الأمن القومي العربي

"اتفاقية مكة": غابت مصر أم غُيّبت؟

على الرغم من أنّ صانع القرار في مصر التزم الصّمت حيال "اتفاقيّة مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية، لكنّ القاهرة هي الحاضر الغائب فيها وسط جدل محتدم حول فكرة استدعاء مصر لاحقًا للانضمام إلى الدول الثلاث ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اختار التغيّب عمدًا أو أنّه تمّ تغييب بلاده.

الاتفاقية تضمّنت بندًا صريحًا للدفاع الجماعي، ينصّ على أنّ "أي هجوم مسلّح على إحدى الدول الأعضاء يُعدّ هجومًا على الجميع"، وهو ما يماثل المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، وبذلك فإنّ "اتفاقية مكة" تؤسّس على نحو مفاجئ لإطار دفاعي ثلاثي يجمع بين الثقل الاقتصادي والروحي للسعودية، والقدرة الصناعية والتكنولوجية العسكرية لتركيا، والردع الاستراتيجي والخبرة العسكرية لباكستان.

وعلى الرغم من أنّ مصر كانت حاضرةً في الآليّة الرباعية التشاورية التي ضمّتها مع هذه الدول، وشاركت في اجتماعات عدة آخرها في عمان، لكنها لم تنتقل إلى الالتزام الدفاعي الثلاثي.

من الاجتماع الرباعي في عمّان


وسعى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ثم رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، إلى التأكيد على أنّ الأبواب مفتوحة لمَن أراد الانضمام إلى التوقيع على اتفاقيّة مكة، وسط تأكيدات على أنها لا تستهدف تشكيل تحالف سنّي ضدّ إيران ولا تستهدفها.

مغازلة فيدان لمصر لم تؤتِ ثمارها، على الرغم من اتصاله الهاتفي بنظيره المصري بدر عبد العاطي، حيث خلا بيان الخارجية المصرية من أي إشارة أو تلميح إلى "اتفاقيّة مكة"، واقتصر على الإشارة إلى "تبادل الرؤى بشأن الترتيبات الأمنية الإقليميّة بما من شأنه تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة"، ومن دون التطرّق بالاسم أو التفصيل إلى الاتفاقية الثلاثية أو أطرها التنفيذية.

وهكذا فقد فضّلت مصر التريّث والتفكير في الرهان التركي على انضمامها لتحويل الاتفاقية من إطارها الثلاثي إلى  نواة لترتيب أمني إقليمي أوسع.

يرى بعض الخبراء أنّ عدم مشاركة مصر كان "متعمّدًا" نتيجة حسابات سياسية وديبلوماسية مرتبطة بطبيعة الدور الذي تلعبه القاهرة في الإقليم، حيث تفضّل الحفاظ على مساحةٍ من الحركة والتوازن بين مختلف الأطراف، بدل الانضمام إلى محاور عسكرية قد تحدّ من قدرتها على الوساطة.

لكن هذا المنطق يصطدم بحقيقة أنّ تركيا وباكستان هما أيضًا من الدول المعنيّة بقوّة بوقف الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وتداعياتها السلبيّة والاستراتيجيّة على وضعهما الإقليمي وأمن واقتصاد كل منهما، بالإضافة إلى وضع دول الخليج العربي.

نشأت الاتفاقية بالأساس من اتفاق سعودي – باكستاني عام 2025 ثم توسّعت لتشمل تركيا في ظلّ التوترات الأميركية - الإيرانية وهجمات الحوثيين وتأثيرها في البحر الأحمر وقناة السويس.

لكن الاتفاقية مع ذلك استدعت تركيا وباكستان بشكل فاعل في المنطقة العربية وعلى نحو غير مسبوق تاريخيًّا مع ما يعنيه دخول أطراف إقليمية ودولية من خارج الإطار العربي المباشر (تركيا وباكستان) في إعادة تعريف مركزية القوى العسكرية التقليدية أو بالأحرى إعادة توزيع الأدوار الجيوسياسية في المنطقة.

لهذا تختلف اتفاقيّة مكة عن معاهدة الدفاع العربي المشترك (عام 1950) من حيث طبيعة الالتزام القانوني والجاهزية التنفيذيّة؛ إذ تؤسّس اتفاقيّة مكة لتحالف ثلاثي عابر للإقليم يربط الخليج العربي بجنوب آسيا وحوض المتوسّط، اعتمادًا على صياغة دفاعيّة صلبة، ومستندةً إلى التنسيق السريع والتكامل بين الردع النووي الباكستاني، والتصنيع العسكري التركي، والثقل المالي والاستراتيجي السعودي.

في المقابل، تُعدّ "معاهدة 1950" إطارًا إقليميًّا محصورًا في منظومة جامعة الدول العربية، وتتطلّب تفعيلًا عبر "مجلس الدفاع الأعلى" وتوافقًا سياسيًّا جماعيًّا جعل تطبيق آليّاتها الميدانية عرضةً للتجاذبات السياسية وحالة الشلل الإداري على مدار عقود.

وسبق للرئيس المصري الإشارة في مناسبات عدّة إلى أهمية تفعيل مبادئ اتفاقية الدفاع العربي المشترك وحماية الأمن القومي العربي في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية الراهنة، حيث دعا السيسي مرارًا إلى بناء وتطوير قوة عربية مشتركة قادرة على ردع أي تهديدات وجودية أو أخطار محيطة بالدول العربية.

وعلى الرغم من التأكيدات الرسمية الدائمة لمصر على جاهزيتها لحماية أمنها القومي وأمن الأشقاء العرب استنادًا إلى المواثيق العربية المشتركة فَإِنّه لم يتم إلى الآن تفعيل "معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي" المُبرمة عام 1950 في الإسكندرية وتحمل توقيع مصر وسوريا والعراق والسعودية والأردن ولبنان واليمن، وتنصّ على تأسيس مجلس دفاع مشترك، ووجوب التعاون بين الدول العربية من أجل مواجهة أي تهديد خارجي.

ولي العهد السعودي يتوسّط الرئيس التركي ورئيس الوزراء الباكستاني إثر توقيع "اتفاقية مكة"


وبين منطق مَن يرفضون فكرة استدعاء مصر إلى "اتفاقية مكة" أو ضمّها كملحق، والحديث التركي عن إجراءات فنّية يتعيّن معالجتها قبل حدوث هذه الخطوة، فإنّ مصر لم ترسل أي إشارات إيجابية أو سلبية ضدها.

عبر الدفاع الجماعي قد تجد القاهرة نفسها أمام التزامات عسكرية في ملفّات إقليمية ساخنة أو تخوض حروبًا لغيرها ولا تمسّ أمنها القومي، بينما تفضّل عقيدتها بالخصوص الشراكات الأمنية المرنة والترتيبات الثنائية أو متعدّدة الأطراف غير الملزمة بنداءات الردع الفوري، لحفظ حرية القرار العسكري والسياسي!.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن