صحافة

"تضامن" إسرائيلي - إيراني لإفشال مفاوضات لبنان

عبدالوهاب بدرخان

المشاركة

 حينما تنطلق المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية مدى يومين هذا الأسبوع، يكون الرئيس الأميركي في زيارته المؤجلة والمرتقبة للصين. قد لا تكون هناك علاقة مباشرة بين الحدثين، لكن محادثات دونالد ترامب مع شي جينبينغ ستتطرق حكماً إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أما الحرب المتفرّعة منها والتي باتت تهدّد الكيان اللبناني فتبقى خارج الموضوع.

ومع أن بكين ابتعدت عن الواجهة وبقيت ردود أفعالها عاديّة، إلا أنها وموسكو بذلتا ما تستطيعان لإبقاء إيران قادرة على مشاغلة الولايات المتحدة، ولمنع انهيار نظامها. وقبل أن تشجّع بكين طهران على إبداء "المرونة" لإنجاح المفاوضات في إسلام أباد، كانت سجّلت نتيجتين يمكن استغلالهما: أن الحرب أضعفت إيران، وأن واشنطن لم تحقق أهدافها؛ لكن الصين كانت ولا تزال متضرّرة من إغلاق مضيق هرمز ومتوجّسة من الأزمة الناشبة حول مَن يسيطر عليه.

الحرب وتطوراتها ليست أولوية ترامب في بكين بل مسائل تجارية عالقة، فهو لا يبحث عن حلول تشاركية على قاعدة تقاسم نفوذ أميركي - صيني، ولم يسبق أن لمّح إلى ذلك، رغم أن المصالح التي يتطلّع إليها في إيران (بعد الحرب) قد تتقاطع أو تتعارض مع مصالح سبق للصين أن حققتها في إيران. مع ذلك، يحتاج ترامب إلى بكين في بحثه عن مخارج من الحرب الراهنة، وربما يجد لديها استعداداً للتعاون، إذا عُرض عليها الثمن المناسب. هنا لم يتردّد محلّلون في الإشارة إلى إمكان تخلّي ترامب عن تايوان، على ما في ذلك من تسرّع وتبسيط. لكن بكين لا تملك ولا تريد الضغط على إيران لدفعها إلى "استسلام" ثبت أن واشنطن تشترطه - وأعاد محمد باقر قاليباف تأكيده - وهو ما أدّى إلى تعثّر المفاوضات، حتى بعد الإعلان أخيراً أن طرفيها اقتربا من التوصّل إلى اتفاق.

رغم وجود رهانات بأن المذكرة من صفحة واحدة "لإنهاء الحرب" ستحظى بالموافقة في إسلام أباد، قبيل وصول ترامب إلى الصين، إلا أن صعوبات كثيرة قد تؤخّرها أو تحول دونها. فأجواء التفاؤل التي أشيعت، مع التسريبات التي رافقتها، أرادت الإيحاء أن الجانب الأميركي خفّف من شروطه الأساسية، سواء بالنسبة إلى البرنامج النووي أو إلى البرنامج الصاروخي (الذي يبدو أنه أُخرج من أجندة التفاوض) أو إلى ملف مضيق هرمز، إلا أن تأخّر الجانب الإيراني في الردّ وتجاوزه مهلة الـ 48 ساعة واحتمال تقدمه بمقترح جديد، أظهرت أن طهران حارت ودارت وناورت ثم وجدت نفسها مجدداً إزاء "الشروط" ذاتها، بل ربما أكثر شدّة بسبب الحصار على موانئها.

كلما تعثّر التفاوض وابتعد "شبح إنهاء الحرب" شعرت إسرائيل أن الفرص المتاحة لها لا تزال مفتوحة، فتبقى متأهبة رهن إشارة أميركية لاستئناف الحرب على إيران، وتواصل تهشيم "اتفاق غزّة" بين أيدي الوسطاء والضامنين، والأهم أنها تراكم مزيداً من العقبات أمام المفاوضات مع لبنان واحتمالات التوصّل إلى اتفاق معه. في المقابل، تتوافق الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران موضوعياً وضمنياً على أن ملف "الأذرع الإيرانية" مطروح دائماً لكنه لم يعد بين أولويات الحرب وإنهائها، إذ تتولّى واشنطن متابعته عن كثب في العراق وأدخلت "نزع سلاح الميليشيات" في صلب تشكيل الحكومة الجديدة، كما تتشارك وإسرائيل تبنّيه في إدارة كارثة غزّة، فيما تعتبره شرطاً أساسياً لوقف الحرب في لبنان.

إنها مفاوضات "مُكرهٌ أخاك لا بطلٌ" تلك التي يُقبل عليها لبنان- الدولة. والمُكره يحاول أن ينقذ البلاد والعباد، أما "البطل" أو من يعتقد نفسه بطلاً فيتباهى بـ"مقاومة الاحتلال" لكنه يستدرج مزيداً من الاحتلال ويضحّي بالبلاد والعباد. في حال أقصى "توافق" يمكن افتراضه مع أميركا لن تتنازل إيران عن شيء أو تضحي بشيء لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، وفي أفضل أحوالهما لا يستطيع "حزب إيران" ولا "المقاومة" تحرير الأرض اللبنانية. ربما ينطوي التفاوض على أمل ولو هشّ بإمكان استعادتها، لكن "بأي ثمن"؟ سيُعامَل لبنان- الدولة على أنه مهزوم في حرب لم يُرِدها ولم يخضها، لذا سيكون مُطالَباً بـ"اتفاق سلام" ولو على حساب سلامه الداخلي.

تكمن المفارقة في أن أعداء الخارج والداخل الذين عملوا على إضعاف الدولة هم الذين يعيّرونها اليوم بأنها ذاهبة إلى مفاوضات "مهينة" و"استسلامية"، وهم الذين سيعملون على إفشال المفاوضات. لذا يمضي المفاوض اللبناني إلى مهمته من دون أوهام، فأميركا تريد فصل لبنان عن إيران وهذا ما تريده الدولة واللبنانيون. لكن أميركا تدعم الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، بما فيه من تهجير للناس وتدمير للعمران وتجريف للأرض والمعالم، وتحاول تقديمه على أنه تعزيزٌ للبنان- الدولة، فإذا به يعيد لبنان إلى أجواء التوتر الطائفي، إلى ما قبل عام 2000، أي أنه يحقّق عملياً طموحات إيران و"حزبها". 

(الوطن السعودية)

يتم التصفح الآن