فلسطين... القضية والبوصلة

النَّشيدُ الإسرائيلي: النَّصُّ المُؤَسِّسُ لِعَقيدَةِ الاستيلاءِ على فلسطين!

يُعَدُّ النَّشيدُ الوَطَنِيُّ الإِسْرائيلِيُّ "هاتيكفا" (الأَمَلُ) مِنْ أَكْثَرِ النُّصوصِ الرَّمْزِيَّةِ تَعْبيرًا عَنِ البُنْيَةِ الفِكْرِيَّةِ لِلصُّهْيونِيَّةِ الحَديثَة؛ إِذْ يَخْتَزِلُ في عَدَدٍ مَحْدودٍ مِنَ الأَسْطُرِ مَنْظومَةً مُتَكامِلَةً مِنَ التَّصَوُّراتِ المُتَّصِلَةِ بِالهُوِيَّةِ والتّاريخِ والأَرْضِ والمُسْتَقْبَل.

النَّشيدُ الإسرائيلي: النَّصُّ المُؤَسِّسُ لِعَقيدَةِ الاستيلاءِ على فلسطين!

يُعَدُّ هَذا النَّشيدُ نَصًّا تَأْسيسِيًّا أَسْهَمَ في تَشْكيلِ الوَعْيِ القَوْمِيِّ الإِسْرائيلِيّ، وَرَسَّخَ رُؤْيَةً تَجْعَلُ الأَرْضَ الفِلَسْطينِيَّةَ العَرَبِيَّةَ المَجالَ الجُغْرافِيَّ الذي يَتَّجِهُ نَحْوَهُ المَشْروعُ الصُّهْيونِيُّ عَبْرَ الأَجْيال، ساعِيًا إلى فَرْضِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْهِ ضِمْنَ مَشْروعِهِ السِّياسِيِّ والِاسْتيطانِيِّ المُتَواصِل.

الرّوحُ اليَهودِيَّة: نُقْطَةُ الِانْطِلاقِ الإيدْيولوجِيَّة

يَفْتَتِحُ النَّشيدُ خِطابَهُ بِعِبارَة: "طالَما داخِلَ القَلْبِ روحٌ يَهودِيَّةٌ نابِضَة"، جاعِلًا "الرّوحَ اليَهودِيَّةَ" المُنْطَلَقَ الفِكْرِيَّ لِلمَشْروعِ الصُّهْيونِيِّ وَمَصْدَرَ اسْتِمْرارِيَّتِهِ التّاريخِيَّة. وَتُؤَسِّسُ هَذِهِ العِبارَةُ تَصَوُّرًا لِلجَماعَةِ اليَهودِيَّةِ بِاعْتِبارِها وَحْدَةً قَوْمِيَّةً مُمْتَدَّةً عَبْرَ الأَجْيال، تَحْمِلُ رِسالَةً جَماعِيَّةً تُوَجِّهُ حَرَكَتَها نَحْوَ غايَةٍ مُحَدَّدَة.

تعبئة فكرية تمنح مشروع الاستحواذ على الأرض بُعدًا تاريخيًا

وَمِنْ هَذا المُنْطَلَقِ تَتَحَوَّلُ الهُوِيَّةُ إلى قُوَّةِ تَعْبِئَةٍ سِياسِيَّةٍ تَمْنَحُ المَشْروعَ الصُّهْيونِيَّ شَرْعِيَّتَهُ الرَّمْزِيَّة، وَتَرْبِطُ بَيْنَ الوَعْيِ القَوْمِيِّ والسَّعْيِ إلى السَّيْطَرَةِ على الأَرْضِ الفِلَسْطينِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَإِعادَةِ تَشْكيلِ واقِعِها السِّياسِيِّ والدّيموغْرافِيِّ بِما يَنْسَجِمُ مَعَ أَهْدافِ الحَرَكَةِ الصُّهْيونِيَّة.

الحَنينُ إلى الشَّرْق: تَحْديدُ الِاتِّجاهِ الجُغْرافِيِّ لِلمَشْروع

يَنْتَقِلُ النَّشيدُ مُباشَرَةً إلى عِبارَة: "فَحَنينُها يَميلُ إلى الشَّرْق". وَتَحْمِلُ كَلِمَةُ "الحَنينِ" وَظيفَةً سِياسِيَّةً تَتَجاوَزُ بُعْدَها العاطِفِيّ؛ إِذْ تَغْرِسُ في الوَعْيِ الجَماعِيِّ شُعورًا دائِمًا بِالتَّطَلُّعِ نَحْوَ أَرْضٍ مُحَدَّدَة. أَمّا "الشَّرْقُ" فَيُمَثِّلُ المَجالَ الجُغْرافِيَّ المَقْصودَ بِهَذا التَّطَلُّع، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ فِلَسْطينُ التّاريخِيَّةُ العَرَبِيَّةُ إلى الهَدَفِ الذي تَتَّجِهُ نَحْوَهُ الإِرادَةُ الصُّهْيونِيَّةُ المُغْتَصِبَة، وَمِنْ ثَمَّ يَغْدو الحَنينُ أَداةَ تَعْبِئَةٍ فِكْرِيَّةٍ تَسْنُدُ مَشْروعَ الِاسْتِحْواذِ على الأَرْضِ وَتَمْنَحُهُ بُعْدًا تاريخِيًّا وَرَمْزِيًّا مُتَواصِلًا.

صُهْيون: المَرْكَزُ الرَّمْزِيُّ لِلْأَرْض

بَعْدَ تَحْديدِ الِاتِّجاه، يَأْتي تَحْديدُ المَقْصدِ عِنْدَما يُقَرِّرُ النَّشيدُ أَنَّ "عَيْنَها تُطِلُّ على صُهْيون". وَتُمَثِّلُ "صُهْيون" في الفِكْرِ الصُّهْيونِيِّ مَرْكَزًا رَمْزِيًّا يَجْمَعُ التّاريخَ والدّينَ والسِّياسَةَ في إِطارٍ واحِد. وَلِذَلِكَ لَمْ تَرِدْ في النَّشيدِ بِاعْتِبارِها ذِكْرى تاريخِيَّة، وَإِنَّما بِاعْتِبارِها نُقْطَةَ ارْتِكازٍ لِلْمَشْروعِ القَوْمِيِّ كُلِّه.

وَتَكْشِفُ عِبارَةُ "عَيْنُها تُطِلُّ على صُهْيون" عَنْ حالَةِ تَرَقُّبٍ دائِمٍ وَتَوَجُّهٍ مُسْتَمِرٍّ نَحْوَ الأَرْض. فَـ"العَيْنُ" هُنا تَرْمُزُ إلى الوَعْيِ والإِدْراكِ والتَّطَلُّع، وَ"صُهْيونُ" تُمَثِّلُ الهَدَفَ الذي يَشْغَلُ هَذا الوَعْيَ وَيوجِّهُ مَسارَه. وَبِهَذا المَعْنى يُصْبِحُ التَّطَلُّعُ إلى الأَرْضِ جُزْءًا مِنَ العَقيدَةِ السِّياسِيَّةِ الصُّهْيونِيَّة، وَيُصْبِحُ الِاسْتِحْواذُ عَلَيْها وَإِخْضاعُها لِلسِّيادَةِ اليَهودِيَّةِ غايَةً مَرْكَزِيَّةً يَجْري تَرْسيخُها في الوِجْدانِ الجَماعِيِّ عَبْرَ الأَجْيال.

الأَلْفا سَنَة: صِناعَةُ الشَّرْعِيَّةِ التّاريخِيَّةِ المُزَيَّفَة

يَقولُ النَّشيد: "أَمَلُنا لَمْ يَضِعْ بَعْدُ، عُمْرُهُ أَلْفا سَنَة". وَتُؤَدّي هَذِهِ العِبارَةُ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا في بِناءِ الشَّرْعِيَّةِ التّاريخِيَّةِ المُزَيَّفَةِ لِلْمَشْروعِ الصُّهْيونِيّ؛ إِذْ تَجْعَلُ الأَمَلَ مُمْتَدًّا عَبْرَ عِشْرينَ قَرْنًا مِنَ الزَّمَن، وَتَرْبِطُ الحاضِرَ بِسِلْسِلَةٍ طَويلَةٍ مِنَ التَّطَلُّعاتِ التّاريخِيَّة.

"الوطن" أداة إيديولوجية لتبرير الاستحواذ على الأرض العربية

وَيُحَوِّلُ النَّصُّ الزَّمَنَ الطَّويلَ إلى مَصْدَرٍ لِلْحَقِّ السِّياسِيّ؛ فَاسْتِمْرارُ الأَمَلِ عَبْرَ "أَلْفَيْ سَنَة" يَمْنَحُ المَشْروعَ بُعْدًا تاريخِيًّا عَميقًا، وَيُصَوِّرُ العَوْدَةَ إلى الأَرْضِ بِاعْتِبارِها تَحْقيقًا لِتَطَلُّعٍ مُتَواصِلٍ عَبْرَ القُرون. وَمِنْ خِلالِ هَذِهِ الصِّياغَةِ يَنْدَمِجُ الماضي بِالحاضِر، وَتَتَحَوَّلُ الذّاكِرَةُ التّاريخِيَّةُ إلى أَداةٍ لِتَبْريرِ الأَهْدافِ السِّياسِيَّةِ المُعاصِرَة.

الأُمَّةُ الحُرَّة: تَحْويلُ الأَرْضِ إلى شَرْطٍ لِلسِّيادَة

يَبْلُغُ النَّشيدُ غايَتَهُ في قَوْلِه: "أَنْ نَكونَ أُمَّةً حُرَّةً في وَطَنِنا"، حَيْثُ يَرْبِطُ الحُرِّيَّةَ القَوْمِيَّةَ بِالسِّيادَةِ على الأَرْضِ وَيَجْعَلُ الوَطَنَ أَساسَ الشَّرْعِيَّةِ السِّياسِيَّة. وَتَعْكِسُ هَذِهِ العِبارَةُ تَصَوُّرًا يَحْصُرُ الحَقَّ السِّيادِيَّ في جَماعَةٍ قَوْمِيَّةٍ مُحَدَّدَة، وَيُعيدُ تَعْريفَ فِلَسْطينِ التّاريخِيَّةِ العَرَبِيَّةِ بِاعْتِبارِها المَجالَ الذي تَتَحَقَّقُ فيهِ هَذِهِ السِّيادَة. وَمِنْ ثَمَّ تَتَحَوَّلُ فِكْرَةُ "الأُمَّةِ الحُرَّة" إلى مُرْتَكَزٍ إيدْيولوجِيٍّ يَرْبِطُ بَيْنَ بِناءِ الدَّوْلَةِ والِاسْتِحْواذِ على الأَرْض، وَيَمْنَحُ المَشْروعَ الصُّهْيونِيَّ غِطاءً رَمْزِيًّا يَجْعَلُ السَّيْطَرَةَ على المَجالِ الجُغْرافِيِّ شَرْطًا لِتَحْقيقِ أَهْدافِهِ القَوْمِيَّةِ والسِّياسِيَّة.

وَطَنُنا: إِعْلانُ المِلْكِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ لِلْأَرْض

يَسْتَخْدِمُ النَّشيدُ كَلِمَةَ "وَطَنُنا" بِصيغَةِ المِلْكِيَّةِ الجَماعِيَّة، وَتُؤَدّي هَذِهِ المُفْرَدَةُ وَظيفَةً سِياسِيَّةً تَتَجاوَزُ التَّعْبيرَ عَنِ الِانْتِماءِ إِلى تَرْسيخِ تَصَوُّرٍ يَرى فِلَسْطينَ التّاريخِيَّةَ العَرَبِيَّةَ وَطَنًا حَصْرِيًّا لِلْجَماعَةِ التي يَتَحَدَّثُ بِاسْمِها النَّصّ. وَمِنْ خِلالِ هَذِهِ الصِّياغَةِ تُنْسَبُ الأَرْضُ إِلى جَماعَةٍ مُحَدَّدَة، وَتُدْمَجُ في سَرْدِيَّتِها القَوْمِيَّةِ بِاعْتِبارِها مِلْكًا تاريخِيًّا وَحَقًّا سِياسِيًّا خالِصًا لَها.

وَتَمْنَحُ هَذِهِ المُفْرَدَةُ المَشْروعَ الصُّهْيونِيَّ بُعْدًا عَمَلِيًّا واضِحًا؛ إِذْ تَنْتَقِلُ الأَرْضُ مِنْ مُسْتَوى الرَّمْزِ إِلى مُسْتَوى الِادِّعاءِ السِّياسِيِّ والسِّيادِيّ، وَتَتَحَوَّلُ فِكْرَةُ "الوَطَنِ" إِلى أَداةٍ إيدْيولوجِيَّةٍ لِتَبْريرِ الِاسْتِحْواذِ على الأَرْضِ وَإِعادَةِ تَشْكيلِ هُوِيَّتِها السِّياسِيَّةِ والدّيموغْرافِيَّة. كَما تُؤَسِّسُ لِفَهْمٍ يَقومُ على احْتِكارِ الحَقِّ القَوْمِيِّ في المَجالِ الجُغْرافِيِّ وَحَصْرِ السِّيادَةِ في جَماعَةٍ إِثْنِيَّةٍ بِعَيْنِها، الأَمْرُ الذي يُرَسِّخُ نَزْعَةً إِقْصائِيَّةً تَنْظُرُ إِلى الأَرْضِ مِنْ مَنْظورِ المِلْكِيَّةِ الحَصْرِيَّة.

وَمِنْ ثَمَّ تُصْبِحُ اسْتِعادَةُ الأَرْض، وَتَرْسيخُ السَّيْطَرَةِ عَلَيْها، جُزْءًا مِنْ عَمَلِيَّةِ اسْتِكْمالِ الوَطَنِ كَما يَتَصَوَّرُهُ الخِطابُ الصُّهْيونِيّ، وَتُصْبِحُ كَلِمَةُ "وَطَنِنا" مِنْ أَكْثَرِ مُفْرَداتِ النَّشيدِ تَعْبيرًا عَنِ الرَّغْبَةِ في إِضْفاءِ الشَّرْعِيَّةِ الرَّمْزِيَّةِ على مَشْروعِ الِاسْتيلاءِ على فِلَسْطينَ التّاريخِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَإِخْضاعِها لِسِيادَةٍ قَوْمِيَّةٍ يَهودِيَّةٍ حَصْرِيَّة.

أَرْضُ صُهْيونَ وأورُشَليم: اكْتِمالُ الرُّؤْيَةِ الجِيوسِياسِيَّة

يَخْتَتِمُ النَّشيدُ خِطابَهُ بِعِبارَةِ "أَرْضُ صُهْيونَ وَأورُشَليمَ"، وَتُمَثِّلُ هَذِهِ العِبارَةُ الذُّرْوَةَ الفِكْرِيَّةَ لِلنَّصِّ كُلِّه؛ لِأَنَّها تَجْمَعُ عَناصِرَ المَشْروعِ الصُّهْيونِيِّ في صيغَةٍ واحِدَة: الأَرْض، والهُوِيَّة، والتّاريخ، والسِّيادَة. وَمِنْ خِلالِها تَنْتَقِلُ الصُّهْيونِيَّةُ مِنْ مَرْحَلَةِ التَّطَلُّعِ والحَنينِ إِلى مَرْحَلَةِ تَحْديدِ المَجالِ الجُغْرافِيِّ الذي يَسْتَهْدِفُهُ المَشْروعُ القَوْمِيُّ بِصورَةٍ صَريحَةٍ وَمُباشِرَة.

مشروع استيطاني لإخضاع فلسطين لرؤية صهيونية شاملة

فَالأَرْضُ هُنا تَكْتَسِبُ قيمَةً دينِيَّةً وَقَوْمِيَّةً وَتاريخِيَّةً تَجْعَلُها مِحْوَرًا لِلْوَعْيِ الصُّهْيونِيِّ وَغايَةً نِهائِيَّةً لِلْحَرَكَةِ السِّياسِيَّة. كَما أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ "صُهْيونَ" وَ"أورُشَليمَ" يُضْفي على المَكانِ قَداسَةً وَرَمْزِيَّةً اسْتِثْنائِيَّة، وَيَمْنَحُهُ مَكانَةً مَرْكَزِيَّةً في المِخْيالِ السِّياسِيِّ الصُّهْيونِيّ، بِما يُحَوِّلُهُ مِنْ فَضاءٍ جُغْرافِيٍّ إِلى مَوْضوعٍ لِلسِّيادَةِ والهَيْمَنَةِ والِاسْتِحْواذ.

وَبِهَذا تُمَثِّلُ خاتِمَةُ النَّشيدِ تَتْويجًا لِلْمَسارِ الإيدْيولوجِيِّ الذي بَدَأَ بِـ"الرّوحِ اليَهودِيَّة"، ثُمَّ مَرَّ بِـ"الحَنينِ إِلى الشَّرْق" وَ"التَّطَلُّعِ إِلى صُهْيون"، وانْتَهى بِإِعْلانِ الأَرْضِ مَوْضوعًا لِلسِّيادَةِ القَوْمِيَّةِ وَمَجالًا لِتَحْقيقِ مَشْروعٍ اسْتيطانِيٍّ إِحْلالِيٍّ يَقومُ على الِاسْتيلاءِ على فِلَسْطينَ التّاريخِيَّةِ العَرَبِيَّةِ وَإِخْضاعِها لِرُؤْيَةٍ صُهْيونِيَّةٍ شامِلَة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن