أَوَّلًا، المَوارِدُ المالِيَّةُ: يَبْلُغُ رَأْسُمالِ صُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيِّ 10 مِلْياراتِ دولارٍ فَقَط. وَلِتَوْضيحِ حَجْمِ ذَلِك، يَبْلُغُ رَأْسُمالِ صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ تْريلْيونَ دولار، ما يَعْني أَنَّ رَأْسَمالَ صُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيِّ لا يَتَجاوَزُ 1% مِنْ رَأْسِمالِ صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيّ، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الاقْتِصادَ العَرَبِيَّ يُمَثِّلُ 5% مِنَ الاقْتِصادِ العالَمِيّ!.
إِضافَةً إِلى ذَلِكَ، يَبْلُغُ إِجْمالِيُّ الائْتِمانِ القائِمِ الَّذي قَدَّمَهُ صُنْدوقُ النَّقْدِ الدَّوْلِيُّ إِلى الدولِ الأَعْضاءِ حاليًّا 170 مِلْيارَ دولار (مِنْها 55 مِلْيارَ دولارٍ لِلْأَرْجَنْتينِ وَحْدَها)، في حينِ لا يَتَجاوَزُ إِجْمالِيُّ الائْتِمانِ القائِمِ لَدى صُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيِّ 840 مِلْيونَ دولار. وَالأَهَمُّ أَنَّ هذِهِ الأَرْقامَ تُظْهِرُ أَنَّهُ، بِالنِّسْبَةِ إِلى كُلٍّ مِنْ صُنْدوقِ النَّقْدِ الدَّوْلِيِّ وَصُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيّ، فَإِنَّ الطَّلَبَ عَلى مَوارِدِهِما آخِذٌ في التَّراجُع، وَيَبْدو أَنَّهُما يُواجِهانِ تَناقُصًا في عَدَدِ المُسْتَفيدينَ مِنْ خِدْماتِهِما، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حَقيقَةِ أَنَّ قاعِدَةَ رَأْسِمالِ صُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيِّ مَحْدودَةٌ جِدًّا.
لم ينجح في إنشاء عملة عربية موحّدة بسبب غياب الإرادة السياسية وغياب الجدية الاقتصادية
ثانِيًا، المُلاءَمَةُ وَالأَهَمِّيَّة: بِصورَةٍ عامَّة، يُمْكِنُ تَلْخيصُ أَهْدافِ صُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيِّ بِما يَلِي: دَعْمُ ميزانِ المَدْفوعات؛ إِزالَةُ القُيودِ على المَدْفوعات؛ تَشْجيعُ التِّجارَةِ البَيْنِيَّةِ وَالانْفِتاحِ في الحِسابِ الجاري؛ تَطْويرُ الأَسْواقِ المالِيَّة؛ تَقْديمُ المَشورَةِ بِشَأْنِ الاسْتِثْماراتِ الأَجْنَبِيَّة؛ تَعْزيزُ التَّعاوُنِ النَّقْدِيّ؛ وَإِنْشاءُ عُمْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَة. وَلِتَحْقيقِ هَذِهِ الأَهْداف، يَعْتَمِدُ الصُّنْدوقُ الوَسائِلَ وَالآلِيّاتِ التّالِيَة: الدَّعْمُ المالِيُّ وَالقُروض؛ المُساعَدَةُ الفَنِّيَّةُ وَدَعْمُ السِّياسات؛ بِناءُ القُدُراتِ وَالتَّدْريب؛ البُحوثُ وَإِدارَةُ قَواعِدِ البَيانات؛ وَالخِدْماتُ الاسْتِشارِيَّةُ وَالمُشاوَرات.
وَلا يَبْدو التَّقْييمُ العامُّ وَالموجَزُ لِمَدى نَجاحِ صُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيِّ في تَحْقيقِ أَهْدافِهِ مُشَجِّعًا إِلى حَدٍّ كَبير. فَمَوارِدُهُ مَحْدودَةٌ جِدًّا لِدَعْمِ اخْتِلالاتِ ميزانِ المَدْفوعاتِ وَلِفَرْضِ إِزالَةِ القُيودِ على حِسابِ رَأْسِ المالِ وَالحِسابِ الجاري. وَعَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ رُبَّما أَسْهَمَ في تَطْويرِ الأَسْواقِ المالِيَّةِ وَتَعْزيزِ التَّعاوُنِ النَّقْدِيِّ بَيْنَ الدولِ العَرَبِيَّة، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْجَح، بِطَبيعَةِ الحال، في إِنْشاءِ عُمْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَة. وَيَعودُ السَّبَبُ في ذَلِكَ بِدَرَجَةٍ أَقَلَّ إِلى تَوافُرِ المَوارِدِ المالِيَّة، وَبِدَرَجَةٍ أَكْبَرَ إِلى غِيابِ الإِرادَةِ السِّياسِيَّة، وَغِيابِ الجِدِّيَّةِ الاقْتِصادِيَّة، وَبِالتّالي غِيابِ المُلاءَمَةِ وَالأَهَمِّيَّة. وَمع ذَلِك، فَإِنَّ الجِدِّيَّةَ وَالأَهَمِّيَّةَ الاقْتِصادِيَّةَ وَالمُلاءَمَةَ يُمْكِنُ اسْتِعادَتُها (جُزْئِيًّا أَوْ حَتّى بِالكامِل) إِذا رَكَّزَ صُنْدوقُ النَّقْدِ العَرَبِيُّ عَلى وَسائِلِهِ وَآلِيّاتِهِ الأُخْرى، لا سِيَّما في مَجالاتِ المُساعَدَةِ الفَنِّيَّةِ وَدَعْمِ السِّياسات، وَبِناءِ القُدُراتِ وَالتَّدْريب، وَالبُحوثِ وَإِدارَةِ قَواعِدِ البَيانات، وَهِيَ مَجالاتٌ تَتَمَتَّعُ بِمُسْتَوًى جَيِّدٍ نِسْبِيًّا لَدى الصُّنْدوقِ وَيُمْكِنُ البِناءُ عَلَيْها بِصورَةٍ راسِخَة.
عالم عربي مُوحّد لن يتعرّض للهزيمة
وَعَلى وَجْهِ التَّحْديد، فَإِنَّ إِثْراءَ مُحْتَوى هذِهِ المَجالات، وَتَحْسينَ آلِيّاتِ تَقْديمِها، وَتَوْسيعَ نِطاقِها، لَنْ يُعَزِّزَ فَقَطِ الميزَةَ الاقْتِصادِيَّةَ لِصُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيّ، بَلْ سَيُسْهِمُ أَيْضًا في تَعْميمِ فَوائِدِها عَلى جَميعِ الدولِ الأَعْضاء[2]. وَمِنْ هذا المُنْطَلَق، لا يَنْبَغي النَّظَرُ إِلى تَقْليصِ أَهَمِّيَّةِ الدَّعْمِ المالِيِّ وَالقُروضِ بِاعْتِبارِهِ خَسارَةً أَوْ عَقَبَةً أَمامَ اكْتِسابِ الصُّنْدوقِ مَزيدًا مِنَ المُلاءَمَةِ وَالأَهَمِّيَّة. وَيَعودُ ذَلِكَ إِلى أَنَّ الدَّعْمَ المالِيَّ يَسْتَنِدُ إِلى فِكْرَةٍ مُفادُها أَنَّ القُروضَ تُمْنَحُ إِذا جَرى تَنْفيذُ الإِصْلاحِ وَالتَّكَيُّفِ الاقْتِصادِيّ (أَيْ المُشْروطِيَّة). وَيُشْبِهُ ذَلِكَ وَعْدَ الأَطْفالِ بِمَنْحِهِمُ المالَ إِذا تَناوَلوا الخُضْراوات؛ لَكِنْ ما يَحْدُثُ في الواقِعِ هُوَ أَنَّ الأَطْفالَ غالِبًا ما يَأْخُذونَ المالَ وَيُحاوِلونَ قَدْرَ الإِمْكانِ التَّهَرُّبَ مِنْ تَناوُلِ الخُضْراوات، أَوْ يَكْتَفونَ بِتَناوُلِ كَمِّيَّةٍ قَليلَةٍ جِدًّا مِنْها.
وَالمَغْزى مِنْ هذا التَّشْبيهِ يُفَسِّرُ إِلى حَدٍّ كَبيرٍ سَبَبَ نُدْرَةِ نَجاحِ بَرامِجِ الإِصْلاحِ المَدْعومَةِ ماليًّا[3]. كَما يُفَسِّرُ أَيْضًا لِماذا لا يُوَفِّرُ حَتّى صُنْدوقُ النَّقْدِ الدولِيُّ سِوى عَدَدٍ مَحْدودٍ جِدًّا مِنْ بَرامِجِ الدَّعْمِ المالِيّ (بِما يُعادِلُ 17% مِنْ رَأْسِمالِه)، في حينِ يُرَكِّزُ حاليًّا بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ عَلى مَجالاتٍ مُماثِلَةٍ لِتِلْكَ الَّتي نَقْتَرِحُ أَنْ يَمْنَحَها صُنْدوقُ النَّقْدِ العَرَبِيُّ اهْتِمامًا أَكْبَرَ وَأَقْوى.
ينبغي أن يكتسب مشروع الوحدة السياسية والاقتصادية العربية زخمًا وأولوية
وَأَخيرًا، يُمْكِنُ تَعْزيزُ مُلاءَمَةِ وَأَهَمِّيَّةِ صُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيِّ مِنْ خِلالِ عامِلٍ إِضافِيٍّ مُهِمّ، حَتّى وَلَوْ في المُسْتَقْبَلِ البَعيد. فَقَدْ أَظْهَرَتِ الحَرْبُ الحالِيَّةُ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ أَنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ المُنْقَسِمَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْهَزيمَةِ بِسُهولَةٍ أَمامَ خُصومٍ مِثْلَ إيرانَ وَإِسْرائيل، في حينِ أَنَّ عالَمًا عَرَبِيًّا مُوَحَّدًا على الأَرْجَحِ لَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِك. بِناءً عَلَيْهِ، يَنْبَغي أَنْ يَكْتَسِبَ مَشْروعُ الوَحْدَةِ السِّياسِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّةِ العَرَبِيَّةِ زَخَمًا وَأَوْلَوِيَّةً مُتَجَدِّدَيْن. في هذا السِّياق، وَخُصوصًا إِذا تَحَوَّلَ ما نَتَمَنّاهُ إِلى واقِعٍ، وَلَوْ تَدْريجِيًّا، يُمْكِنُ لِصُنْدوقِ النَّقْدِ العَرَبِيّ (إِلى جانِبِ مُؤَسَّساتٍ أُخْرى) أَنْ يُؤَدِّيَ دَوْرًا مُهِمًّا في إِدارَةِ مِلَفِّ التَّكامُلِ النَّقْدِيّ، شَريطَةَ أَنْ تُمْنَحَ لَهُ المَكانَةُ السِّياسِيَّةُ وَالقُوَّةُ المُؤَسَّسِيَّةُ الكافِيَتانِ حَتّى يَعْمَلَ عَلى ضَمانِ تَنْفيذِ هذا المَلَفِّ على النَّحْوِ الصَّحيح.
[1] نافِع، مِدْحَت. "صُنْدوقُ النَّقْدِ العَرَبِيّ: مُؤَسَّسَةٌ لَمْ تَكْتَمِل"، "عُروبَة 22"، 7 تَمّوز/يولْيو 2026.
[2] مِثالٌ بَسيطٌ: يُمْكِنُ لِلصُّنْدوقِ القِيامُ كُلَّ سَنَتَيْنِ بِتَقْييمٍ شامِلٍ لِاقْتِصادِ كُلِّ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الأَعْضاء، مَعَ التَّوْصِيَةِ بِالسِّياساتِ المُلاءِمَة، عَلى غِرارِ ما يَقومُ بِهِ صُنْدوقُ النَّقْدِ الدُّوَلِيُّ في مُشاوَراتِ البَنْدِ الرّابِع.
[3] تَجْدُرُ الإِشارَةُ إِلى أَنَّ العَديدَ مِنَ الإِصْلاحاتِ لا يَتَطَلَّبُ مَوارِدَ مالِيَّةً، أَهَمُّها إِصْلاحاتُ الحَوْكَمَةِ الرَّشيدَةِ وَالتَّنْظيمِ الإِدارِيِّ وَالانْفِتاحِ التِّجارِيّ.
(خاص "عروبة 22")

