نشأت الجمهورية الإسلاميّة عام 1979 كمشروع ثوري بتصور إيديولوجي للمجتمع والمنطقة والعالم، ولقد ساعدت الحرب العراقية - الإيرانية على الرغم من مآسيها في ترسيخ مؤسّسات الثورة وتحويل الحرس الثوري من ميليشيا صغيرة إلى مؤسّسة متشعّبة في الدولة، وغرست مفاهيم "المقاومة" و"الشهادة" و"الصراع مع الاستكبار" في بنية شرعية النظام نفسه، وهي مفاهيم تجاورت فيها الأفكار المُنبثقة من الحركات الأصولية السنّية والتيّارات اليسارية مع الإرث الشّيعي، وتأثّرت كذلك بالقوميّة العربية وإنْ طرح النظام نفسه كبديل لها.
العقوبات أضعفت الاقتصاد الإيراني لكنّها لا تفسّر وحدها أزماته
واليوم مجدّدًا تؤدّي الحرب وظيفةً سياسيةً داخليةً؛ حيث يلتفّ الجميع حول العلم، ويتقدّم الأمن على الاقتصاد، والتصدّي للعدو على مُساءلة الحكومة عن التضخّم والكهرباء، ولقد ركّز الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على سردية "مقاومة الأربعين يومًا"، في مؤشّر إلى تحوّل الحرب إلى مصدر لإعادة إنتاج الشرعية وربطها بصمود المواطنين والإرث الشيعي، حتى لدى الجناح الأكثر براغماتيةً في النظام.
وهناك عنصر لا ينبغي تضخيمه ولا تجاهله، وهو "الحرب من منظور المهدوية السياسية" التي أطلق مسؤولون تصريحات تمجّدها، ويظهر خلاف بشأنها عبر تصريح للرئيس الإصلاحي الأسبق حسن روحاني ينتقد ما وصفه بأقلّية تقول إنّه "إذا اشتدت هذه الحرب وامتدّت، فسيظهر إمام الزمان عاجلًا!". وأضاف: "هناك مَن يبحثون عن مصالحهم، وهم أنفسهم رجال العقوبات. وقد يُسعدهم استمرار الحرب والفوضى. وهناك أيضًا مَن يعتقدون أنه ينبغي لنا السيطرة على العالم وقيادة الجميع".
تُضاف إلى ذلك معضلة الاقتصاد، فالعقوبات أضعفت بلا شكّ الاقتصاد الإيراني، لكنّها لا تفسّر وحدها أزماته. فإيران الخامسة عالميًّا في حجم الموارد الطبيعية بقيمة 27 تريليون دولار، قبل الصين، حسب موقع "Statista"، وبالمقارنة مع روسيا التي جاءت الأولى، فإنّ أداء طهران أسوأ حيث يبلغ متوسّط الدخل السنوي في روسيا نحو ثلاث مرات ونصف ضعف دخل إيران، على الرغم من أن احتياطيّاتها النفطية أكثر من ضعف احتياطيّات روسيا وتُقاربها بالغاز، ونسبة احتياطيّات النفط والغاز الإيرانية لعدد السكان أعلى من روسيا.
تعدُّد مراكز السلطة والتوزيع غير المتسق لمسؤولياتها وصلاحيّاتها يجعل الإصلاح الاقتصادي صعبًا
وعلى الرغم من أنّ العقوبات الغربية على إيران أقدم من العقوبات على روسيا، كما أن الأخيرة أغنى بموارد أخرى إضافةً إلى قدراتها البشرية والتكنولوجية، لكنّ تكيّف موسكو مع العقوبات وتطويرها لقطاع الطاقة مقارنةً بطهران يكشف أن المشكلة ليست في العقوبات فقط، بل بإدارة النظام الإيراني وإيديولوجيته التي لا تعطي الأولوية للكفاءة الاقتصادية.
فلقد ذكر "صندوق النقد" أنّ الشركات الحكومية الإيرانية الخاضعة للصدمات فقدت إنتاجية وربحية أكثر من الشركات الخاصة، لأنّها استمرّت في حماية العمالة والأجور، إضافةً إلى دعم الطاقة بصورة تشجّع الهدر، ولا تستطيع الحكومات سواء كانت إصلاحية أو محافظة، في ظلّ المزايدات بين الطرفيْن، والاحتجاجات المتكرّرة، ترشيد الدعم بصورة فعّالة بعدما خلق شبكات مصالح مركّبة، واعتاد عليه الناس، ويمثّل الحصار وبالأكثر الحرب حجّةً لتبرير هذه الإخفاقات.
الاقتصاد الإيراني ليس اقتصاد سوق مفتوحًا ولا مركزيًّا ذا قيادة موحدة. إنّه شبكة من الوزارات والشركات العامة والمؤسّسات الدينية والكيانات شبه الحكومية والحرس الثوري والقطاع الخاص ومراكز نفوذ ومصالح جماهيرية وخاصّة متنافسة.
كما أن تعدّد مراكز السلطة والتوزيع غير المتسق لمسؤولياتها وصلاحيّاتها يجعل الإصلاح الاقتصادي صعبًا، ويحتاج إلى إعادة ترتيب السلطة، وهو أمر لا يهدّد النظام فقط بل قد يهدّد الدولة إذا جرت محاولة فاشلة لتفكيك ذلك قسرًا أو طوعًا على غرار الاتحاد السوفياتي السابق، بينما لا يبدو أنّ هناك في إيران مَن يريد أو يستطيع أن يقوم بإصلاحات اقتصادية كبيرة مع تشدّد سياسي مثلما حدث في الصين في ظلّ طبيعة النظام شبه المنفتحة سياسيًّا والتي تجعل التغيير الجذري قد يُجابه بمعارضة الطبقة السياسية التي ما زال لها صوت على الرغم من تضاؤله.
انتهاء الحرب لن يوقف غضبة المواطنين
ويقع الإصلاحيّون والمحافظون في تبسيطيْن مخلّيْن متعاكسيْن، فالثوري يفسّر الألم الاقتصادي باعتباره ثمن "الاستقلال والمقاومة"، بينما يرجعه الإصلاحي إلى العقوبات. ويفترض الإصلاحيّون أن رفع العقوبات سيحلّ مشاكل البلاد، وبالتأكيد سيكون له أثر إيجابي، لكنّه لن يكون فعّالًا من دون معالجة الدعم المشوّه، وتنازع مراكز السلطة، وعدم كفاءة الشركات العامة، وضعف المنافسة والرأسمالية الوطنية والانضباط المالي.
أرجأت الحرب إجابة السؤال الاقتصادي، لكنّها لم تقدّم حلًّا نهائيًّا له، كما أنّها فاقمت الأزمة الاقتصادية، وانتهاؤها بوضع تبدو فيه إيران منتصرةً لن يوقف (بعد زوال سكرة النّصر المفترض) غضبة المواطنين من الاقتصاد الذي ازداد تدهورًا.
ولذا يراهن فصيل من المتشدّدين على أنّ المواجهة الطويلة قد تقوّي النظام مثلما فعلت الحرب العراقية - الإيرانية، ولكن هذا سيجعل الإصلاحيْن الاقتصادي والسياسي أصعب.
الأزمة الاقتصادية مُعرّضة للانفجار عاجلًا أم آجلًا ما لم تصبح إيران دولة طبيعية
وبالنسبة لأطياف من النظام، قد تكون مواجهة منخفضة الكثافة، أجدى سياسيًّا من السلام الكامل وأقلّ كلفة من الحرب الشاملة، وتظهر مؤشرات على ذلك في تجنّب إيران مؤخرًا قصف إسرائيل على الرغم من أنها باتت تستضيف الجزء الأكبر من الجهد العسكري الأميركي.
الحلّ الآخر قد يكون مناوشات محدودة ضدّ بعض الدول العربية الآسيوية، فتتوقّف الحرب مع واشنطن وتتحقّق مكاسب إقليمية مثل التحكّم بمضيق هرمز، مع مغازلة البعد القومي المتطرّف المعادي للعرب. وقد يُدفع ببديل هو نزاعات بين الحوثيين والميليشيات العراقية، وبين دول الخليج وسوريا والأردن، فيتعزّز النفوذ الإقليمي الإيراني بدماء عربية.
وبينما تمنح الصراعات المشروع الإيديولوجي ذريعةً للحشد؛ إلّا أنّها تضعف المؤسّسات المنتخبة وتعمّق الأزمة الاقتصادية المعرّضة للانفجار عاجلًا أم آجلًا، ما لم تصبح إيران دولةً طبيعية.. وإلى أن يجد الإيرانيّون الإجابة فإنّ المنطقة ستظل تفتقد الاستقرار!.
(خاص عروبة 22)

