يَعْتَقِدُ البَنْكُ الدَّوْلِيُّ أَنَّ إيرانَ تَتَكَبَّدُ أَكْبَرَ خَسارَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ مُنْذُ نَشْأَةِ "الجُمْهورِيَّةِ الإِسْلامية"، يُقَدِّرُها صُنْدوقُ النَّقْدِ الدَّوْلِيُّ بِنَحْوِ 10 في المِئَةِ مِنَ النّاتِجِ الإِجْمالِيّ، مَعَ تَوَقُّفِ تَصْديرِ ما قيمَتُهُ 500 مِليونَ دولارٍ مِنَ النَّفْطِ يَوْمِيًّا. وَلَنْ تَسْتَطيعَ طَهْرانُ تَجاوُزَ مِحْنَتِها المالِيَّةَ مِنْ دونِ مُوافَقَةٍ أَميرْكِيَّةٍ على رَفْعِ اليَدِ عَنْ بَعْضِ الأَرْصِدَةِ المُجَمَّدَة، وَتَخْفيفِ الحِصارِ الاقْتِصادِيِّ والتِّجارِيّ. وَهَذا ما يُفَسِّرُ التَّهْديدَ بِفَرْضِ "ضَريبَةِ المُرورِ" كَتَعْويضٍ عَنْ كُلْفَةِ إِعادَةِ الإِعْمار، وَكَوَرَقَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ ضِدَّ أَميرْكا والعالَمِ الحُرّ، بِما في ذَلِكَ الجيرانُ العَرَب، الذين تَضَرَّروا مِنْ تَهَوُّرِ "الحَرَسِ الثَّوْرِيّ"، والاعْتِداءاتِ على مَصادِرِ الطّاقَة، والمَوانِئِ والمُنْشَآتِ الحَيَوِيَّة، وهو ما شَكَّلَ ضَرْبَةً موجِعَةً لِلعَلاقاتِ الإيرانِيَّةِ - العَرَبِيَّة، سَتَحْتاجُ زَمَنًا طَويلًا لِتَرْميمِها.
وَبحسب صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيّ فإنَّ ثلاثَ دُوَلٍ مِنْ بَيْنِ ثَماني دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ مُصَدِّرَةٍ لِلطّاقَة، سَوْفَ تُسَجِّلُ تَراجُعًا كَبيرًا في النُّمُوِّ الاقْتِصادِيِّ بِنِهايَةِ عامِ 2026، وهي قَطَرُ والعِراقُ والكُوَيْت. وَخَسِرَتْ دُوَلُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَتُرْكِيا مُجْتَمِعَةً نَحْوَ ثُلُثِ عائِداتِ السِّياحَةِ والمَواصَلاتِ والفَنادِق، والتي تُقَدَّرُ بِنَحْوِ 600 مِليونَ دولارٍ يَوْمِيًّا. وَقَدْ تَزْدادُ أَزْمَةُ السِّياحَةِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ والخَليج، خِلالَ الصَّيْف، إِذا زَادَتْ أَسْعارُ وَقودِ الطّائِراتِ وَكُلْفَةُ الرِّحْلاتِ وَخدماتِ النَّقْلِ الجَوِّيّ. وَحالِيًّا يُصَنَّفُ الشَّرْقُ الأَوْسَطُ مِنْطَقَةَ خَطَرٍ على سُفُنِ الشَّحْنِ البَحْرِيّ، التي رَفَعَتْ مِنْ بَوالِصِ التَّأْمين، كَما تَراجَعَتِ الاسْتِثْماراتُ الأَجْنَبِيَّةُ المُباشِرَة، بِسَبَبِ عَدَمِ اليَقين، والآفاقِ السِّياسِيَّةِ الضَّبابِيَّة.
إيران تريد ضرب التعاون الخليجي والجامعة العربية وهو نوع من الانتقام التاريخي لهزيمة الفُرْس في معركة القادسية
ولا يَبْدو أَنَّ العالَمَ سَيَعودُ إلى وَضْعِ ما قَبْلَ الحَرْب، بَعْدَ أَنْ تَغَيَّرَتِ الحِسابات، والتَّحَالُفات، وَظَهَرَتْ أَوْلَوِيَّةُ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ القُطْرِيَّة، على حِسابِ "العَصَبِيَّةِ المَذْهَبِيَّة". وَتَبَيَّنَ أَنَّ إيرانَ تُريدُ إِخْراجَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ مِنَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، لِخَلْقِ نِظامٍ أَمْنِيٍّ إِقْلِيمِيٍّ على مَقاسِها العَقائِدِيِّ والسِّياسِيِّ والاقْتِصادِيّ، وَضَرْبِ مَنْظومَةِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ، والجامِعَةِ العَرَبِيَّة، وَخَلْقِ الفُرْقَةِ بَيْنَ دُوَلِها. وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الانْتِقامِ التَّاريخِيّ، لِهَزيمَةِ الفُرْسِ في مَعْرَكَةِ القادِسِيَّةِ في عَهْدِ الخَليفَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّاب.
وَتَشْعُرُ أَميرْكا بِأَنَّ هَيْبَتَها الدَّوْلِيَّةَ على المَحَكّ، وَبِأَنَّ مَشْروعَ نِظامِها العالَمِيِّ (الاقْتِصادِيِّ) الجَديدِ مُهَدَّدٌ بِتَمَرُّدِ قُوًى صاعِدَة، إِنْ هِيَ فَشِلَتْ في تَحْقيقِ وُعودِ الرَّئيس دونالد ترامب، بِانْبِثاقِ شَرْقِ أَوْسَطٍ جَديدٍ وَتَحْجيمِ دَوْرِ إيرانَ الإِقْليمِيّ، وَشَلِّ بَرامِجِها النَّوَوِيَّة، وَإِطْلاقِ مَشاريعِ إِعادَةِ الإِعْمار. وَيَبْدو أَنَّ نِصْفَ السَّنَةِ المُتَبَقِّيَة، قَبْلَ الانْتِخاباتِ النِّصْفيةِ الأَميرْكِيَّة، لَنْ تَكونَ كافِيَةً لِحَسْمِ النِّزالِ مَعَ طَهْران، عَقِبَ تَنامي تَشَدُّدِ "الحَرَسِ الثَّوْرِيّ" في المُفاوَضاتِ الباكِسْتانِيَّة، لِإِنْقاذِ ما تَبَقّى مِنْ نِظامٍ جَريحٍ صامِد، يَحْتاجُ لِـ"عَدُوٍّ خارِجِيٍّ" مِنْ أَجْلِ شَرْعِيَّةِ المُقاوَمَة.
لا يمكن لواشنطن ادعاء النصر من دون حسم مصير 11 طنًا من اليورانيوم المخصّب
وَتَرْغَبُ واشِنْطُن في تَحْييدِ المُتَشَدِّدين، والتَّعامُلِ مَعَ البْراغْماتِيّينَ في إيران، خاصَّةً وَزيرُ الخارِجِيَّةِ وَرَئيسُ البَرْلَمان، واسْتِنْساخِ تَجْرِبَةِ فِنِزْويلا في طَهْران. وَهَذا ما جَعَلَ الرَّئيسَ ترامب حَذِرًا في اسْتِهْدافِ مُنْشَآتِ الطّاقَةِ والكَهْرَباءِ والطُّرُقِ والبُنى التَّحْتِيَّةِ لِعَدَمِ إِثارَةِ المُعْتَدِلين.
فَعلى الرَّغْمِ مِنْ قُوَّتِها العَسْكَرِيَّةِ الهائِلَة، عَجِزَتِ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ عَنْ تَحْقيقِ الحَسْمِ المَيْدانِيّ، وَلَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ تَحْريرِ مَضيقِ هُرْمُز. وَتَعْكِسُ تَصْريحَاتُ ترامب المُتَضارِبَةُ حالَةً مِنَ القَلَقِ والتَّرَدُّد، على بُعْدِ نِصْفِ سَنَةٍ مِنِ انْتِخاباتٍ تَشْريعِيَّةٍ مَصيرِيَّة، لِما تَبَقّى مِنْ وِلايَتِه. وَحَتّى الآن، كُلُّ فَريقٍ بِإِمْكانِهِ ادِّعاءُ الانْتِصار، طالَما لَمْ يَتَحَقَّقِ الحَسْمُ الاسْتراتيجِيُّ بِالاسْتِسْلام، كَما وَقَعَ في حَرْبِ المُحيطِ الهادي ضِدَّ اليابان، خِلالَ الحَرْبِ العالَميةِ الثّانِيَة. لَكِنَّ العالَمَ لَنْ يَسْمَحَ ثانِيَةً بِاسْتِخْدامِ السِّلاحِ النَّوَوِيّ، في أَيِّ حَرْبٍ جَديدَة. لِذَلِك، لا يُمْكِنُ لِواشِنْطُن ادِّعاءُ النَّصْر، مِنْ دونِ حَسْمِ مَصيرِ 11 طُنًّا مِنَ اليورانْيومِ المُخَصَّبِ بِنِسَبٍ مُخْتَلِفَة، وِفْقَ مُنَظَّمَةِ الطاقَةِ العالَمِيَّة.
إِنهاء دور الأذرع الخارجية الإيرانية استراتيجية أميركية لقصم ظهر "ولاية الفقيه" بأقلّ عنف
وَتُدْرِكُ إيرانُ أَنَّها مُعْزولَةٌ إِقْليمِيًّا، كَنِظامٍ مارِق، داعِمٍ لِلإِرْهاب، بِمَرْجِعِيَّةٍ لا تَتَوافَقُ مَعَ العالَمِ الجَديد، القائِمِ على الانْفِتاح، والعَوْلَمَة، والتَّعايُش. إيرانُ تُريدُ صُنْعَ قُنْبُلَةٍ نَوَوِيَّةٍ، وَتَطْويرَ الصَّواريخِ الباليسْتِيَّة، مِنْ أَجْلِ الهَيْمَنَةِ الإِقْليمِيَّة، وَتَهْديدِ دُوَلِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، وَجَميعِ حُلَفاءِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وُصولًا إلى شَمالِ أَفْريقْيا، وَأوروبّا الغَرْبِيَّة. كَما تُريدُ طَهْرانُ الاسْتِمْرارَ في تَهْديدِ المِلاحَةِ الدَّوْلِيَّةِ والقِيامَ بِأَعْمالِ القَرْصَنَة، ضِدَّ القانونِ الدَّوْلِيِّ لِلبِحارِ لِعامِ 1982.
كَذَلِكَ، تُراهِنُ إِدارَةُ ترامب حَالِيًّا، على مُحاوَلَةِ إِنْهاءِ دَوْرِ الأَذْرُعِ الخارِجِيَّةِ الإيرانِيَّةِ في المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، بِتَحْييدِ "حِزْبِ اللَّهِ" في لُبْنان، وَدَمْجِ "الحوثِيّينَ" في مَشْروعِ إِعادَةِ بِناءِ اليَمَنِ الجَديد، وَجَمْعِ سِلاحِ الميليشْياتِ في يَدِ الحُكومَةِ العِراقِيَّة، وَإِنْهاءِ نِزاعِ المَغْرِبِ العَرَبِيِّ في الصَّحْراء، بِتَفْكيكِ مُخَيَّماتِ "بوليسارْيو"، في تِنْدوفَ (جَنوبِ الجَزائِر)، وَتَسْليمِ سِلاحِها إلى الأُمَمِ المُتَّحِدَة.
وَتُسابِقُ واشِنْطُن الزَّمَنَ لِتَحْقيقِ هَذِهِ الأَهْداف، التي تَعْتَبِرُها اسْتراتيجِيَّةً لِقَصْمِ ظَهْرِ "وِلايَةِ الفَقيهِ" بِأَقَلِّ عُنْف، كَوَرَقَةِ خَريفٍ جافَّة، يُسْقِطُها الرّيحُ إِذا تَمايَلَت. وَيُعْتَبَرُ تَحْقيقُ اخْتِراقٍ في العَلاقاتِ بَيْنَ لُبْنانَ واسْرائيل، وَإِنْجاحُ مُفاوَضاتِ السَّلامِ القادِمَةِ في المَكْتَبِ البَيْضاوِيّ، هَدَفًا لَهُ أَهَمِّيَةٌ بالِغَةٌ جِدًّا لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَة، في تَعاطيها مَعَ صِراعاتِ الشَّرْقِ الأَوْسَط. وَتُشَجِّعُ التَّحَوُّلاتُ الإيجابِيَّةُ في سورْيا الجَديدَةِ وَلُبْنانَ المُقْبِل، على إِحْياءِ "الشّامِ الكُبْرى" الذي تُريدُهُ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ تَطْبيعًا اقْتِصادِيًّا لَيْسَ بِالضَّرورَةِ تَحْتَ سَقْفِ "اتِّفاقِيّاتِ أَبْراهام". كما تَدْعَمُ فَرَنْسا والاتِّحَادُ الأوروبِيُّ عَوْدَةَ لُبْنانَ إلى دَوْرِهِ الإِقْليمِيّ، الَّذِي كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ 1983، وَإِطْلاقَ مَشاريعِ إِعادَةِ الإِعْمار، وَعَوْدَةَ المُهَجَّرينَ وَتَطْويرِ الاقْتِصاد.
(خاص "عروبة 22")

