لم تعُد هذه التحوّلات مقتصرة على تغييرات شكليّة مثل توصية الخوارزميات أو هندسة الواجهات، بل امتدّت لتُعيد تشكيل ثقافة الأجيال الرقميّة وقِيمها وأذواقها من جهةٍ، وعلاقتها بمالكي المنصّات وبالعلامات التجاريّة من جهةٍ أخرى، بحيث تتّجه هذه المنصّات نحو خَصْخَصَةٍ كاملةٍ لا تسمح بمنشور أو تفاعل أو تعليق ما لم يكن وراءه بيع وشراء.
ويبرز في هذا السياق عددٌ من الاتجاهات التي تعكس اختلاف الأذواق والميول بين الأجيال نسبةً إلى طرق استجابتهم لمتطلّبات البيئات الرقميّة والخبرات التاريخيّة التي راكموها على امتداد مسار حياتهم، سواء تعلّق الأمر بالمولودين رقميًّا (جيل "زد" وجيل "ألفا") أو المهاجرين رقميًّا (جيل "إكس" وجيل الألفيّة).
الاتجاه الجمالي المُريح أصبح يكتسب زخمًا متزايدًا
فمن جهةٍ يميل جيل "ألفا" (من مواليد 2010-2020) إلى ثقافة الفوضى كمعيارٍ جديدٍ لصناعة المحتوى وأساليب تلقّيه والتفاعل معه، حيث تتراجع الأنماط المُنظّمة والمُتقنة لصالح محتوى عفوي وغير مُقيّد بقواعد تقليديّة، أمّا جيل "زد" (من مواليد 1997 - 2012) وجيل الألفية (من مواليد 1981 - 1996)، فقد أظهر التقرير نزوعهما نحو التّركيز على التوازن ما بين متطلّبات الحياة الخاصة والمهنية، بوصف هذا التوازن ركيزة أساسيّة في المحتوى الذي ينتجونه ويتفاعلون معه، ما يعكس أولويّات هذين الجيلين المهنية والشخصية نحو حياة أكثر هدوءًا والتزامًا.
كما أظهر التقرير ميل جيل "إكس" (من مواليد 1965 - 1980) إلى إحياء الأغاني وأشكال الموضة التي خلقتها سنوات السبعينيّات والثمانينيّات وإعادة نشرها على المنصّات بأساليب رقميّة حديثة، وأحيانًا باعتماد المحتوى المُوَلّد بالذكاء الاصطناعي، ويُعتبر هذا الجيل الأعلى إنفاقًا على المنصّات الرقمية بفضل المراكز المتقدّمة التي وصل إليها عبْر الترقّي الوظيفي والخبرات المهنيّة التي راكمها.
تتزايد حوكمة الخوارزميات وخوادم الذكاء الاصطناعي في ضبط تفضيلات الأجيال الرقمية وأذواقها
أمّا من خلال الإطار العام لتفاعل الأجيال المختلفة على مختلف المنصّات، فقد هيمن نمطٌ من الاتجاه الجمالي المُريح والذي أصبح يكتسب زخمًا متزايدًا، إذ يميل أغلب المستخدمين إلى نمط من الجماليّات "الإيروسيّة" ــ نسبة إلى الإله الإغريقي إيروس، إله الحب والانجذاب ــ كأسلوبٍ للحياة، وقد استخدم سابقًا ميشال مافيزولي (Michel Maffesoli) "مفهوم الأسلوب" للحديث عن الميل إلى "تجميل الحياة المُمَيّز لفرد ما بعد الحداثة، أو الفرد الذي يحتفي بذاته وبصورته، وبالحياة والعالم، وبكلّ ما فيه، حيث يقع التركيز على مفاهيم السحر والجاذبية والرؤية والظهور"، ما يعكس ميلَ الأجيال نحو التفاؤل الوجودي والمادي، والبحث عن نمط حياة "مريحة وهادئة"، في تراجعٍ واضحٍ عن أنماط المحتوى ذات الإيقاع السريع، والمفرط في التحفيز.
ويُستكمل إطار هذا المشهد حول تواصل الأجيال على المنصّات، عند ملامح الفنون البصريّة الرقميّة والتي عرفت تحوّلات جذريّة، حيث أبدت الأجيال الرقميّة ميلًا أكثر نحو متابعة المسلسلات والمقاطع المُصمّمة خصيصًا للمِنصّات الاجتماعيّة، إلى جانب مقاطع الدراما القصيرة.
يستقطب المحتوى الأصيل والذاتي الذي يصنعه الإنسان الثقة الأكبر لدى الأجيال المختلفة
وإلى جانب التحوّلات الثقافيّة والفنيّة، تَظهر تحوّلات تكنولوجيّة وتقنيّة دقيقة، تتزايد فيها حوكمة الخوارزميّات وخوادم الذكاء الاصطناعي في ضبط تفضيلات الأجيال الرقميّة وأذواقها على المنصّات، وتتّسم هذه المرحلة أيضًا بتزايد تعقيد الأنظمة الخوارزميّة التي تتحكّم في توزيع المحتوى وإظهاره، وهو ما يُعبّر عنه اتجاه السلوك العام القائم على الاستجابة السريعة، ويقترن هذا التطوّر باتجاه التحليلات، حيث تدفع تحليلات الأنماط الإبداعيّة المُصمّمين والفنيّين والعلامات التجاريّة إلى تبنّي منهجيّة التجريب السريع في إنتاج المحتوى، مع ما يُحدثه ذلك من اضطرابٍ في أساليب النشر التقليديّة بفِعل الحاجة إلى مواكبة عامل السرعة والآنيّة.
في المقابل، يفرض اتجاه الأصالة في العام 2026 نفسه بقوة، إذ يستقطب المحتوى الأصيل والذّاتي الذي يصنعه الإنسان وليس الذكاء الاصطناعي الثقة الأكبر لدى الأجيال المختلفة، الأمر الذي أصبح يدفع العلامات التجاريّة والشركات إلى تبنّي أسلوب المؤثرين والمبدعين الأفراد في طريقة التواصل مع الجمهور، بغرض استقطابهم وجذب انتباههم، على الرغم من تزايد استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتوزيعه، وما يُثيره ذلك من تساؤلات حول الثقة والشفافيّة.
مشهد رقمي متسارع ومتحوّل تتقاطع فيه الأبعاد الثقافية والتقنية والتجارية بصورة متزايدة التعقيد
وبالموازاة مع ذلك، احتلت منصّات التواصل الاجتماعي في العام 2026، المصدر الأساسي لجمع البيانات حول المستخدمين وتفضيلاتهم وسلوكهم الاستهلاكي، وهو ما يُجسّده اتجاه الذكاء الاجتماعي الذي يُحوّل هذه المنصّات إلى محرّكٍ رئيسيٍ للبيانات والأبحاث. وفي الوقت عينه، أثار تقرير "هوت سويت" مخاوف حقيقيّة بخصوص الصلات الاجتماعيّة، وأشكال الحضور والظهور على المنصّات لدى مختلف الأجيال، إذ أظهر المستخدمون ميلًا متزايدًا نحو التفتّت والتشذّر (من الشذرات) في تقديم هويتهم الرقميّة، والميل أكثر نحو العمى والمجهوليّة الرقميّة، وهو ما تُجسّده هجرة الكثير منهم نحو المنصّات اللّامركزيّة وتلك التي لا تسمح بأرشفة خوادمها على محرّكات البحث.
تكشف هذه الاتجاهات مجتمعةً عن مشهد رقمي متسارع ومتحوّل، تتقاطع فيه الأبعاد الثقافيّة والتقنيّة والتجاريّة بصورةٍ متزايدة التعقيد، ويبدو واضحًا أنّ نجاح الأجيال الرقميّة وأصحاب العلامات التجاريّة ومالكي المنصّات على حدٍّ سواء في المستقبل، سيرتهن بقدرتهم على الموازنة بين الأصالة الإنسانيّة من جهة، والاستفادة الذكيّة من الأدوات التقنيّة المتطوّرة من جهة أخرى، مع مراعاة التنوّع المتزايد في تفضيلات الأجيال المختلفة وأنماط استهلاكها للمحتوى.
(خاص عروبة 22)

