بينما كانت أنظار الملايين تتجه نحو الملاعب الأمريكية لمتابعة انطلاق كأس العالم 2026، كانت صافرة من نوع آخر تدوي فى الشرق الأوسط، معلنة العودة إلى نقطة الصفر في صراع الإرادات بين واشنطن وطهران. هذا التزامن الرمزي يعكس مفارقة بين عالمين؛ ففي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بمنافسة رياضية تحكمها القوانين والوقت المحدد، يشتعل الخليج ومحيط مضيق هرمز بحرب مفتوحة لا تخضع لقواعد اللعب النظيف، حيث تحوّل مشرط الجراح العسكري الأمريكي من محاولة فرض شروط التفاوض إلى الغرق في تعقيدات البنية التحتية وحرب استنزاف بإمكانات متباينة، ما يضعنا أمام قراءتين متناقضتين للمشهد: إحداهما غارقة في التفاؤل السياسي والدبلوماسي، والأخرى تصطدم بالواقعية العسكرية والاقتصادية المأزومة.
في كواليس الإدارة الأمريكية، سادت رؤية تميل إلى التفاؤل الحذر، وروّجت لفكرة التفاوض تحت النار باعتبارها الأداة الوحيدة لترويض طهران ودفعها إلى طاولة التنازلات. واستند هذا الطرح إلى أن الضربات الجوية الخاطفة التي استهدفت الدفاعات الجوية الإيرانية في سيريك وجاسك وميناء بندر عباس، وبطاريات الصواريخ في ميناب وجزيرة قشم، لم تكن سوى عملية تطهير جراحية لمحيط مضيق هرمز تمهد لعمليات أوسع تجبر النظام الإيراني على قبول حزمة شروط جديدة.
وتبلور هذا المنظور بصورة أوضح بعد حادثة إسقاط مروحية أباتشي أمريكية فوق مياه الخليج في 9 يونيو، وهي حادثة كشفت عن سيناريوهين أحلاهما مرّ: الأول أن الدفاعات الإيرانية أسقَطَتها عمدًا، والثاني - وهو الأخطر - دخول مسيّرات "شاهد" المزودة بالذكاء الاصطناعي إلى الخدمة، بعدما بُرمجت على صور الطائرات المعادية للاشتباك معها تلقائيًا دون تدخل بشري. وفي هذه الحالة، بدا إسقاط الأباتشي وكأنه نتيجة تقنية غير مقصودة، لكنها كانت كافية لتدفع ترامب نحو استئناف ضرب العمق الإيراني، في رسالة مفادها قدرته على شل المنظومات الدفاعية المحيطة بالمضيق.
وبالتوازي، حاولت واشنطن التحرك على جبهة دبلوماسية يقودها جاريد كوشنر وستيف ويتكوف لفرض شروط قاسية، تشمل تجميد التخصيب لمدة 15 عامًا وتفكيك منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، مقابل الإفراج عن 25 مليار دولار مجمدة ورفع العقوبات النفطية. غير أن هذا التفاؤل اصطدم بضعف الخبرة لدى الوفد الأمريكي؛ إذ كشفت جولات الحوار عن محدودية الخلفية الفنية لويتكوف وكوشنر في الملف النووي، إلى درجةٍ دفعتهما لسؤال وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجي عن أساسيات التخصيب. وقد أثار ذلك استياء الوفد الإيراني، فيما اضطر الوفد الأمريكي لاحقًا إلى زيارة مختبر نووي في ولاية تينيسي لتلقي تدريب فني مكثف لفهم القضايا التي يتفاوض بشأنها.
ورغم ذلك، استمرت واشنطن في الرهان على أن الضغوط الميدانية، التي وصلت إلى استهداف خزانات مياه الشرب في سيريك، ستجبر إيران على تقديم تنازلات، وقبول خفض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.5% بما يمنح ترامب انتصارًا سياسيًا يسوّقه للناخب الأمريكى ولوسائل الإعلام، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
لكن المقاربة الميدانية سرعان ما اصطدمت بهذا التفاؤل، لتكشف عن معادلة ردع جديدة حطمت الحسابات النظرية لواشنطن وتل أبيب. فقد بدأت السلسلة، بسبب تطورات الحرب الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، حيث طوّرت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد الساحل اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت لإجبار السكان على الإخلاء، وإعادة تشكيل الخريطة الإقليمية تمهيدًا لإنشاء ممرات تجارية دولية جديدة. وردّت إيران باستهداف مباشر للعمق الإسرائيلي، وتبادلا الضربات. ووسط هذا التصعيد، جاء إسقاط الأباتشي بواسطة المسيّرات الانتحارية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ليكشف هشاشة التفوق التقني الأمريكي، ويدفع واشنطن إلى قصف الداخل الإيراني.
إلا أن التدخل الأمريكى لم يحقق الردع المنشود، بل أعقبه رد صاروخي إيراني طال العمق الإقليمي ومحيط القواعد الأمريكية، مستهدفًا قاعدة "على السالم" فى الكويت ومقر الأسطول الخامس في البحرين، وصولًا إلى قاعدة "موفق السلطي" في الأردن. وأظهرت صور الأقمار الصناعية سقوط الصواريخ بمحاذاة طائرات F-35 المتراصة في العراء، إضافة إلى إصابة رادار منظومة "ثاد" التي نُقلت على عجل من كوريا الجنوبية.
وأثبت هذا التصعيد المتبادل أن مفهوم الهدنة الشرق أوسطية الذي روّج له ترامب، والقائم على فرضية الضربات المحدودة المتبادلة، قد انهار بالكامل أمام الواقع؛ فالخصم الإيراني وحلفاؤه أظهروا أنهم غير قابلين للردع التقليدي، وأن الضربات الأمريكية ستقابل برد فوري ومكافئ. كما أسهمت تهديدات ترامب باستهداف الجسور والمنشآت في تعزيز التماسك الداخلي الإيراني بدلًا من إضعافه، وحوّلت حلفاء واشنطن في الخليج والأردن إلى خطوط دفاع أولى تتلقى الضربات دون قدرة حقيقية على الرد، في وقت سارعت فيه الكويت والبحرين وقطر إلى إغلاق مجالاتها الجوية وإعلان حالة الطوارئ خشية اتساع رقعة الحرب.
اقتصاديًا، تتبدد أوهام الحلول السريعة لإدارة ترامب أمام مؤشرات مقلقة؛ فبلوغ التضخم الأمريكي 4.2% يمثل عبئًا سياسيًا واقتصاديًا على رئيس بنى وعوده الانتخابية على خفض الأسعار. وبينما يتحدث ترامب عن نجاح عملية سرية لإخراج النفط عبر مضيق هرمز بواسطة 22 ناقلة، تشير تحقيقات متخصصة لوسائل إعلام دولية -مثل "فاينانشال تايمز"- إلى أن الطاقة القصوى لهذه الناقلات لا تتجاوز 44 مليون برميل شهريًا، مقارنة بنحو 600 مليون برميل شهريًا قبل الحرب. ولولا تراجع الطلب الصيني وإحجام بكين عن زيادة مخزونها النفطي، لكانت الأسعار قد قفزت إلى مستويات يصعب احتواؤها.
ويُلاحظ أن الحصار الإيراني للمضيق لا يهدد أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد إلى قطاع الأسمدة والسلع الأساسية المرتبطة بمواسم زراعية محددة، والتي تسبب احتجازها في فوات أوانها، ما يعني أن العالم مقبل على موجة تضخم غذائي عاتية تلحق بأزمة الطاقة وتدفع نحو ركود تضخمي مستدام. وهكذا تتحول التهديدات الأمريكية الرسمية من أوراق ضغط إلى مأزق يفقد فيه ترامب الكثير من أوراقه، بينما تستغل إسرائيل هذا التخبط الأمريكي لتواصل اجتياحها لمدينة صور اللبنانية، بهدف تحويل خط الساحل إلى ممر إقليمي يربط آسيا بأوروبا كبديل لقناة السويس.
تضعنا هذه المواجهة المتفجرة أمام حقيقة استراتيجية بالغة التعقيد، وهى أن التداعيات والاختلالات الهيكلية في الخليج، التي تضرب مفاصل النظامين العسكري والاقتصادي العالمي جراء هذا التصعيد، باتت أضخم بكثير من الأجسام المضادة والمستودعات الحمائية المتاحة لدى المجتمع الدولي للجم آثارها وتدارك أضرارها؛ فالأمر لم يعد مجرد مناورة سياسية يمكن احتواؤها بحزمة عقوبات إضافية، أو ضربة عسكرية خاطفة لالتقاط صورة نصر زائف عبر قنابل GBU-57 الثقيلة فوق جبال أصفهان. إن هذا النوع من الحروب المعاصرة في الشرق الأوسط لا يشبه مباريات كأس العالم التي انطلقت في الملاعب الأمريكية، حيث تنتهي المنافسة بانتهاء الوقت وإعلان فائز وحيد يرفع الكأس وتنتهي اللعبة، بل هو بمثابة استنزاف مستمر وماراثون طويل، يتم اللعب فيه على النقاط وصراع الإرادات.
(الشروق المصرية)

