الصِّناعاتُ الدِّفاعِيَّةُ العَرَبِيَّة! ضَرورَةٌ اقْتِصادِيَّةٌ وأَمْنِيَّةٌ في عَصْرِ ما بَعْدَ الحَرْبِ الإيرانِيَّة

دَخَلَ المَشْرِقُ العَرَبِيُّ، وخاصَّةً مِنْطَقَةُ الخَليج، مَرْحَلَةً جَديدَةً بِسَبَبِ الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيرانَ والَّتي سَيَكونُ فيها التَّوَتُّرُ والحُروبُ والقَصْفُ المُتَبادَلُ خَطَرًا ماثِلًا يَجِبُ التَّكَيُّفُ مَعَه. فَحَتّى لَوْ أَفْضَتِ المُفاوَضاتُ الأَميرْكِيَّةُ - الإيرانِيَّةُ إلى اتِّفاقٍ نِهائِيٍّ مُسْتَدام، فَإِنَّ هَذا لَنْ يَمْنَعَ احْتِمالَ هُجومٍ إِسْرائيلِيٍّ آخَرَ على إيران، وقَدْ تَرُدُّ الأَخيرَةُ بِاسْتِهْدافِ دُوَلِ الخَليجِ لِأَنَّها الأَقْرَبُ وبِهَدَفِ الضَّغْطِ على الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ والعالَمِ عَبْرَ رَفْعِ أَسْعارِ النَّفْطِ كَما يَحْدُثُ حالِيًّا، ولا يُمْكِنُ أَيْضًا اسْتِبْعادُ أَنْ تَشْمَلَ الاعْتِداءاتُ الإِسْرائيلِيَّةُ دُوَلًا عَرَبِيَّةً مِثْلَ لُبْنانَ كَما يَجْري حالِيًّا وكَذَلِكَ سورْيَا والعِراق. كَما أَنَّ إيرانَ وأَذْرُعَها في المِنْطَقَة، قَدْ تَتَّجِهُ لِلتَّحَرُّشِ بِبَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ لِتَحْقيقِ أَهْدافٍ سِياسِيَّةٍ لا عَلاقَةَ لَها بِصِراعِها الحالِيِّ مَعَ أَميرْكا وإِسْرائيلَ بَعْدَما عَلَّمَتْها الحَرْبُ الحالِيَّةُ الطَّريقَ لِذَلِك.

الصِّناعاتُ الدِّفاعِيَّةُ العَرَبِيَّة! 
ضَرورَةٌ اقْتِصادِيَّةٌ وأَمْنِيَّةٌ في عَصْرِ ما بَعْدَ الحَرْبِ الإيرانِيَّة

يَعْني ما سَبَقَ أَنَّ التَّوَتُّرَ واحْتِمالَ نُشوبِ الحُروبِ سَوْفَ يُخَيِّمانِ على المَشْهَدِ الاقْتِصادِيِّ والاجْتِماعِيِّ في المِنْطَقَةِ الَّتي تَحْتاجُ بِدَوْرِها إلى التَّكَيُّفِ مَعَ هَذا الوَضْعِ بِاعْتِبارِهِ وَضْعًا مُزْمِنًا.

ومِنْ هُنا تَأْتي الأَهَمِّيَّةُ البالِغَةُ لاسْتِثْمارِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ في الصِّناعاتِ الدِّفاعِيَّةِ لِأَسْبابٍ اقْتِصادِيَّةٍ وأَمْنِيَّةٍ على السَّواء. فَالتَّوَتُّرُ الَّذي قَدْ يُخَيِّمُ على المِنْطَقَةِ لِسَنَواتٍ سَيَعْني تَأَثُّرَ قِطاعاتٍ مِثْلَ السِّياحَةِ والخَدَماتِ اللّوجيسْتِيَّةِ والنَّقْلِ الجَوِّيِّ والبَحْرِيِّ الَّتي اسْتَثْمَرَتْ فيها دُوَلُ الخَليجِ تَحْديدًا الكَثيرَ خِلالَ السَّنَواتِ الماضِيَة.

أهمية اقتصادية للصّناعات الدفاعية وضرورتها الاستراتيجية والعسكرية ازدادت بشكل كبير

وهُنا تَظْهَرُ الصِّناعاتُ الدِّفاعِيَّةُ كَقِطاعٍ اقْتِصادِيٍّ قائِدٍ بَديل. ولَقَدْ أَثْبَتَتِ الحَرْبُ الرّوسِيَّةُ - الأوكْرانِيَّةُ أَنَّ الصِّناعاتِ الدِّفاعِيَّةَ يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ في أَوْقاتِ الحُروبِ قائِدَةً لِلنُّموِّ الاقْتِصادِيّ، فَالنُّموُّ الهائِلُ لِلصِّناعاتِ الدِّفاعِيَّةِ الرّوسِيَّةِ كانَ سَبَبًا رَئيسِيًّا لِنُموِّ اقْتِصادِ البِلادِ بِمُعَدَّلٍ فاقَ مُعَدَّلاتِ أَوْقاتِ السِّلْم (بِالإِضافَةِ إلى دَوْرِ ارْتِفاعِ أَسْعارِ الطّاقَة) وأَدّى هَذا النُّموُّ حَتَّى لَوْ صاحَبَهُ زِيادَةُ التَّضَخُّمِ والعَجْزِ المالِيّ، إلى ارْتِفاعِ الأُجورِ في روسْيا وازْدِيادِ التَّشْغيلِ لِدَرَجَةٍ أَنَّ واحِدَةً مِنْ أَكْبَرِ مُشْكِلاتِ البِلادِ هِيَ نَقْصُ العَمالَة، خاصَّةً في ظِلِّ هِجْرَةِ الشَّبابِ الرّوسِيِّ إلى الخارِجِ هَرَبًا مِنَ التَّجْنيد.

ويَنْطَبِقُ الأَمْرُ ذاتُهُ على أوكْرانْيا حَيْثُ تُواصِلُ مَصانِعُ الأَسْلِحَةِ العَمَلَ لِإِمْدادِ جَيْشِ البِلادِ بِاحْتِياجاتِهِ والتَّصْديرِ إلى الخارِج، وَزادَت قيمَةُ إِنْتاجِها الدِّفاعِيِّ بِشَكْلٍ هائِلٍ مِنْ حَوالَيْ مِلْيارِ دولارٍ سَنَوِيًّا في 2022 (قَبْلَ الغَزْوِ الرّوسِيِّ) إلى 35 مِلْيارَ دولارٍ  بِحُلولِ 2025، ويَعْمَلُ في هذا القِطاعِ نَحْوَ 300 أَلْفِ عامِل، وساهَمَ في التَّعْويضِ جُزْئِيًّا عَنْ خَسائِرِ الحَرْبِ الاقْتِصادِيَّةِ الفادِحَة، ويُنْظَرُ إِلَيْهِ كَمُحَرِّكٍ لِلنُّموِّ بَعْدَ الحَرْب.

وإِضافَةً إلى الأَهَمِّيَّةِ الاقْتِصادِيَّةِ لِلصِّناعاتِ الدِّفاعِيَّة، فَإِنَّ ضَرورَتَها الاسْتراتيجِيَّةَ والعَسْكَرِيَّةَ ازْدادَتْ بِشَكْلٍ كَبير. فَلَقَدْ أَثْبَتَتْ حُروبُ إيرانَ وأُوكْرانْيا ولُبْنانَ وغَزَّة، أَنَّ صِراعاتِ العَصْرِ باتَتْ في الغالِبِ حُروبَ اسْتِنْزافٍ ولَيْسَتْ حُروبَ الضَّرَباتِ القاضِيَة؛ وبِالتّالِي فَهِيَ تَحْتاجُ إلى تَوَفُّرِ إِمْداداتٍ ضَخْمَةٍ وبِتَكْلِفَةٍ مَعْقولَةٍ وقابِلَةٍ لِلاسْتِدامَةِ مِنَ الأَسْلِحَةِ والذَّخائِر، لا سِيَّما قَذائِفُ المِدْفَعِيَّةِ والصَّواريخُ والمُسَيَّرات. كَما أَنَّ الدَّرْسَ الثّانِيَ لِهَذِهِ الحُروبِ هُوَ الحاجَةُ إلى سُرْعَةِ تَطْويرِ وتَكْييفِ الأَسْلِحَةِ وبَرْمَجِيّاتِها بِما يَتَواءَمُ مَعَ مُتَطَلَّباتِ الجُيوشِ في ساحاتِ المَعارِك، وهَذا يَتَطَلَّبُ عَلاقَةً مُباشِرَةً بَيْنَ الجُيوشِ ومُصَنِّعي الأَسْلِحَة.

للبحث العلمي دور محوري في تطوُّر الصناعات الدفاعية بما ينعكس إيجابًا على القطاعات الاقتصادية كافة

ومُجْمَلُ هَذِهِ الشُّروطِ السّابِقَةِ يَسْهُلُ تَحْقيقُها في حالِ التَّصْنيعِ المَحَلِّيِّ لِلأَسْلِحَة، مُقارَنَةً بِاسْتيرادِها، خاصَّةً أَنَّ تَوَسُّعَ الصِّراعاتِ في العالَمِ يَعْني أَنَّ الدُّوَلَ الكُبْرى باتَتْ تُعْطي الأَوْلَوِيَّةَ في تَصْديرِ الأَسْلِحَةِ والذَّخائِرِ لِلجَبَهاتِ الأَهَمِّ بِالنِّسْبَةِ لَها، فَأُوكْرانْيا أَهَمُّ لِأوروبّا مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الحَليفَةِ لِلْغَرْب، كَما قَدْ تُصْبِحُ ساحَةُ الصِّراعِ مَعَ الصّينِ في المُحيطِ الهادِئِ أَوْلى لِواشِنْطُن مِنَ الشَّرْقِ الأَوْسَط. بَلْ إِنَّ بَعْضَ الدُّوَلِ الغَرْبِيَّةِ يُمْكِنُ أَنْ تُلْغِيَ صَفَقاتِ أَسْلِحَةٍ في اللَّحَظاتِ الأَخيرَةِ لِدَواعٍ أَمْنِيَّةٍ واهِيَةٍ مِثْلَما فَعَلَتِ النُّرْويجُ مُؤَخَّرًا مَعَ ماليزْيا الحَليفِ التَّقْليدِيِّ لِلْغَرْبِ في مِنْطَقَةِ جَنوبِ شَرْقِ آسْيا حينَ فَسَخَتْ صَفْقَةَ صَواريخَ مُضادَّةٍ لِلسُّفُنِ قُبَيْلَ مَوْعِدِ الاسْتِحْقاقِ بِفَتْرَةٍ وَجيزَةٍ تارِكَةً لِكْوالالَمْبورَ ثُغْرَةً دِفاعِيَّةً كانَ يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ خَطيرَةً لَوْ أَنَّ البِلادَ كانَتْ في حالَةِ حَرْب.

ولَقَدْ قَطَعَتْ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ عِدَّةٌ شَوْطًا لافِتًا بِاتِّجاهِ تَوْطينِ الصِّناعاتِ العَسْكَرِيَّةِ خِلالَ السَّنَواتِ الماضِيَة، في مُقَدِّمَتِها مِصْرُ والإِماراتُ والسُّعودِيَّة والجَزائِرُ والمَغْرِبُ والأُرْدُن.

ومِنْ حُسْنِ الطّالِعِ بِالنِّسْبَةِ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة، بُروزُ مُصَنِّعينَ جُدُدٍ لِلأَسْلِحَةِ مِثْلَ الصّينِ والكورِيَّتَيْنِ الجَنوبِيَّةِ والشَّمالِيَّةِ وتُرْكيا والهِنْدِ وباكِسْتانَ والبَرازيلِ وجَنوبِ أَفْريقْيا وهُمْ أَقَلُّ حَساسِيَّةً في نَقْلِ التِّكْنولوجْيا العَسْكَرِيَّة، بَلْ إِنَّ الكَثيرَ مِنْ أَسْلِحَتِهِمْ أَرْخَصُ مِنَ الأَسْلِحَةِ الغَرْبِيَّةِ والرّوسِيَّةِ ولا تَقِلُّ عَنْها تِقْنِيَّةً، كَما أَنَّهُمْ غالِبًا أَدَقُّ الْتِزامًا بِمَواعيدِ التَّسْليمِ وأَكْثَرُ سُرْعَةً وقُدْرَةً على إِنْتاجِ كَمِّيّاتٍ كَبيرَة، خاصَّةً الصّينُ وكورْيا.

التكامل العربي مُفيد لكلّ الأطراف ويتطلّب قرارًا سياسيًا جماعيًا

ولَقَدْ بَدَأَتِ العَديدُ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ التَّعاوُنَ مَعَ بَعْضِ هَذِهِ الدُّوَل، وَلَكِنْ يَحْتاجُ الأَمْرُ إلى المَزيدِ مِنَ التَّوَسُّعِ في هَذا التَّوَجُّهِ مَعَ تَعْزيزِ دَوْرِ القِطاعِ الخاصِّ والشَّرِكاتِ النّاشِئَة، مَعَ اتِّخاذِ الإِجْراءاتِ الأَمْنِيَّةِ الاحْتِرازِيَّةِ الواجِبَة، والاهْتِمامِ بِشَكْلٍ خاصٍّ بِدَوْرِ البَحْثِ العِلْمِيِّ الَّذي تُشيرُ التَّجارِبُ التّاريخِيَّةُ إلى أَنَّ له دَوْرًا مِحْوَرِيًّا في تَطَوُّرِ الصِّناعاتِ الدِّفاعِيَّة، كَما تُسْهِمُ الأَخيرَةُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ في دَفْعِ العِلْمِ قُدُمًا بِما يَنْعَكِسُ إيجابًا على القِطاعاتِ الاقْتِصادِيَّةِ كافَّة.

ويَجِبُ الانْتِباهُ إلى أَنَّ التَّكامُلَ العَرَبِيَّ في هَذا المَجالِ مُفيدٌ لِكُلِّ الأَطْرافِ لِأَنَّهُ لا يَعْني فَقَطْ تَبادُلَ الخِبْراتِ والقُدُرات، ولَكِنْ أَيْضًا تَقْليلَ نَفَقاتِ البَحْثِ العِلْمِيِّ وتَوْفيرَ اسْتِثْماراتٍ وأَسْواقٍ أَكْبَرَ مِمّا يَزيدُ الفاعِلِيَّةَ ويُقَلِّلُ التَّكاليفَ وهُوَ أَمْرٌ انتَبَهَتْ لَهُ الدُّوَلُ الأوروبِّيَّةُ وبَدَأَتْ تَتَوَسَّعُ في البَرامِجِ العَسْكَرِيَّةِ الجَماعِيَّةِ لِمُواجَهَةِ الإِنْتاجِ الكَمِّيِّ الهائِلِ لِروسْيا والصّينِ والوِلاياتِ المُتَّحِدَة. ولِتَحْقيقِ ذَلِكَ عَرَبِيًّا، فَهَذا يَتَطَلَّبُ قَرارًا سِياسِيًّا جَماعِيًّا (وَلَوْ مِنْ بِضْعِ دُوَلٍ عَرَبِيَّة)، مَعَ مُراعاةِ الأَبْعادِ المَوْضوعِيَّةِ التِّقْنِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ لِجَعْلِ التَّكامُلِ العَرَبِيِّ يَقومُ على أُسُسٍ مَنْطِقِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِقُدُراتِ كُلِّ دَوْلَةٍ لا على شِعاراتٍ ومُحاصَصاتٍ غَيْرِ فَعّالَة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن