في عالَمٍ يَحْتَكِمُ إِلى مَنْطِقِ القُوَّةِ البَحْتِ لا إِلى نُصوصِ القانونِ الدَّوْلِيّ، وَمِنْ دونِ أَيِّ الْتِزاماتٍ أَخْلاقِيَّة، يَكْتَشِفُ الفاعِلُ السِّياسِيُّ أَنَّ إيمانَهُ بِعَدالَةِ قَضِيَّتِهِ لا يَكْفي وَحْدَهُ لِإِقْناعِ العالَمِ بِأَنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ عادِلَة.
النُّفوذُ هُوَ القُدْرَةُ عَلى فَرْضِ رُؤْيَتِكَ كَجُزْءٍ مِنَ الواقِع، لَكِنَّ المُعْضِلَةَ التي تَظَلُّ تُؤَرِّقُ صانِعَ القَرارِ العَرَبِيَّ هِيَ: كَيْفَ يَتَحَقَّقُ هَذا النُّفوذُ في ظِلِّ تَعْقيداتِ المَشْهَدِ الدَّوْلِيِّ الرّاهِن؟.
الدولة التي تمتلك موارد من دون "لوبي" هي كمن يمتلك طاقة من دون مُحرّك
لَطالَما رَكَّزَتِ الدِّراساتُ الكْلاسيكِيَّةُ لِلْمَدْرَسَةِ الواقِعِيَّة، لا سِيَّما في أَعْقابِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، عَلى مَفاهيمِ القُوَّةِ الصُّلْبَة. كانَ تَعْريفُ القُوَّةِ حينَها مُتَمَحْوِرًا حَوْلَ التُّرْسانَةِ العَسْكَرِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، وَالقُدُراتِ النَّوَوِيَّة، وُصولًا إِلى الأَسْلِحَةِ البِيولوجِيَّةِ وَالكيمْيائِيَّة. وَمَعَ تَطَوُّرِ النِّظامِ الدَّوْلِيّ، أُضيفَ الاقْتِصادُ كَرَكيزَةٍ أَساسِيَّة، ثُمَّ جاءَتْ صَدْمَةُ النَّفْطِ الأُولى عامَ 1973 لِتَضَعَ المَوارِدَ الطَّبيعِيَّةَ في قَلْبِ مُعادَلاتِ القُوَّة. وَمَعَ ذَلِك، ثَمَّةَ فَجْوَةٌ تَحْليلِيَّةٌ كَبيرَةٌ ظَلَّتْ قائِمَة؛ فَامْتِلاكُ هَذِهِ المَوارِد، مَهْما بَلَغَتْ ضَخامَتُها، لَمْ يُتَرْجَمْ بِالضَّرورَةِ إِلى نُفوذٍ سِياسِيٍّ في العَواصِمِ الغَرْبِيَّة، وَالسَّبَبُ يَكْمُنُ في غِيابِ جَماعاتِ الضَّغْطِ أَوْ ما يُعْرَفُ بِـ"اللّوبِي".
لَطالَما عَرَفَتِ السِّياساتُ الغَرْبِيَّةُ دَوْرَ جَماعاتِ الضَّغْطِ كَجُزْءٍ أَصيلٍ مِنْ مُمارَسَتِها الدّاخِلِيَّة، لَكِنَّ دَوْرَها في السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ ظَلَّ لِعُقودٍ بَعيدًا عَنِ الرَّصْدِ الأَكاديمِيِّ الدَّقيق. الحَقيقَةُ أَنَّ اللّوبِي هُوَ التَّرْجَمَةُ العَمَلِيَّةُ لِلْقُوَّةِ الخام؛ هُوَ الوَسيطُ الذي يُحَوِّلُ المالَ وَالسِّلاحَ وَالمَوْقِعَ الجُغْرافِيَّ وَوَفْرَةَ المَوارِدِ إِلى نُفوذٍ مَلْموس.
بِعِبارَةٍ أُخْرى، إِذا كانَتِ الدَّوْلَةُ تَمْتَلِكُ مَوارِدَ قُوَّةٍ وَلا تَمْلِكُ "اللوبِي"، فَهِيَ كَمَنْ يَمْتَلِكُ طاقَةً هائِلَةً مِنْ دونِ مُحَرِّك! هَذا يُفَسِّرُ لِماذا يَظَلُّ السُّؤالُ العَرَبِيُّ عالِقًا: لِماذا لا تَتَحَوَّلُ ثَرَواتُنا وَمَوارِدُنا إِلى نُفوذٍ حَقيقِيّ؟ الإِجابَةُ في أَحَدِ أَوْجُهِها هِيَ أَنَّ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ تَفْتَقِرُ إِلى جَماعاتِ ضَغْطٍ مُحْتَرِفَةٍ قادِرَةٍ عَلى تَسْييسِ مَوارِدِ قُوَّتِها داخِلَ الأَنْظِمَةِ السِّياسِيَّةِ الغَرْبِيَّة.
السياسة الغربية تُدار من خلال القنوات الخلفية
"اللّوبي" في جَوْهَرِهِ مُحاوَلَةٌ مُنَظَّمَةٌ وَمُحْتَرِفَةٌ لِدَفْعِ صانِعِ القَرارِ نَحْوَ تَبَنّي مَوْقِف، أَوْ حِمايَةِ مَصْلَحَة، أَوْ عَرْقَلَةِ ضَرَرٍ مُحْتَمَل. وَهُوَ يَعْمَلُ في الخارِجِ بِالقَواعِدِ عَيْنِها التي يَعْمَلُ بِها في الدّاخِل. سَواءٌ كانَ "اللّوبِي" يُمَثِّلُ شَرِكَةَ سِلاحٍ عِمْلاقَة، أَوِ اتِّحادَ مُزارِعين، أَوْ أَقَلِّيَّةً عِرْقِيَّة، فَإِنَّ القاسِمَ المُشْتَرَكَ هُوَ القُدْرَةُ عَلى الوُصولِ إِلى صانِعِ القَرارِ وَالتَّأْثيرِ في أَجَنْدَتِهِ السِّياسِيَّة. فَالسِّياسَةُ لا تَتَحَرَّكُ فَقَطْ عَبْرَ الخُطَبِ الرَّنّانَةِ أَوِ المَبادِئِ في مَعْناها المُجَرَّد، بَلْ عَبْرَ شَبَكاتٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ العَلاقات، وَالتَّمْويل، وَالمَعْلومات، وَالخِبْرَة، وَالرَّسائِلِ المُتَكَرِّرَةِ التي تَصِلُ إِلى السِّياسِيِّ في تَوْقيتِها الدَّقيقِ وَبِاللُّغَةِ التي يُدْرِكُها.
لِنَأْخُذِ النَّموذَجَ الأَميرِكِيَّ؛ مِنَ الصَّعْبِ فَهْمُ السِّياسَةِ الخارِجِيَّةِ الأَميرِكِيَّةِ وَانْحِيازاتِها مِنْ دونِ فَهْمِ دَوْرِ جَماعاتِ الضَّغْط. هَذا لا يَعْني، كَما يُرَوِّجُ البَعْض، أَنَّ الدَّوْلَةَ رَهينَةٌ لِجَماعَةٍ واحِدَة، فَهَذا تَبْسيطٌ مُخِلّ. وَلَكِنَّهُ يَعْني أَنَّ "اللّوبِي" النّاجِحَ هُوَ ذَلِكَ الذي يَمْتَلِكُ مَفاتيحَ النِّظام: الكونْغْرِس، وَمَراكِزَ الفِكْر، وَالمَحاكِم، وَالإِداراتِ التَّنْفيذِيَّةِ المُتَلاحِقَة.
قُوَّةُ لَجْنَةِ الشُّؤونِ العامَّةِ الأَميرِكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ المَعْروفَةِ بِاسْمِ "أَيْباك" لا تَنْبَعُ فَقَطْ مِنْ تَبَنّيها لِقَضِيَّةِ إِسْرائيل، بَلْ مِنْ قُدْرَتِها عَلى تَحْويلِ هَذا التَّبَنّي إِلى شَبَكَةِ عَلاقات، وَتَمْويلٍ سِياسِيٍّ مَدْروس، وَصِناعَةِ سَرْدِيَّةٍ سِياسِيَّةٍ تَدْمِجُ المَصْلَحَةَ الإِسْرائيلِيَّةَ في نَسيجِ المَصالِحِ الأَميرِكِيَّة. وَبِالمِثْل، تُدْرِكُ الجَمْعِيَّةُ الوَطَنِيَّةُ لِلسِّلاح، وَهِيَ واحِدَةٌ مِنْ أَقْوى جَماعاتِ الضَّغْطِ داخِلَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، أَنَّ نُفوذَها مُسْتَمَدٌّ مِنْ قُدْرَتِها عَلى مُعاقَبَةِ أَوْ مُكافَأَةِ السِّياسِيّينَ انْتِخابِيًّا، وَصِناعَةِ هُوِيَّةٍ ثَقافِيَّةٍ تَجْعَلُ مِنْ قَضِيَّتِها جُزْءًا مِنَ المُقَدَّساتِ الأَميرِكِيَّة.
كلّ دولة عربية تعمل وكأنّها جزيرة مستقلّة بينما تعمل جماعات الضغط ككتلة صلبة
مَا الذي يَحْتاجُهُ "اللّوبي" لِيُصْبِحَ ناجِحًا؟ يَحْتاجُ أَوَّلًا إلى وُضوحِ الْمَصْلَحَة؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ الضَّغْطُ بِفاعِلِيَّةٍ إِذا كانَ الْهَدَفُ غامِضًا. يَحْتاجُ ثانِيًا إلى اسْتِدامَةِ التَّنْظيم؛ فَلَا نَفْعَ مِنْ حَمَاسٍ مَوْسِمِيٍّ يَذْبُلُ بَعْدَ انْتِهاءِ الْأَزْمَة. يَحْتاجُ ثالِثًا إلى مَوارِدَ مالِيَّةٍ وَقانونِيَّةٍ وَإِعْلامِيَّة، وَرابِعًا إلى إِدْراكٍ دَقيقٍ لِتَفاصيلِ النِّظام: مَنْ يَمْلِكُ الْقَرار؟ أَيُّ لَجْنَةٍ هِيَ صاحِبَةُ الِاخْتِصاص؟ وَكَيْفَ نَصوغُ السَّرْدِيَّة؟ فَالنّاسُ، وَالسِّياسِيّونَ مِنْهُمْ بِشَكْلٍ خاصّ، لَا يَتَحَرَّكونَ لِمَصْلَحَةٍ مُجَرَّدَة، بَلْ لِقَضِيَّةٍ يُمْكِنُ تَقْديمُهَا في قالَبِ أَمْن، أَوِ اسْتِقْرَار، أَوْ قيمَةٍ أَخْلاقِيَّة.
وَهُنا تَبْرُزُ إِشْكالِيَّةُ الْفَجْوَةِ بَيْنَ الْواقِعِ الْعَرَبِيِّ وَآلِيّاتِ الْعَمَلِ في عَواصِمِ الدُّوَلِ الْكُبْرى؛ فَبَيْنَما يَنْشَغِلُ النِّظامُ السِّياسِيُّ الْعَرَبِيُّ بِمُخاطَبَةِ الرَّأْيِ الْعامِّ في الدّاخِلِ أَوْ بِالْبَياناتِ الدّيبْلوماسِيَّةِ الْمُوَجَّهَةِ لِلْأَنْظِمَةِ الْأُخْرى، تُدارُ السِّياسَةُ الْغَرْبِيَّةُ مِنْ خِلالِ الْقَنَواتِ الْخَلْفيةِ حَتّى في أَكْثَرِ الدُّوَلِ ديموقْراطِيَّة!.
عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَة، يُصْبِحُ السُّؤالُ الْعَرَبِيُّ مُؤْلِمًا وَمُحَفِّزًا في آنٍ واحِد. نَحْنُ نَمْتَلِكُ عَناصِرَ الْقُوَّة، وَلَدَيْنا جالِيّاتٌ واسِعَةٌ، وَنُخَبٌ مِنَ الْأَكاديمِيّينَ وَالْأَطِبّاءِ وَرِجالِ الْأَعْمالِ الْمُنْتَشِرينَ في عَواصِمِ الْقَرار. لَكِنَّ هَذِهِ الْعَناصِرَ تَظَلُّ غَيْرَ مُوَحَّدَةٍ بِشَكلٍ سِياسِيٍّ وَاسْتِراتيجِيّ. غِيابُ "اللّوبي الْعَرَبِيِّ" لَا يَعْني غِيابَ الْمُحاوَلات، بَلْ يَعْني تَشَتُّتَ الْجُهود. إِنَّنا نَتَحَرَّكُ غالِبًا بِرَدِّ فِعْلٍ تُجاهَ كارِثَة، وَنَتْرُكُ السّاحَةَ فَوْرَ انْتِهائِهَا لِلْآخَرينَ الذينَ يَكْتُبونَ الْقَوانينَ وَيَصوغونَ الْمُوازَنات.
الْمُشْكِلَةُ تَكْمُنُ في الْفَرْدِيَّة؛ فَكُلُّ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ تَعْمَلُ وَكَأَنَّها جَزيرَةٌ مُسْتَقِلَّة، بَيْنَما تَعْمَلُ جَماعاتُ الضَّغْطِ الْأُخْرى كَكُتْلَةٍ صُلْبَة. الْمَصْلَحَةُ الْعَرَبِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ التي لَا يُمْكِنُ اخْتِزالُهَا فَقَطْ في التَّعْريفِ التَّقْليدِيِّ لِلْقَوْمِيَّةِ الْعَرَبِيَّة، وَلَكِنْ تُشيرُ أَيْضًا إلى قَضايا سِياسِيَّةٍ وَأَمْنِيَّةٍ إِقْليمِيَّة، كَمَنْعِ تَهْجيرِ الْفِلَسْطينِيّين، أَوْ حِمايَةِ الْمِلاحَة، أَوْ مُواجَهَةِ حَمَلاتِ التَّشْويه، تَظَلُّ شِعاراتٍ تَفْتَقِرُ إلى مُؤَسَّساتٍ قادِرَةٍ على التَّأْثير. وَبِالتّالي، فَالدَّعْوَةُ هُنَا لَيْسَتْ إلى وَحْدَةٍ قَوْمِيَّةٍ عَاطِفِيَّة، بَلْ إلى إِدارَةٍ لِلْمَصالِحِ الْبْراغْماتِيَّةِ التي تَشْتَرِكُ الدُّوَلُ الْعَرَبِيَّةُ فيهَا بِحُكْمِ التَّجاوُرِ الْجُغْرَافِيِّ على الْأَقَلّ!.
النظام الدولي يقرأ موازين التأثير والعالم يُدار بلغة المصالح
تَكْمُنُ الْمُفارَقَةُ في أَنَّ حالَةَ الِاسْتِياءِ الْعَرَبِيِّ السّائِدَةَ تُجاهَ سَطْوَةِ مَراكِزِ الضَّغْطِ الْمُنافِسَة، لَا تَقْتَرِنُ بِالضَّرورَةِ بِمُحاوَلَةٍ جِدِّيَّةٍ لِفَهْمِ هَياكِلِها التَّنْظيمِيَّة؛ إِذْ نَكْتَفي غالِبًا بِالِاعْتِراضِ الْأَخْلَاقِيِّ على "أَيْباك" مِنْ دونِ تَفْكيكِ الْبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ التي تَمْنَحُها فاعِلِيَّتَها.
إِنَّ النِّظامَ الدَّوْلِيَّ لَا يَتَعامَلُ مَعَ الْمَظْلومِيَّةِ كَقيمَةٍ سِياسِيَّة، بَلْ يَقْرَأُ مَوازينَ التّأْثير؛ وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ إِخْفاقَنا في الْوُصولِ إلى أُذُنِ الْقَرارِ الْغَرْبِيِّ يَعودُ إلى إِصْرارِنَا على مُخاطَبَةِ الْعالَمِ بِمَرْجِعِيّاتٍ عاطِفية، بَيْنَما تُدارُ هَذِهِ الْعَواصِمُ بِلُغَةِ الْمَصالِحِ وَالشَّبَكاتِ الْمُؤَسَّسِيَّة.
إِنَّ الْمُبادَرَةَ بِتَأْسيسِ "لوبي" عَرَبِيّ، لَا تَهْدِفُ بِالضَّرورَةِ إلى خَلْقِ قُوَّةٍ سِحْرِيَّةٍ قادِرَةٍ على قَلْبِ الطّاوِلَةِ فَوْرًا، بَلْ هِيَ ضَرورَةٌ بُنْيَوِيَّةٌ لِانْتِزاعِ مَكانٍ لَنا في الْغُرَفِ التي تُصاغُ فيها السِّياسات!.
(خاص "عروبة 22")

