلومِ المُجْتَمَعِ وَالإِنْسان. سَيَتَّهِمونَهُ بِالهِوايَةِ وَالتَّجاوُز، وَسَيُعيبونَ عَلَيْهِ الاسْتِخْدامَ المُفْرِطَ لِلِاسْتِعارات، وَالمُصْطَلَحاتِ الجَديدَة، وَسَيَشَكِّكونَ في قُدْرَتِهِ على التَّحَدُّثِ بِالكَفاءَةِ نَفْسِها عَنْ سورين كيرْكِغارْد وَإدْمونْد هوسِرْل، وَمَشاكِلِ الفيزْياءِ الفَلَكِيَّة، وَكيمْياءِ الدِّماغ، وَاللِّسانِيّات، وَعِلْمِ النَّفْسِ المَعْرِفِيّ، وَمُفارَقاتِ بِرْتْران راسِل، وَتاريخِ الأَدْيان. وَما هُوَ مُؤَكَّدٌ هُوَ أَنَّهُمْ جَميعًا اسْتَلْهَموا مِنْ مُمارَساتِهِ حَتّى النِّهايَة.
كانَ يُدافع بلا هوادة عن حقّ الضعيف ضدّ قانون الأقوى
حاوَلَ موران أَنْ يُقاوِمَ الشَّعْبَوِيَّة، وَالشُّمولِيَّة، وَالقَوْمِيَّة، وَالعُنْف، وَالأَضْرارَ التي لَحِقَتْ بِالبيئَة، وَالاسْتِعْمارَ الإِسْرائيلِيّ، وَهَيْمَنَةَ الرِّبْح، وَعَدَمَ المُساوَاة، وَالكَراهِيَة، وَكُلَّ ما يُفَرِّقُ وَيُشَتِّت. لَمْ يَسْتَسْلِمْ يَوْمًا، وَلَمْ يَرْفَعِ الرّايَةَ البَيْضاء. في سِنِّ الثَّانِيَةِ بَعْدَ المِئَةِ، كانَ يَحُثُّ العالَمَ على تَبَنّي "حِزْبِ إيروس"، القُوَّةِ الإِبْداعِيَّة، ضِدَّ "بوليموس وَثاناتوس"، الحَرْبِ وَنَزَعاتِ المَوْت، وَعلى مُقاوَمَةِ "الأَكاذيب، وَالأَوْهام، وَالهِسْتيرْيا الجَماعِيَّة"، التي يَرْكَبُ مَوْجَتَها اليَمينُ المُتَطَرِّفُ في كُلِّ مَكانٍ تَقْريبًا في العالَم. هَذِهِ الكَلِماتُ سَتَكْتَسِبُ مَعْنًى أَكْبَر، حينَ يَسْعى بَعْضُ رُؤَساءِ الدُّوَلِ لِفَرْضِ حَقائِقَ زائِفَةٍ وَأَكاذيبَ لِتَحْفيزِ الجَماهيرِ وَإِبْقائها تَحْتَ سَيْطَرَتِهِم. وَمِنْ هُنا، أَعْلَنَ موران بِوُضوحٍ مَوْقِفَهُ الدّاعِمَ لِـ "ثَوْراتِ الرَّبيعِ العَرَبِيّ"، عامَ 2011 مُسْتَعيدًا مُصْطَلَحَ الشَّعْبِ الوَاسِع، وَقَضِيَّةَ الحُرِّيَّةِ التي فَقَدَها العالَمُ تَقْريبًا.
لَقَدْ عَرَفَ إِدْغار موران كِبارَ المُثَقَّفينَ وَالشَّخْصِيّاتِ السِّياسِيَّة، وَكانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَشْعُرَ بِالمَلَلِ أَوِ الاشْمِئْزازِ مِنَ الجِنْسِ البَشَرِيِّ (عانى طَويلًا مِنَ الأَوْساطِ الجامِعِيَّةِ وَالمُثَقَّفينَ وَعائِلَتِهِ وَمِنَ الحِزْبِ الشُّيوعِيّ). لَكِنَّ الأَمْرَ كانَ عَكْسَ ذَلِكَ تَمامًا. حافَظَ على نَضارَتِهِ وَحَماسَتِه، داعِيًا إلى الأُخُوَّة، وَأَنْهى حَياتَهُ كَحَكيمٍ مُسْتَنيرٍ وَمَحَطِّ إِعْجابِ الكَثيرين، "السّبينوزِيّ" كَما كانَ يُحِبُّ أَنْ يُدْعى.
إِنَّهُ باقٍ في الذّاكِرَة، ذَلِكَ الرَّجُلُ الهادِئ، حامِلًا في داخِلِهِ الحُبَّ وَالثَّوْرَة، القَلَقَ وَالشَّجاعَةَ لإِنْقاذِ الإِنْسانِيَّةِ مِنَ الخَوْف. كانَ يُدافِعُ بِلا هَوادَةٍ عَنْ حَقِّ الضَّعيفِ ضِدَّ قانونِ الأَقْوى، وَعَنْ فَهْمِ الآخَر، وَعَنْ نَزْعِ سِلاحِ الكَراهِيَةِ وَكُلِّ أَشْكالِ الاخْتِزالِ وَالإِقْصاء، لاجِئًا إلى الرَّبْطِ بَيْنَ الذّاكِراتِ وَالتَّخَصُّصاتِ وَالبُلْدانِ وَالثَّقافات.
حارب إقصاء الفلسطينيين وجعلوه يدفع الثمن في دعوى قضائية رُفعت ضدّه بتهمة "مُعاداة السامية"
كانَ يُفاوِضُ مِنْ أَجْلِ السَّلامِ وَأَخْلاقٍ عالَمِيَّةٍ قائِمَةٍ على التَّضامُنِ وَقادِرَةٍ على خَلْقِ "مُجْتَمَعٍ أَكْثَرَ تَوازُنًا وَعَدْلًا"، عارِفًا بِما يُعيقُه. وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كانَ يَشُكّ، فَإِنَّ إِدْغار موران لَمْ يَكُنْ يُحِبُّ ديكارْت كَثيرًا، بَلْ كانَ يَنْتَقِدُ المَنْهَجَ التَّحْليلِيَّ الذي يَقومُ على الفَصْل. كانَ يُفَضِّلُ باسْكال، الذي يَرْبِطُ دائِمًا بَيْنَ الكُلِّيِّ وَالمَحَلِّيّ، مَعَ مُراعاةِ العَقْلِ وَالتَّفْكيرِ بِطَريقَةٍ أُخْرى. فَقَدْ مَدَّ نِضالَهُ ضِدَّ النازِيَّةِ لِيُصْبِحَ نِضالًا ضِدَّ الاسْتِعْمارِ الفَرَنْسِيِّ في الجَزائِر، إلى إِسْرائيلَ وَاحْتِلالِها لِفِلَسْطين.
لَقَدْ كانَ يَهودِيًّا يَرْفُضُ أَيَّ فِكْرَةٍ لِتَفَوُّقٍ مُتَأَصِّلٍ في الحالَةِ اليَهودِيَّة. تِلْكَ الفِكْرَةُ نَفْسُها التي أَعْمَتْ عَدَدًا كَبيرًا مِنَ المُثَقَّفينَ اليَهود. وَبِقَدْرِ ما كانَتْ إِسْرائيلُ تُؤَسِّسُ وُجودَها على إِقْصاءِ الشَّعْبِ الفِلَسْطينِيّ، أَدْرَكَ موران مُبَكِّرًا أَنَّ هَذا الظُّلْمَ سَيُوَلِّدُ شُعوبًا مُتَمَرِّدَةً إِذا لَمْ يَتِمَّ الاعْتِرافُ بِه. لَقَدْ حارَبَ ذَلِكَ مِنْ دونِ موارَبَة، وَجَعَلوهُ يَدْفَعُ الثَّمَنَ في دَعْوى قَضائِيَّةٍ رُفِعَتْ ضِدَّهُ بِتُهْمَةِ "مُعاداةِ السامِيَّة".
هَذا موجَزٌ مِنْ مَسيرَةِ إِدْغار موران الفِكْرِيَّة، وَتَأْثيراتِهِ الفِكْرِيَّة، وَعَلاقَتِهِ مَعَ شَخْصِياتٍ مِثْلَ كوليتْ أودْري، وَرولانْ بارْت، وَجانْ دوفينيو، وَكوسْتاس أَكْسيلوس، وَجورْج لوكاش وَمَدْرَسَةِ فَرانْكْفورْتِ (أَدورْنو وَمارْكوزِه)، وَعَنْ تَنَوُّعِ اهْتِماماتِهِ حَيْثُ يَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ المَعارِفِ المُتَفَرِّقَةِ لِيَصوغَ رُؤْيَتَهُ الخاصَّةَ التي بَناها مِثْلَ أَحْجارِ بِناءِ كاتِدْرائِيَّة، وَتَشْهَدُ على الأَقَلِّ على حَجْمِ العَمَلِ وَقُدْرَةٍ مُذْهِلَةٍ على الرَّبْطِ وَفَحْصِ هَذا التَّكْوينِ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِ الظُّروفِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ وَالتاريخِيَّةِ وَالمُعْتَقَداتِ وَالأَساطيرِ وَالإيدْيولوجِيّاتِ وَالنَّظَرِيّاتِ وَتَصَوُّراتِ العالَم.
(خاص "عروبة 22")

