تَسْتَثمِرُ الصّينُ بِشَكْلٍ كَبيرٍ في صِناعَةِ النَّسيجِ كما في التِّكْنولوجْيا والابْتِكار، ما يَمنَحُها القُدْرَةَ على التَّكَيُّفِ مع التَّحَدِّياتِ العالَمِيَّةِ والتَّغَيُّراتِ في الطَّلَبِ العالَمِيِّ على المَلابِسِ والأقْمِشَةِ اللّازِمَةِ للأغْراضِ الطِّبِّيَّة (كوفيدْ 19)، مِثْلَ المَلابِسِ الواقِيَةِ والأقْنِعَةِ الطِّبِّيَّةِ والمُسْتَلْزَماتِ الطِّبِّيَّةِ الأُخْرى لِتَلْبِيَةِ الطَّلَبِ العالَمِيِّ المُتَزايِد، مِمّا ساهَمَ في بِناءِ صورَةٍ إيجابِيَّةٍ عن دَوْرِها الإنْسانيِّ والاقْتِصاديِّ في أزْمَةِ "كورونا".
وقد وَصَلَني مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ يَحْتَوي على آلافِ الصَّفَحاتِ عن صِناعَةِ النَّسيجِ في الصّين، حيثُ شكّل فُرْصَةً لِلتَّعَرُّفِ إلى مَجالاتِ صِناعَةِ النَّسيجِ والأزْياءِ والتَّصاميمِ والجَمالِيّات، وَهِيَ تَخْرُجُ عن حُدودِ ثَقافاتِها الأصْليَّةِ بِمُختَلَفِ التَّدَفُّقاتِ الثَّقافِيَّةِ والاجْتِماعِيَّة، التي تُعَبِّرُ عن قِيَمٍ ومَفاهيمَ مُتَنَوِّعَةٍ ومُتَعَدِّدَةٍ في مُخْتَلَفِ جَوانِبِ الحَياةِ اليَومِيَّةِ والفَنِّيَّة، والمُقارَنَةِ بَيْنَ بَعْضِ الأرْقامِ المالِيَّةِ المُتَداوَلَةِ التي تَعْكِسُ حَجْمَ صِناعَةِ الأزْياءِ (Fashion Industry) على الصَّعيدَيْنِ العالَمِيِّ والمَحَلِّيّ.
يلعب قطاع صناعة الملابس دورًا مُهمًا في الاقتصادات العربية
حَسَبَ تَقاريرِ مُنَظَّمَةِ الأغْذِيَةِ والزِّراعَةِ لِلأُمَمِ المُتَّحِدَةِ (FAO)، فإنَّ قيمَةَ السّوقِ العالَمِيَّةِ لِلمَلابِسِ والأزْياءِ تُقَدَّرُ بِمِئاتِ المِلْياراتِ مِنَ الدّولاراتِ سَنَوِيًّا، مع تَوَقُّعاتٍ بِارْتِفاعِ الإنْفاقِ مع تَزايُدِ السُّكّانِ والنُّموِّ الاقْتِصادِيّ. ويُؤَكِّدُ تَقريرٌ مِن شَرِكَةِ "McKinsey" أَنَّ الإنْفاقَ الاسْتِهلاكِيَّ على المَلابِسِ والأزْياءِ في العالَمِ يَتَجاوَزُ عَشَراتِ مِلْياراتِ الدّولاراتِ سَنَوِيًّا، مِمّا يَعْكِسُ حَجْمَ الطَّلَبِ الكَبيرِ على مُنْتَجاتِ الأزْياءِ في مُخْتَلَفِ الأسْواق، فيما تُشيرُ بَياناتُ مُنَظَّمَةِ التِّجارَةِ العالَمِيَّةِ (WTO) إلى أنَّ التِّجارَةَ العالَمِيَّةَ في الألْبِسَةِ والمَلابِسِ تُمَثِّلُ حَوالَيْ 2% مِنَ التِّجارَةِ العالَمِيَّةِ الكُلِّيَّة.
في البُلْدانِ العَرَبِيَّة، يَلْعَبُ قِطاعُ صِناعَةِ المَلابِسِ دَوْرًا مُهِمًّا في الاقْتِصاداتِ المَحَلِّيَّة، حَيثُ توجَدُ مَجْموعَةٌ واسِعَةٌ مِنَ الشَّرِكاتِ والمَصانِعِ التي تُنْتِجُ مَلابِسَ مُتَنَوِّعَةً لِلسّوقِ المَحَلِّيَّةِ والعالَمِيَّة.
تَخْتَلِفُ حَرَكَةُ المَلابِسِ واسْتِهلاكِها في هذِهِ البُلْدانِ وِفْقًا لِلظُّروفِ الاقْتِصاديَّةِ والثَّقافِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ المَحَلِّيَّة. فَتَشْهَدُ بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ اسْتِخْدامًا كَبيرًا لِليَدِ العامِلَةِ في صِناعَةِ المَلابِس، وخاصَّةً مِن قِبَلِ العَمالَةِ النِّسائِيَّة.
تَمْلِكُ مِصْرُ قِطاعًا قَوِيًّا في صِناعَةِ المَلابِس، التي تُعَدُّ مِن أهَمِّ الصِّناعاتِ التَّصْديرِيَّةِ في البِلاد. وكانَتْ حَلَبُ في سورْيا تُعَدُّ مِن أبْرَزِ مَراكِزِ صِناعَةِ المَلابِسِ في المِنْطَقَة، ولكِنْ بِسَبَبِ الظُّروفِ السِّياسِيَّةِ والأمْنِيَّةِ الصَّعْبَة، هاجَرَتِ العَديدُ مِنْ مَصانِعِ حَلَبَ إلى خارِجِ البِلاد. هذِهِ الهِجْرَةُ أثَّرَتْ على القُدْرَةِ التَّنافُسِيَّةِ لِلصِّناعَةِ في المِنْطَقَة، إلّا أنَّ هُناكَ جُهودًا مُستَمِرَّةً لإعادَةِ إحْياءِ الصِّناعَةِ ودَعْمِها مِن جَديد. إذ تُعَدُّ اسْتِمْرارِيَّةُ هذِهِ الصِّناعَةِ وتَطْويرُها بِشَكْلٍ مُسْتَدامٍ أمْرًا حَيَوِيًّا لِتَعزيزِ الاقتصادِ المَحَلِّيِّ وتَوفيرِ فُرَصِ عَمَلٍ لِلشَّبابِ والنِّساءِ في بَعْضِ بُلْدانِ المَغْرِبِ العَرَبِيّ.
ويَعْكسُ الإنْتاجُ المُتَزايِدُ عالَمِيًّا الطَّلَبَ المُسْتَمِرَّ على الأقْمِشَةِ والأَكْسِسْواراتِ بِكَمِّيّاتٍ هائِلَة، ويَشْهَدُ الإنْتِرْنِت نُمُوًّا مَلْحوظًا في هذا القِطاع. وتَبْرُزُ أسْماءٌ لُبْنانِيَّةٌ كَبيرَةٌ حَقَّقَتْ شُهْرَةً عالَمِيَّةً بِتَصاميمَ فاخِرَة، أمْثال إيلي صَعْب، زُهَيْر مُراد، رَبيع كَيْروز، جورْج حُبَيْقَة، روبير أبي نادر وآخَرونَ مِمَّن حَقَّقوا شُهْرَةً كَبيرَةً على المُسْتَوى الدَّوْلِيِّ في عالَمِ النِّساءِ والسّينَما والأناقَةِ والجَمال.
تعكس الحضارات تركيبات اجتماعية مُتباينة اقتصاديًا واجتماعيًا عبر الملابس
إنَّ ازْدِهارَ النَّسيجِ يُؤَكِّدُ نَفْسَهُ في كُلِّ مَراحِلِ التَّصْميمِ في مِنْطَقَةٍ شَرْقِ أوْسَطِيَّةٍ مُحافِظَةٍ إلى حَدٍّ ما. فالزِّيُّ مُهِمٌّ لأنَّه يَحْتَوي على دَلالاتٍ قَوِيَّةٍ جِدًّا ويُرْسِلُ رَسائلَ مُحَدَّدَة. فَتَتَحَوَّلُ الأزْياءُ كما الأجْسادُ إلى مَوادَّ حَيَّةٍ تُسَلِّطُ الضَّوْءَ على حَضاراتٍ وثَقافات. ونحْنُ هُنا لَسْنا في مِنْطَقَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الألْوانِ والحَياةِ وتَراصُفِ الطَّبَقاتِ الاجْتِماعِيَّة، لا سِيَّما مِنْها الطَّبَقَةُ المُتَوَسِّطَة، ما يَتَجاوَزُ الدَّوْرَ العادِيَّ لِلزِّيّ. فَتَظْهَرُ الحَضارات، وتَعْكِسُ تَرْكيباتٍ اجْتِماعِيَّةً مُتَبايِنَةً اقْتِصادِيًّا واجْتِماعِيًّا عَبْرَ تِلْكَ المَلابِسِ التي يَتِمُّ شِراؤُها مِن أسْواقٍ شَعْبِيَّةٍ وأُخْرى فَخْمَةٍ جِدًّا. ومِن خُيوطِ الأقْمِشَةِ تُنْسَجُ حِكايَةُ المُجْتَمَعاتِ في تَحَوُّلاتِها، عاكِسَةً روحَها وأذْواقَها ومُعتَقَداتِها، وما تَنْطَوي عَلَيْهِ مِن قِيَمٍ ومَبادِئَ مُعَبِّرَةٍ عن تَنَوُّعِ طَبَقاتِها.
وتَشْهَدُ تِجارَةُ النَّسيجِ على حَرَكَةِ التَّبادُلِ بَيْنَ الثَّقافاتِ والأفْكارِ وفُنونِ تَدْريسِ المادَّةِ في الأكاديمِيّاتِ الحَديثَة، حَيْثُ يُصْبِحُ اللِّباسُ ذاكِرَةً حَيَّةً لِلحَضاراتِ ومَنِ انْتَمى إِلَيْها. أكانَتْ مِصْرُ الفِرْعَوْنِيَّةُ (الكَتّانُ الحارُّ والبروكاراتُ "Brocart" والتَّنانيرُ المُطَرَّزَة)، مَمْلَكَةُ إيبلا "Ebla" (عَباءاتٌ وتَنانيرُ مُتَعَدِّدَةُ الطَّبَقاتِ والألْوان)، المَمالِكُ الفينيقِيَّةُ (صِناعَةُ الصِّباغِ الأُرْجُوانيِّ ومَزْجُ التَّأْثيراتِ عَبْرَ الكَتّانِ والصّوف)، الإمْبَراطورِيَّةُ الرّومانِيَّةُ (الصّوفُ والحَريرُ والكَتّان)، شِبْهُ الجَزيرَةِ العَرَبِيَّةِ ما قَبْلَ الإسْلامِ (الأزْرارُ والمِئْزَرُ أو العَباءَة)، الحُكْمُ الأمَوِيُّ (الأقْمِشَةُ المُزَرْكَشَةُ بِتَأْثيراتٍ بيزَنْطِيَّةٍ وفارِسِيَّةٍ)، الحُكْمُ العبّاسيُّ (القَباءُ والقُفْطانُ والدِّراعَةُ وصِناعَةُ الحَرير)، الأنْدَلُسُ (ثَوْرَةُ زِرْيابَ ونِظامُ المَلابِسِ المَوْسِمِيَّة)، الحُكْمُ الفاطِمِيُّ (الهُوِيَّةُ السِّياسِيَّةُ والدّينِيَّةُ بِاللَّوْنَيْنِ الأبْيَضِ والأخْضَر)، الحُكْمُ المَمْلوكِيُّ (التَّسَلْسُلُ الهَرَمِيُّ والطَّبَقِيُّ بَيْنَ القَباءِ لِلعَسْكَرِ، والأقْمِصَةِ الحَريرِيَّةِ لِلسَّلاطين)، فَتْرَةُ التَّنْظيماتِ العُثْمانِيَّةِ (المَعاطِفُ والصَّدرِيّاتُ ورَبَطاتُ العُنُقِ الأوروبيَّة، والطَّرْبوشُ رَمْزًا لِلحَداثَة).. وصولًا إلى السِّياقاتِ التي تَطَوَّرَتْ فيها صِناعَةُ النَّسيجِ عَرَبِيًّا، وتَأثُّرُها بِما حَوْلَها، وما تَحْمِلُهُ مِن مَعانٍ ودَلالاتٍ عَميقَة!.
(خاص "عروبة 22")

