تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ تَرْبِيَةِ النَّحْلِ في كَوْنِها نَشاطًا اقْتِصادِيًّا مُسْتَدامًا لا يَحْتاجُ إلى مَساحاتٍ واسِعَةٍ مِنَ الأَراضي، كَما يُمْكِنُ مُمارَسَتُهُ في البيئَاتِ الرّيفيةِ وَشِبْهِ الحَضَرِيَّةِ مِمّا يُساهِمُ في تَنْمِيَةِ تِلْكَ البيئاتِ مِنْ خِلالِ خَلْقِ فُرَصِ عَمَلٍ مُباشِرَةٍ وَغَيْرِ مُباشِرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَعْتَمِدَ عَلَيْها الأُسَرُ الرّيفِيَّةُ كَمَصْدَرٍ لِلدَّخْلِ الإِضافِيّ، بَيْنَما تُمَثِّلُ أَيْضًا مَصْدَرًا مُهِمًّا لِدَعْمِ الدَّخْلِ القَوْمِيِّ مِنْ خِلالِ التَّسْويقِ المَحَلِّيِّ والتَّصْديرِ إلى الأَسْواقِ العالَمِيَّةِ التي تَهْتَمُّ بِالمُنْتَجاتِ الطَّبيعِيَّةِ مِمّا يُعَزِّزُ الميزانَ التِّجارِيَّ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة. كَما تُساهِمُ تَرْبِيَةُ النَّحْلِ في تَنْشيطِ العَديدِ مِنَ الصِّناعاتِ الحَيَوِيَّةِ مِثْلَ صِناعَةِ مُسْتَحْضَراتِ التَّجْميلِ والأَدْوِيَةِ الطَّبيعِيَّةِ والمُنْتَجاتِ الغِذائِيَّةِ المُعْتَمِدَةِ على العَسَلِ وَمُشْتَقّاتِه.
وَمِنَ النّاحِيَةِ البيئِيَّة، يُعْتَبَرُ النَّحْلُ مِنْ أَهَمِّ المُلَقِّحاتِ الطَّبيعِيَّةِ للنَّباتاتِ حَيْثُ يُساهِمُ في تَلقيحِ حَوالَيْ 70% مِنَ المَحاصيلِ الزِّراعِيَّةِ مِمّا يُؤَدّي إلى زِيادَةِ إنْتاجِيَّتِها، كَما أَثْبَتَتِ الدِّراساتُ أَنَّ وُجودَ النَّحْلِ بِالقُرْبِ مِنَ الحُقولِ الزِّراعِيَّةِ يَزيدُ إِنْتاجِيَّةَ المَحاصيلِ بِنِسْبَةٍ تَتَراوَحُ ما بَيْنَ 30% وَ50%، بِالإِضافَةِ إلى ما يُوَفِّرُهُ النَّحْلُ مِنْ مَناعَةٍ لِلنَّباتاتِ مِمّا يَجْعَلُها أَكْثَرَ قُدْرَةً على تَحَمُّلِ الظُّروفِ البيئِيَّةِ القاسِيَةِ حَيْثُ تَتَمَيَّزُ النَّباتاتُ المُلَقَّحَةُ طَبيعِيًّا بِإِنْتاجِ ثِمارٍ ذاتِ جَوْدَةٍ أَعْلى وَأَكْثَرِ قابِلِيَّةً لِمُقاوَمَةِ الأَمْراضِ والآفات.
وَتَتَمَيَّزُ المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ بِظُروفٍ بيئِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لِتَرْبِيَةِ النَّحْلِ مِثْلَ تَنَوُّعِ النَّباتاتِ والمُناخِ المُعْتَدِلِ في بَعْضِ المَناطِق.
نظُم حديثة وتقنيات متطوّرة ساهمت في تحسين جودة المنتجات وزيادة الإنتاجية
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ الإِمْكانات، لا يَزالُ إِنْتاجُ العَسَلِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ أَقَلَّ مِنَ المُسْتَوى العالَمِيِّ بِسَبَبِ ضَعْفِ التِّكْنولوجْيا المُسْتَخْدَمَةِ بِالإِضافَةِ إلى التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ والإِفْراطِ في اسْتِخْدامِ المُبيداتِ الزِّراعِيَّةِ التي تُؤَدّي إلى نُفوقِ أَعْدادٍ كَبيرَةٍ مِنَ النَّحْلِ مَعَ ضَعْفِ الدَّعْمِ الفَنِّيِّ والتَّدْريبِ على التِّقْنِيّاتِ الحَديثَة.
وَخِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرَةِ شَهِدَ قِطاعُ تَرْبِيَةِ النَّحْلِ تَطَوُّرًا تِكْنولوجِيًّا كَبيرًا نَتيجَةَ زِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالإِنْتاجِ الزِّراعِيِّ المُسْتَدام، فَلَمْ تَعُدْ تَرْبِيَةُ النَّحْلِ تَعْتَمِدُ على الأَساليبِ التَّقْليدِيَّة، بَل دَخَلَتْ فيها نُظُمٌ حَديثَةٌ وَتِقْنِيّاتٌ مُتَطَوِّرَةٌ ساهَمَتْ في تَحْسينِ جَوْدَةِ المُنْتَجاتِ وَزِيادَةِ الإِنْتاجِيَّةِ بِشَكْلٍ مَلحوظ.
وَفي ظِلِّ التَّحَدِّياتِ التي تُواجِهُ قِطاعَ تَرْبِيَةِ النَّحْلِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ أَصْبَحَ تَبَنّي تِلكَ التِّقْنِيّاتِ أَمْرًا مُلِحًّا لِتَحْقيقِ الكَفاءَةِ والِاسْتِدامَة.
وَمِنَ النُّظُمِ الحَديثَةِ في تَرْبِيَةِ النَّحْلِ مُراقَبَةُ الخَلايا بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ وَتَحْسينُ السُّلالاتِ وَإِدارَةُ نُظُمِ التَّغْذِيَةِ والتَّكاثُر.
وَمِنْ أَهَمِّ تِلْكَ التِّقْنِيّاتِ الخَلايا الذَّكِيَّةُ التي تَعْتَمِدُ على أَجْهِزَةِ اسْتِشْعارٍ دَقيقَةٍ لِدَرَجاتِ الحَرارَةِ والرُّطوبَةِ وَوَزْنِ الخَلِيَّةِ لِتَقْديرِ إِنْتاجِ العَسَلِ والتي يَتِمُّ رَبْطُها بِشَبَكَةِ الإِنْتِرْنِتِ لِتَحْقيقِ المُراقَبَةِ عَنْ بُعْدٍ مِنْ دونِ إِزْعاجِ النَّحْل، وَبَعْضُها يَعْمَلُ بالذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ.
دمج التكنولوجيا بتربية النحل يُحقّق طفرة حقيقية
وَأَصْبَحَ لِلبَحْثِ العِلْمِيِّ دَوْرٌ فَعالٌ في تَطْويرِ قِطاعِ النَّحْلِ تَمَثَّلَ في تَحْسينِ السُّلالاتِ مِنْ حَيْثُ الإِنْتاجِيَّةِ وَمُقاوَمَةِ الأَمْراضِ والتَّلقيحِ الصِّناعِيِّ لِلمَلِكاتِ لِلتَّحَكُّمِ في الصِّفاتِ الوِراثِيَّة.
كَما اهْتَمَّتِ الدِّراساتُ بِتَطْبيقاتِ أَجْهِزَةِ الكَشْفِ المُبَكِّرِ عَنِ الأَمْراضِ واسْتِخْدامِ عِلاجاتٍ حَيَوِيَّةٍ تَعْتَمِدُ على مَوادَّ طَبيعِيَّةٍ بَدَلًا مِنَ الكيماوِيّاتِ وَكَذَلِكَ أَساليبِ التَّغْذِيَةِ التي تَعْتَمِدُ على المُكَمِّلاتِ الغِذائِيَّةِ مِثْلَ الفيتاميناتِ والمَعادِنِ لِتَحْسينِ صِحَّةِ النَّحْلِ في أَوْقاتِ نَقْصِ الغِذاءِ الطَّبيعِيّ.
وَلَمْ يَكُنْ قِطاعُ تَرْبِيَةِ النَّحْلِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ بَعيدًا عَنْ تِلْكَ التَّطَوُّراتِ فَلَقَدْ ظَهَرَتْ تَجارِبُ ناجِحَةٌ عِدَّةٌ في بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ أَثْبَتَتْ أَنَّ دَمْجَ التِّكْنولوجْيا بِتَرْبِيَةِ النَّحْلِ يُمْكِنُ أَنْ يُحَقِّقَ طَفْرَةً حَقيقِيَّةً في هَذا القِطاعِ الحَيَوِيّ. وَتُعَدُّ السُّعودِيَّةُ مِنْ أَبْرَزِ الدُّوَلِ التي بَدَأَتْ تَطْبيقَ التِّقْنِيّاتِ الحَديثَةِ والأَنْظِمَةِ الذَّكِيَّةِ التي أَدّتْ إلى تَحْسينِ جَوْدَةِ العَسَلِ والتَّوَسُّعِ في تَصْديرِهِ إلى الأَسْواقِ العالَمِيَّة. كَما تُعْتَبَرُ المَغْرِبُ وَمِصْرُ مِنْ بَيْنِ الدُّوَلِ الرّائِدَةِ في أَفْريقْيا في مَجالِ تَطْويرِ قِطاعِ النَّحْلِ وَتَتَمَيَّزانِ بِإِنْتاجِ سُلالاتٍ جَديدَةٍ أَدَّتْ إلى زِيادَةِ التَّنَوُّعِ وَتَحَسُّنِ فُرَصِ التَّصْدير.وَتَجْدُرُ الإِشارَةُ إلى تَمَيُّزِ بَعْضِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ بِأَنْواعٍ مِنَ العَسَلِ تُعَدُّ مِنْ أَجْوَدِ الأَنْواعِ في العالَمِ مِثْلَ عَسَلِ السِّدْرِ نَظَرًا لِتَمَيُّزِ خَصائِصِهِ الغِذائِيَّةِ والعِلاجِيَّةِ التي تَرْتَبِطُ بِطَبيعَةِ البيئَةِ الجَبَلِيَّةِ والتَّنَوُّعِ النَّباتِيِّ والخِبْراتِ التَّقْليدِيَّةِ في إِنْتاجِهِ مِمّا أَكْسَبَهُ شُهْرَةً عالَمِيَّةً وَقيمَةً اقْتِصادِيَّةً مُرْتَفِعَة. وَيَُعَدُّ اليَمَنُ وَسَلْطَنَةُ عُمانَ مِنْ أَشْهَرِ الدُّوَلِ في إِنْتاجِ العَسَلِ الجَبَلِيِّ وَخاصَّةً عَسَلَ السِّدْر.
الفرص المتاحة في هذا القطاع تفوق التحديات إِذا تم استغلالها بشكل صحيح
وَمِنْ أَخْطَرِ التَّحَدِّياتِ التي تُؤَثِّرُ في تَطْويرِ قِطاعِ تَرْبِيَةِ النَّحْلِ في الوَطَنِ العَرَبِيِّ الإِفْراطُ في اسْتِخْدامِ المُبيداتِ التي تُؤَدّي إلى قَتْلِ النَّحْلِ وَتَقْليلِ كَفاءَتِهِ كَما سَبَقَ ذِكْرُه، بِالإِضافَةِ إلى ضَعْفِ الِاسْتِثْماراتِ والبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ اللّازِمَةِ لِاسْتِخْدامِ التِّقْنِيّاتِ الحَديثَةِ وَكَذَلِكَ الكَفاءاتِ والمَهاراتِ الفَنِّيَّةِ المُؤَهَّلَةِ لِلعَمَلِ بِتِلْكَ التِّقْنِيّاتِ نَتيجَةَ ضَعْفِ بَرامِجِ التَّدْريبِ وَتَبادُلِ الخِبْراتِ بَيْنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّة.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ تِلْكَ التَّحَدِّياتِ فَإِنَّ الفُرَصَ المُتاحَةَ في هَذا القِطاعِ تَفوقُ التَّحَدِّياتِ إِذا تَمَّ اسْتِغْلالُها بِشَكْلٍ صَحيح. فَعلى سَبيلِ المِثالِ يُمْكِنُ مُواجَهَةُ التَّغَيُّراتِ المُناخِيَّةِ بِاسْتِخْدامِ التِّقْنِيّاتِ الحَديثَةِ لِإِدارَةِ الخَلايا كَما يُمْكِنُ تَقْليلُ تَأْثيرِ المُبيداتِ مِنْ خِلالِ التَّحَوُّلِ التَّدْريجِيِّ إلى الزِّراعَةِ العُضْوِيَّة، بَيْنَما هُناكَ فُرَصٌ لِتَحْسينِ التَّسْويقِ مِنْ خِلالِ إِنْشاءِ جَمْعِيّاتٍ تَعاوُنِيَّةٍ وَمِنَصّاتٍ رَقْمِيَّةٍ وَهَذا يَعْني أَنَّ التَّحَدِّياتِ لَيْسَتْ عَوائِقَ دائِمَة، بَل فُرَصٌ لِلتَّطْوير.
(خاص "عروبة 22")

