وُلِدَ الذَّكاءُ الاصْطِناعِيُّ في القَرْنِ الماضي، مُثْقَلًا بِالتَّهْديدَاتِ كَما بِالوُعود. حَيْثُ دَعَا كُلٌّ مِنَ المُتَخَوِّفينَ مِنْ تِلْكَ التَّهْديدَاتِ والمُتَحَمِّسينَ لِتِلْكَ الوُعودِ إلى ضَرورَةِ إِضْفاءِ بُعْدٍ أَخْلاقِيٍّ على الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ يَحْكُمُه.
لَقَدْ أَلْهَمَ وَحْشُ فْرانْكِنْشْتايْن تِلْكَ "الفْرانْكِنْفوبْيا"، أَيْ الخَوْفَ مِنْ فْرانْكِنْشْتايْن، التي طالَبَتْ بِإِرْساءِ أَخْلاقِيّاتٍ لِلْآلات، تَكونُ قادِرَةً على حِمايَةِ البَشَرِ مِنَ الأَضْرارِ المُحْتَمَلَة، وَفي الآنِ نَفْسِهِ قادِرَةً أَيْضًا على تَحْقيقِ المَنافِعِ الكُبْرى التي يُمْكِنُ أَنْ تُوَفِّرَها الأَنْظِمَةُ الذَّكِيَّةُ حينَ تُطَوِّعُ الأَدَواتِ في خِدْمَةِ الإِنْسانِ وَفي اسْتِدامَةٍ عادِلَةٍ لِلطَّبِيعَة.
أوّل واجب لأخلاقيات العلم هو ألّا ننخدع
وَفي الطَّرَفِ المُقابِل، أَكَّدَ المُتَحَمِّسونَ لِلثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّةِ الرّابِعَةِ أَنَّ الذَّكاءَ الاصْطِناعِيَّ سَيُساعِدُ على حَلِّ مُشْكِلاتِ الحَياةِ اليَوْمِيَّة، عَبْرَ إِدْخالِ سِحْرِ الخَوارِزْمِيّاتِ في عَمَلِيَّةِ اتِّخاذِ القَرارِ في مُجْمَلِ مَجالاتِ الحَياةِ الاجْتِماعِيَّة، بَلْ وَحَتّى تَرْكِ تِلْكَ القَراراتِ بَيْنَ أَيْديها، واسْتِبْدالِ القُدُراتِ العَقْلِيَّةِ البَشَرِيَّةِ المَحْدودَةِ بِقُوَّةِ الحَوْسَبَةِ أَوِ الاتِّصالِ الشَّبَكِيّ.
وَإِمْعَانًا في ذَلِك، ذَهَبَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ العُلَماءِ والتِّقْنِيّينَ إلى التّأْكيدِ أَنَّنا سَنَقْضي على المَرَضِ والشَّيْخوخَةِ والمَوْت، وَأَنَّنا، عَبْرَ إِضْفَاءِ قِيَمٍ أَخْلاقِيَّةٍ على الآلات، مِثْلَ مَشاعِرِ الحُبِّ والتَّعَاطُفِ والتَّضامُن، سَنَخْلُقُ نَوْعًا جَديدًا يَتَفَوَّقُ على الإِنْسانِ المَعْروفِ اليَوْم. سَنَخْلُقُ عالَمًا مِنَ السَّلامِ والسَّعادَة، يَضَعُ حَدًّا لِهَيْمَنَةِ الإِنْسانِ العاقِلِ أَوْ "هومو سابينِس"، وَنِهايَةً لعَصْرِ الأَنْثْروبوسين، ذَلِكَ العَصْرِ المَوْسومِ بِالحُروبِ واسْتِنْزافِ الطَّبيعَة.

هَلْ تَسْتَوْجِبُ هَذِهِ النَّزْعَةُ الثّانِيَةُ أَنْ نَصِفَها بِأَنَّها أَخْلاقٌ أَمْ إيدْيولوجْيا؟ هَلْ ما لا يُعَدُّ عِلْمًا يُقَدَّمُ على أَنَّهُ عِلْم، مِنْ أَجْلِ جَذْبِ اسْتِثْماراتٍ ضَخْمَة، وَتَشْكيلِ العُقول، بَلْ وَحَتّى الفَوْزِ في التَّنافُسِ على الهَيْمَنَةِ العالَمِيَّة؟. إِنَّ أَوَّلَ واجِبٍ لِأَخْلاقِيّاتِ العِلْمِ هُوَ أَلّا نَنْخَدِع.
وَلِلْأَسَف، فَإِنَّ هَذا السَّعْيَ إلى الحَقيقَةِ يَصْطَدِمُ بِعَقَبَةٍ يَسْتَحيلُ تَجاوُزُها، تَفْرِضُها البُنْيَةُ ذاتُها لِلْمِنَصّاتِ والشَّبَكاتِ والخَوارِزْمِيّاتِ التي وُلِدَتْ مِنْ هَذِهِ الثَّوْرَةِ الجَديدَة. فَالسُّؤالُ الأَخْلاقِيُّ الأَهَمُّ يَظَلُّ دائِمًا: إلى أَيْنَ سَنَصِل؟ وَما البوصَلَةُ التي يَنْبَغي أَنْ تُوَجِّهَ رَسْمَ خَرائِطِ الطَّريق، تِلْكَ الخَرائِطُ التي سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْها ضَرورِيًّا أَنْ تَتَغَيَّرَ مع الزَّمَن؟.
الديموقراطية باتت مُهدّدة على المستوى العالمي
نَحْنُ البَشَرُ مَنْ نَمْتَلِك، حالِيًّا، القُدْرَةَ على الحِوارِ واتِّخاذِ القَرار، لَكِنَّ اتِّخاذَ قَراراتٍ مُشْتَرَكَةٍ يَنْطَلِقُ مِنْ "نَحْنُ" لا تُقْصي أَحَدًا، "نَحْنُ" تَسْتَعينُ بِالأَنْظِمَةِ الذَّكِيَّةِ لِلْبَحْثِ عَنِ الأَجْوِبَةِ المُناسِبَة. وَمع ذَلِك، فَإِنَّ ازْدِيادَ التَّرابُطِ بِفَضْلِ الشَّبَكات، الذي كانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَقودَنا إلى القُدْرَةِ على اتِّخاذِ قَراراتٍ جَماعِيَّةٍ عَبْرَ التَّشَاوُرِ والتَّدَاوُلِ بِشَأْنِ ما نُريدُ أَنْ نَصْنَعَهُ مِنْ مُسْتَقْبَلِنا، لا يُحَسِّنُ التَّواصُلَ الحَقيقِيّ. بَلْ على العَكْسِ تَمامًا، تَنْتَصِرُ مَرَّةً أُخْرى "العَقْلانِيَّةُ الاسْتراتيجِيَّةُ" التي تَسْتَحْوِذُ على كامِلِ الفَضاءِ العامّ، فيما يَحْدُثُ أُفولٌ لِـ"العَقْلانِيَّةِ التَّواصُلِيَّة". وَهَذِهِ أَخْبارٌ في غايَةِ السّوءِ إِذا كُنّا نُريدُ تَعْزيزَ الدّيموقْراطِيَّة، وَهِيَ مُهِمَّةٌ مُلِحَّة؛ لِأَنَّ الدّيموقْراطِيَّةَ باتَتْ مُهَدَّدَةً على المُسْتَوى العالَمِيّ، وَبِالطَّبْعِ في إِسْبانِيا وَأوروبّا وَأَميرْكا اللّاتينِيَّة!.
(خاص "عروبة 22")

