يُخيلُ للناظرِ إلى آخرِ التطوراتِ والمستجداتِ بأنَ أمدَ الحالةِ الراهنةِ، التي تتأرجحُ بينَ "اللاحرب" و"اللاسلم" ستطولُ أكثر، وستكون لها تبعاتٍ وانعكاساتٍ خطيرة. إذ يبدو طرفا الحرب، أي واشنطن وطهران، في موقعٍ بعيدٍ عن إبرامِ تسويةٍ ترضي الجانبين، لأنها تستوجبُ التوصلَ إلى نقاطٍ مشتركةٍ تعملُ بعض الوساطات على تحقيقها. لكنها، حتى اللحظة، تفشلُ في إقناع "المتحاربين" بتقديم تنازلاتٍ، كلٌّ من جانبه، لتسهيل المسار التفاوضيّ، وسط تصريحاتٍ متناقضةٍ للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي يُهادنُ النظام الإيرانيّ حينًا، ويتوعّده في أحيانٍ أخرى. وتبدو إيران متمسّكةً بالمباحثات، لكنها أيضًا تعتمدُ استراتيجيّةَ الصبرِ و"النفسِ الطويلِ"، علّها تحصلُ على مكاسب توظّفهَا في "اليوم التالي"، خصوصًا ما يتعلقُ بانتزاعِ رفعٍ للعقوباتِ المفروضةِ عليها وتحريرِ أموالِهَا المُجمدة. أما مضيقُ هُرمز فـ"حدّث ولا حرج"، بعد دخولِهِ في لعبةِ "شدِّ الحبالِ" الحاليةِ، على الرغمِ من حساسيّةِ الموضوعِ وتداعياتِهِ على الأسواقِ العالميّةِ والأمنِ الغذائيّ وحركةِ الملاحة.
وتخوضُ طهرانُ الحربَ وفقَ معادلة "علّي وعلى أعدائي"، فإما أن يغرقَ المركبُ بمن فيه وإما أن تُثبِتَ قدرتَهَا على المقارعة وتثبيت نفوذها الإقليميّ. ومن هنا، يبدو تمسّكها المتزايد بـ"الورقة" اللبنانيّة، التي تحولّت هي الأخرى إلى عنصر ضغطٍ توظّفه إيران في مفاوضاتها، حتى لو ادّعت عكس ذلك، ما يُجرّد مفاوضات واشنطن من فعاليتها. وذلك على الرغم من أن الدولة لا تزالُ تعوّلُ على دورٍ أميركيٍّ حاسمٍ في هذا الملف لوقف الحرب الإسرائيليّة، وتطبيقِ ما تُوُصِّلَ إليه في جولاتِ المفاوضاتِ الأخيرة، التي عُقدَت نهاية الشهرِ الماضي من دون أن يُكتبَ لها النجاح. إذ استمرت تلّ أبيب في عدوانِهَا، بينما رفضَ "نظامُ الملالي" فصلَ المسارين، وتدّخلَ عاجلًا لعرقلةِ النتائجِ، كذلك فعلَ "حزبُ الله". فطالبَ الحزبُ الحكومةَ، أمسِ الثلاثاء، باغتنامِ الفرصة المتاحة "وتصحيحِ علاقتِهَا الرسميّة مع إيران" بما يخدمُ مصالحَ الدولتين، والاستفادة من الدعمِ الإيرانيِّ لتحقيقِ الأهدافِ الوطنيّةِ، خصوصًا في ظلَّ ما سمّاه "تَشَكُّلُ المظلةِ الإقليميّةِ الجديدةِ المنبثقةِ من مفاوضاتِ إسلام آباد". واعتبرَ أن الرّدَ الصاروخيّ الإيرانيّ على إسرائيل دفاعًا عن الشعبِ اللبناني هو "رسالة التزامٍ أخلاقيٍّ وسياسيٍّ وميدانيٍّ من إيرانَ تجاهَ البلاد". ويَعكِسُ هذا البيانُ حالةَ "النكرانِ" التي يعيشُهَا الحزبُ، الذي يرفضُ أن تفاوضَ القوى الشرعيّة اللبنانيّة عن أرضِهَا، بينما يوافقُ أن تكونَ طهران "الناطق الرسمي" باسمِ لبنان.
فبحسبِ كُثر، لا يُمانعُ الحزبُ المفاوضاتِ، بقدر ما يرفضُ أن تسلك مسارًا بعيدًا عنه، فهو يسعى إلى أن تكون له اليد الطولى وأن يحسم أيَّ خيارٍ مستقبليّ. وهذا ما يعتبره لبنانُ الرسميّ "خطًا أحمرَ" في ظلِّ المساعي الهادفةِ إلى تكريسِ دورِ المؤسساتِ الوطنيّةِ وحصرِ السلاحِ كما القرارِ السياسيّ، بعد تَفَرُّدِ الحزبِ بذلكَ لأعوامٍ طويلةٍ وإدخالِهِ البلادَ والعبادَ في صراعاتِ المحاور واستجلاب الحروبِ والتدميرِ والخراب. وعرضَ، أمس الثلاثاء، رئيسُ الجمهوريّةِ العماد جوزاف عون مع رئيسِ الوفدِ اللبنانيّ المفاوضِ في واشنطنَ السفير سيمون كرم، أجواءَ الجلسةِ الأخيرةِ من المفاوضاتِ مع الجانبِ الإسرائيليِّ برعايةٍ أميركيّة. كما اطّلعَ منه على التحضيراتِ الجاريةِ للجلسةِ المقبلةِ، المقرّرة في الثاني والعشرين من الشهرِ الحالي. ويُكرّرُ عون في جميعِ تصريحاتِهِ ولقاءاتِهِ ومجالسِهِ الثوابتَ عينها، من وقفِ النارِ وتحقيقِ الانسحابِ الإسرائيليِّ وإعادةِ الأسرى وانتشارِ الجيش. أما رئيسُ الحكومةِ نواف سلام، فاتصلَ، من جهته، بوزيرِ الخارجيّة والمغتربين السوري أسعد الشيباني، واستعرضَ معه المستجدات الأخيرةَ والتصعيد الإسرائيليّ في جنوبِ لبنانَ، والعلاقات الثنائية بينَ البلدين. ويأتي هذا الاتصالُ بعد طرحِ ترامب علنًا، سوريا كقوّةٍ مُحتملةٍ في ملفِ "حزب الله"، بالتزامنِ مع الحديثِ عن زيارةٍ ثانيةٍ مرتقبةٍ للرئيسِ أحمد الشرع إلى واشنطنَ، واحتمالِ حضورِهِ عشاءً على هامشِ قمة "الناتو" في تركيا. لكن دمشق أنكرَت ورفضَت مرارًا التدخلَ في الشؤونِ اللبنانيّةِ، وأكدَت أهميةَ "بقاءِ سوريا في سوريا ولبنانَ في لبنانَ" بعدما اختبرِت الحربَ لأعوامٍ طويلةٍ، وتحاولُ اليومَ إعادة تثبيتِ دورِهَا وتدعيمِ استقرارِهَا الداخلي.
هذا الحراكُ السياسيُّ لم يحرفْ الأنظارَ عن التصعيدِ الإسرائيليِّ الكبيرِ في الميدانِ، إذ أنذرَ الاحتلالُ مدينةَ صور، بجميعِ أحيائِهَا، ومن ضمنِهَا "حارةُ المسيحيّة" والمخيمات الفلسطينيّة. وتواصلَت الغاراتُ المكثفةُ على المدينةِ ومحيطِهَا، ما أسفرَ عن أكثرِ من ثمانيةِ قتلى واثنينِ وثلاثينَ جريحًا، وفقَ حصيلةٍ أوليّةٍ لوزارةِ الصحة. وجاءَ الإنذارُ وسطَ مؤشراتٍ واضحةٍ على سعي الاحتلالِ إلى توسيعِ العملياتِ العسكريةِ، وبالتالي تعميقِ الأزمةِ الإنسانيّةِ وزيادةِ أعدادِ النازحينَ وتكريسِ سياسةِ التهجيرِ المُمنهج. وفي هذا الإطار، أكدَت القناةُ الرابعة عشرة الإسرائيليّة أن تلّ أبيب "تواصلُ الهجومَ في لبنانَ، ولن تسمحَ للإيرانيينَ بفرضِ معادلاتٍ أمنيّةٍ في الشرقِ الأوسط". وأشارت إلى أن "أيّ خطأٍ من حزبِ الله قد يقودُ إلى جولةِ قتالٍ إضافيّةٍ مرتبطةٍ بالمواجهةِ مع إيران". بينما رأَت صحيفةُ "معاريف" أن إسرائيلَ تجدُ نفسَهَا أمامَ مأزقٍ استراتيجيٍّ مُتزايدٍ في الساحةِ اللبنانيّةِ، بعد إخفاقِهَا في قراءةِ الترابطِ بينَ الجبهتينِ الإيرانيّةِ واللبنانيّةِ، وفي استثمارِ التحوّلاتِ الداخليّةِ التي يشهدُهَا لبنان. وأقرَّ مجلسُ الوزراءِ الإسرائيليِّ المصغّرِ إجراءً أمنيًّا استثنائيًّا يرفعُ سقف المواجهة. ويتمثّلُ في تكليفِ قيادةِ الجيشِ بالردِّ الفوريِّ والمباشرِ، عبر استهدافِ الضاحيةِ الجنوبيّةِ لبيروتَ عقبَ رصدِ أيّ صاروخٍ أو مُسيّرةٍ تُطلقُ من لبنانَ باتجاهِ مستوطناتِ الشمالِ، ومن دونِ الحاجةِ إلى العودةِ أو مراجعةِ المستوى السياسيّ. ويعكسُ هذا التفويضُ التلقائيُّ تمسّكًا إسرائيليًّا مُطلقًا بمعادلةِ "الضاحية مقابلَ المستوطنات"، ما يضعُ لبنانَ أمامَ مخاطرَ متعاظمة بسببِ استمرارِ إعلانِ الحزبِ عن استهدافاتٍ يوميّةٍ ورفضِهِ أيّ سبيلٍ للمهادنة.
وأتت جميعُ "رسائلِ الدم" هذه، التي يدفعُ الجنوبيون ولبنانُ برمتِهِ ثمنَها من أرضِهِم ومستقبلِهِم واقتصادِهِم، على وقعِ إعلانِ جيشِ العدوِّ مقتلَ مسلّحٍ أطلقَ النارَ على قواتِهِ في منطقةِ جبل راميم (هاردوف)، وسطَ تضاربٍ في الرواياتِ حولَ مكانِ وجودِه. ووقعَت هذه الحادثةُ في منطقةٍ تعدُّهَا إسرائيلُ جزءًا من منظومتِهَا الدفاعيّةِ المتقدمةِ، التي أقامَتهَا خلالَ الأشهرِ الماضيةِ داخلَ جنوبِ لبنانَ، ضِمنَ ما تصفُهُ بـ"الحزامِ الأمنيِّ" الهادفِ إلى إبعادِ أيِّ تهديدٍ عن المستوطناتِ الشماليّة. ولم يصدرْ، حتى الآن، أيُّ تعليقٍ رسميٍّ من "حزبِ الله" أو من السلطاتِ اللبنانيةِ حولَ هذه الواقعة أو هويةِ القتيل. في حين واصلَ الجيشُ الإسرائيليُّ عملياتِ التمشيطِ باستخدامِ الطائراتِ المُسيّرةِ والقواتِ الخاصةِ ووحداتِ المشاة. وتحاولُ إسرائيلُ فصلَ ملفِ لبنانَ عن مسارِ مفاوضاتِ إسلام آباد، وترَى أن الفرصةَ سانحةٌ لها لـ"فرضِ شروطِها". وهي تعتمدُ على الدعمِ الأميركيِّ، ولو جرَى الحديثُ عن اختلافاتٍ في مقارباتِ الملفاتِ بين ترامب ونتنياهو. الأمرُ الذي يضعُهُ كُثرٌ من المحللينَ، في إطارِ "تبادلِ الأدوارِ"، ويعتبرونَهُ أقربَ إلى سيناريو "الخديعة" و"نثر الرمادِ في العيونِ"، إذ إنّ الطرفينِ على تواصلٍ دائمٍ ومباشر. ويبدو أن المظلةَ الحاضنةَ للبنانَ، عربيًا وإقليميًا، تصبُّ في صالحِهِ، لكن من دونِ القدرةِ على تحقيقِ خروقاتٍ كبيرة. وضمن هذا الإطار، استقبلَ الرئيسُ الفرنسيُ إيمانويل ماكرون سفيرَ الولاياتِ المتحدةِ لدى تركيا والمبعوث الخاص لترامب إلى سوريا والعراق توم برّاك، مُجدِّداً دعمَ فرنسا لسيادةِ سوريا والعراق ولبنانَ وسلامتهِم الإقليميّةِ ووحدتهِم. وبحسبِ البيانِ الرسميّ، دارَت المناقشاتُ مع برّاك، بشكلٍ أساسيٍّ، حولَ أوضاعِ الشرقِ الأوسطِ وسطَ تأكيدِ ضرورةِ مواصلةِ التنسيقِ بين فرنسا والولايات المتحدة لصالحِ استقرارِ المنطقةِ وأمنها.
وتتباينُ المواقفُ الأوروبيّةُ عن الولاياتِ المتحدة، خصوصًا في ما يتعلقُ بملفِ الحربِ على إيرانَ، بعد رفضِ هذه الدول التدخلَ في الأزمةِ المستفحلةِ وقرارها بالبقاءِ على الحياد. لكن، من الطبيعيّ أن تراقبَ نتائجَ المباحثاتِ الحاصلةِ، وأن تأملَ بأن تصلَ الأمورُ إلى خواتيمِهَا "السعيدة" من دونِ عودةِ الضرباتِ وانزلاقِ المنطقةِ برمتِهَا إلى ما لا تُحمدُ عُقبَاه. في غضونِ ذلكَ، كرَّرَ ترامبُ الحديثَ عن قربِ التوصلِ إلى اتفاقٍ "جيدٍ جدًا" مع إيرانَ، مشدّدًا على أنه سيُعلِنُ "نصرًا كاملًا" خلال أسبوعين. كما قالَ إن المفاوضينَ الإيرانيينَ "مستعدونَ لمنحِنَا كلَ شيء". وفي تصريحٍ "مناقضٍ" آخر، لفَتَ إلى أن التسويةَ "قد تستغرقُ يومينِ أو ثلاثةِ أيامٍ"، مضيفًا أن المفاوضات دخلَت في "المراحلِ الأخيرة". ولا يتوافقُ هذا الكلامُ لا مع مواقفِ قادةِ النظامِ الإيرانيِّ "التهويليّةِ"، ولا مع استمرارِ العُقدِ التي تحولُ دونَ الحديثِ عن حصولِ أيّ خرقٍ حقيقيٍّ وملموس. وعقّدَ سقوطُ مروحيةٍ أميركيّةٍ من طرازِ "أباتشي" قربَ مضيقِ هُرمزَ، واتهام إيران بالوقوفِ خلفَ العمليةِ، الأمورَ وفاقمَ الإحساسَ بأنَ المنطقةَ تقفُ على حافةِ اختبارٍ جديدٍ قد يطالُ أمنَ الملاحةِ والطاقة. وهدّدَ ترامب بالردِّ على الهجومِ، بينما نقلَ التلفزيونُ الرسميُّ الإيرانيُّ عن مصدرٍ عسكريٍّ مطّلعٍ قولَهُ إنه "لم تُنفذْ أيُّ عمليةٍ عسكريةٍ هجوميّةٍ جويةٍ في المضيقِ خلالَ الساعاتِ الأربع والعشرين الماضية". وبالفعل، نفذَت واشنطنُ تهديداتِهَا، فأعلنَت القيادةُ الأميركيّةُ "سنتكوم" فجرًا، في منشورٍ على منصةِ "إكس"، أن قواتِهَا بدأَت "شنَّ ضرباتٍ دفاعًا عن النفسِ، بتوجيهٍ من القائدِ العامِ، ردًا على إسقاطِ مروحيةِ أباتشي تابعةٍ للجيشِ الأميركيِّ أمسِ الثلاثاء". بينما أفادَت وكالةُ "مهر" بسماعِ دويِّ انفجاراتٍ في بندر عباس وقشم وسيريك وجاسك، جنوبي البلاد.
وردًا على هذه الغارات، شنَّ "الحرسُ الثوري" الإيراني هجماتٍ بالصواريخ والمُسيراتِ، مستهدفًا كلًّا من البحرين والكويت والأردن. وقبل ذلكَ بوقتٍ قصيرٍ، برزَ موقفُ وزير الخارجيةِ الإيرانيِّ عباس عراقجي، الذي أشارَ إلى أن القوات الأجنبيةَ الموجودة قربَ الأراضي الإيرانيّة تبقَى عرضةً "لخطرٍ دائمٍ"، سواء بسبب أخطاءٍ بشريةٍ أو حوادثَ عرضيةٍ أو احتمالِ وقوعِهَا في مرمَى النيرانِ، مطالبًا إياها بالمغادرة. والأهمُ كان اعتبارُ عراقجي أن مضيقَ هُرمز "ليسَ مياهًا دوليّة"، بل ممرًا مشتركًا بين إيرانَ وسلطنةِ عُمان، مؤكدًا أن الحدودَ البحريةَ "واضحةٌ تمامًا". ويتعارضُ هذا الكلامُ مع القانونِ الدوليِّ للبحارٍ، ومع كلّ ما كان سائدًا قبلَ اندلاعِ الحربِ، لكنه يؤكدُ أن هذا الممرَ الحساس والحيويّ باتَ ورقةَ ضغطٍ مركزيةٍ في يدِ طهرانَ، التي تدركُ أن أيّ تهديدٍ للملاحةِ أو لإمداداتِ النفطِ يمكنُ أن ينعكسَ فورًا على الاقتصادِ العالميِّ وحساباتِ البيتِ الأبيض.
ومن ملفِ طهرانَ المُعقّدِ إلى قطاعِ غزّة، الذي يدورُ في "حلقةٍ مفرغةٍ" من دونِ التوصلِ إلى أيِّ تسويةٍ حقيقيّةٍ، مع تعنّتِ الاحتلالِ ومماطلتِهِ وتسويفِهِ في تطبيقِ اتفاقِ وقفِ النار. وأفادَت وسائلُ إعلامٍ إسرائيليّةٍ بأنَ رئيس الأركانِ إيال زامير وافقَ على خططٍ لاستئنافِ العملياتِ العسكريةِ في القطاعِ، في حينِ تتواصلُ، في العاصمةِ المصريةِ القاهرة، المحادثاتُ بينَ الفصائلِ الفلسطينيةِ والوسطاءِ، لتثبيتِ الهدنةِ الهشّةِ والتوصلِ إلى اتفاقٍ بشأنِ السلاح. وبحسبِ المعلوماتِ، وافقَت هذه الفصائلُ على مبدأِ "حصرِ السلاحِ" في غزّة بيدِ هيئةٍ فلسطينيّةٍ "مُتفقٌ عليها". وهذه المحاولاتُ لسحبِ فتيلِ التصعيدِ، لا يمكنُ تطبيقُهَا من دونِ ضغطٍ على تلّ أبيب لوقفِ الخروقاتِ اليوميّةِ والاعتداءاتِ التي تزيدُ من الخسائرِ البشرية. في غضونِ ذلكَ، أعلنَت ستُّ دولٍ غربيةٍ هي فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج، أمسِ الثلاثاءِ، فرضَ عقوباتٍ على مستوطنينَ إسرائيليينَ وكياناتٍ استيطانيةٍ، ووزيرِ الماليةِ بتسلئيل سموتريتش. وذلك على خلفيةِ ما وصفتهُ هذه الدولُ بـ"العنفِ المروّعِ" الذي يمارسونه ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، في حين أعلنت إسرائيل رفضها القاطع لما وصفتها بـ"الإجراءات المُشينة". أما عراقيًا، فعادَت قضيةُ السلاحِ خارج سلطةِ الدولةِ إلى تصدّرِ المشهدِ السياسيِّ والأمنيِّ في بغداد، غداةَ المواقفِ التي أطلقَهَا الأمينُ العامُ لـ"حركةِ النجباء" أكرم الكعبي، التي رفضَ فيها أيُّ تفاهماتٍ مع ما وصفَهَا بـ"القوى الدوليّة الداعمة لإسرائيل"، مؤكدًا تمسّكَ الحركةِ بخيارِ "القوةِ والسلاح". وتبدُو خطواتُ بغداد أقربَ إلى الالتفافِ على الضغوطِ الأميركيّةِ وامتصاصِ مفعولَهَا، خصوصًا أن ملفَ حصرِ السلاحِ يرتبطُ ارتباطًا مباشرًا بطهران.
دوليًّا، نفَى الكرملين وجودَ أيّ خططٍ لاتصالاتٍ بين الرئيسينِ الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب، بشأنِ الحربِ الأوكرانيّةِ التي دخلَت عامَهَا الخامس. في سياقٍ مُتصلٍ، حثّت دولُ شمالِ أوروبا ومنطقة البلطيق، أمسِ الثلاثاء، على تعزيزِ الدفاعِ المشتركِ ومواجهةِ مخاطرَ الحربِ الآخذةِ في التزايدِ. وذلكَ، عقبَ احتضان العاصمةِ الإستونية تالين، قمة شاركَ فيها قادةُ كلٍّ من الدنمارك وإستونيا وليتوانيا وفنلندا وآيسلندا ولاتفيا والنرويج والسويد، بحضورِ الرئيسِ الأوكراني فلوديمير زيلينسكي.
وإليكم أبرز ما تناولته بعض الصحف العربية الصادرة اليوم:
أشارت صحيفة "عكاظ" السعودية إلى أنه "بينما تعزّز إيران من وجودها الجيوسياسي وتأثيرها على ما يشكّل شريان الملاحة الدولية للطاقة في المنطقة، بتأثيرها الاستراتيجي المتمثل في تحكمها على مضيق هرمز، تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على تحييد دور إيران التحكم في مضيق هُرمز، لأن التعثر في هذا الأمر يسلّط الضوء على التحديات التي تواجهها في مواقع استراتيجية مهمة، مثل مضيق ملقا وممر تايوان ومنطقة بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان، ما يؤثر على وجودها في تلك المنطقة، في أي واجهة محتملة مع الصين". وأوضحت أنه "في غياب الحسم العسكري، في منطقة الخليج العربي، فإن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه، ربما تأجيلًا للحسم، لجولة أو جولات قتال مستقبلاً، تلعب فيها الحرب، دورًاً أكثر حسمًا، من ذلك الذي قد توفره الدبلوماسية. في كل الأحوال، كما يُقال: الحرب ما هي إلا إدارة للدبلوماسية، لكن بصورة عنيفة".
وقالت صحيفة "الأهرام" المصرية إنه "بكلمة واحدة استطاع الرئيس ترامب أن يوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل. إن ذلك يعنى أن ترامب كان يستطيع وقف الحرب من البداية، وكان من الممكن ألا يسمع لعصابة تل أبيب من البداية. وهذا ينطبق على كل الأحداث الدامية التى شهدتها المنطقة، فقد كان من الممكن أن يوقف تدمير غزة وقتل مئات الآلاف، بل إنه صاحب الدعوة لتحويلها إلى منتجع عالمي". وأضافت: "لقد خدع الرئيس ترامب العالم بعشرات الأحاديث عن السلام، واتضح فى النهاية أنه كان داعية للتضليل، وإذا كان بكلمة أوقف الحرب بين إيران وإسرائيل، فلماذا لم يفعل ذلك من البداية؟ لقد استولى على بترول فنزويلا واختطف رئيسها، وترك إسرائيل تمارس وحشيتها ضد أطفال غزة، وكان من الممكن أن يوقف ذلك كله، ولكن التناقضات التي يحملها في سجل العقارات جعلته يتعامل بمنطق الصفقات. والشيء المؤكد أن لديه مفاجآت أخرى لم يكشف عنها بعد".
أما صحيفة "الوطن" البحرينية، فكتبت أن "ما يجري في الخليج العربي اليوم لم يعد سلسلة أحداث متفرقة، بل نمطًا متكررًا من الضغط يعيد تشكيل مفهوم الاستقرار ذاته. فالتوترات والاعتداءات التي طالت دولاً مثل البحرين والكويت مؤخراً لا يمكن قراءتها خارج سياقها الأوسع، حيث تتداخل السياسة بالأمن، وتتحول الأدوات غير المباشرة إلى جزء من إدارة النفوذ الإقليمي، وفي قلب هذا المشهد يبرز نظام إيران كفاعل رئيسي في إنتاج هذا النوع من التوازن غير المستقر". وأكدت أن "استقرار دول الخليج العربي لم يعد شأنًا داخليًا محضًا، بل عنصرًا بنيويًا في استقرار المنطقة. فأي مساس به لا يبقى محصورًا داخل الحدود، بل يعيد تشكيل معادلات الأمن الإقليمي والدولي بشكل أوسع".
من جانبها، اعتبرت صحيفة "الغد" الأردنية أن "الغرب أصبح مجموعة مختلفة داخل إطار حضاري عام واحد، هناك غرب أميركي يميل أكثر إلى البراغماتية والقوة والنزعة الإمبراطورية العالمية، وغرب أوروبي يحاول تقديم نفسه كنموذج قانوني وإنساني أقل ميلًا لاستخدام القوة العسكرية. بينما هناك غرب ليبرالي عالمي يؤمن بالحدود المفتوحة والعولمة والتعددية، وغرب قومي محافظ يرى أن العولمة أضعفت المجتمعات الوطنية وهددت الهويات التاريخية". وتابعت أن "ما نراه اليوم ليس نهاية الغرب بقدر ما هو نهاية الصورة القديمة التي كانت تقدمه كوحدة متجانسة ذات صوت واحد. لذلك، ربما علينا تعريف أي غرب نتحدث عنه حين نقول الغرب، لكي نكون أكثر تحديدًا ودقة، فالمسألة أصبحت أصعب بكثير مما كانت عليه قبل نصف قرن".
(رصد "عروبة 22")

