لَقَدْ تَحَوَّلَتِ الأَخْلاق، وَمَعَها حُقوقُ الإِنْسان، إلى قِناعٍ فَعّالٍ يُبَرِّرُ مُخْتَلِفَ الِاسْتراتيجِيّاتِ الِاقْتِصادِيَّة، بِما يُتيحُ اسْتِمْرارَ اللّامُساواةِ العالَمِيَّة، وَالِاسْتِغْلالَ الجائِر، وَيُضْفي عَلَيْهِما الشَّرْعِيَّة، بَلْ وَيُبَرِّرُ كَذَلِكَ الحُروب.
ظَلَلْتُ مُؤَخَّرًا أَتَخَبَّطُ كَثيرًا، وَبِأَلَمٍ بالِغ، مُحاوِلًا إيجادَ أُسْلوبٍ أَشْرَحُ بِهِ لِطُلّابي، في دُروسِ الفَلْسَفَةِ أَوِ التَّرْبِيَة، عن القِيَمِ أَوْ تاريخِ الفَلْسَفَة، كَيْفَ يُمْكِنُ أَنّه بَيْنَما أُحَدِّثُهُمْ عَنْ أَرِسْطو، وَمارِيا ثامْبِرانو، وَأَفْلاطون، وَسيمون فايل، تَتَساقَطُ القَنابِلُ في أَماكِنَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ العالَمِ مِنْ دونِ هَوادَة، مُخَلِّفَةً وَراءَها أَعْدادًا هائِلَةً مِنَ البَشَرِ الَّذينَ قُتِلوا. وَكَيْفَ يَحْدُثُ كُلُّ ذَلِكَ بِاسْمِ قيمَةٍ أُحاوِلُ أَنْ أَغْرِسَها فيهِمْ كُلَّ يَوْم: وَأَعْني بِها العَدالَة.
صارت الأخلاق خاضعة لخدمة المصالح الاقتصادية
لَقَدِ اسْتَحْضَرْتُ كَثيرًا في هَذِهِ الأَيّامِ بَعْضَ تَأَمُّلاتِ سوزان سونْتاغ في كِتابِها "إِزَاءَ أَلَمِ الآخَرينَ"الصّادِرِ عامَ 2003، إِذْ تَقول: "لَقَدْ حَوَّلَتِ الكاميراتُ التّاريخَ إلى عَرْضٍ بَصَرِيّ". وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّها تَخْلُقُ نَوْعًا مِنَ التَّماهي، فَإِنَّها تُلْغيهِ أَيْضًا، إِذْ تُبَرِّدُ المَشاعِر. كَما أَنَّها تُوَلِّدُ الْتِباسًا بِشَأْنِ الواقِعِ يَجْعَلُ الإِنْسانَ مُخَدَّرًا أَخْلاقِيًّا. وَتُتابِعُ الكاتِبَةُ الأَميرْكِيَّةُ بِدِقَّةٍ قائِلَة: "قَدْ يَشْعُرُ المَرْءُ بِواجِبِ النَّظَرِ إلى الصُّوَرِ التي تُوَثِّقُ فَظائِعَ وَجَرائِمَ كُبْرى، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَشْعُرَ بِواجِبِ التَّفْكيرِ في ما يَعْنيهِ النَّظَرُ إِلَيْها، وَفي القُدْرَةِ الحَقيقِيَّةِ على اسْتيعابِ ما تَعْرِضُه".
فَكَيْفَ يُمْكِنُنا أَنْ نُثَبِّتَ نَظَرَنا - نَحْنُ المُرَبّونَ وَالمُعَلِّمونَ وَالأُمَّهاتُ وَالآباءُ - في عُيونِ طُلّابِنا وَأَبْنائِنا وَبَناتِنا، إِذا كانَ كُلُّ ما نُعَلِّمُهُ وَنَنْقُلُهُ إِلَيْهِمْ بِحَماس، وَبِقَدْرٍ غَيْرِ قَليلٍ مِنَ الأَمَلِ في المُسْتَقْبَل، قَدْ تَلَطَّخَ بِدِماءِ الواقِعِ المُرَوِّعِ الذي يُتَغاضى عَنْهُ وَيُرْتَكَبُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْم؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ لَنا أَنْ نَسْتَمِرَّ في الإيمانِ بِالأَخْلاق - وَفي الحِفاظِ على إِمْكانِيَّةِ وُجودِها - أَمامَ عالَمٍ يَنْتَهِكُ أَبْسَطَ حُقوقِ الإِنْسانِ وَأَكْثَرَها أَساسِيَّةً؟ وَكَيْفَ، في نِهايَةِ المَطاف، نَسْتَطيعُ أَنْ نَحْتَمِلَ المَشْهَدَ اليَوْمِيَّ لِأَشْكالِ المُعاناةِ الإِنْسانِيَّةِ الأَكْثَرِ قَسْوَة، بَيْنَما يَتَوَجَّبُ عَلَيْنا - بَلْ وَيُطْلَبُ مِنّا - أَنْ نُواصِلَ حَياتَنا كَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُن؟.
ثَمَّةَ مَنْ يَسْتَنِد، في رَأْيي، بِطَريقَةٍ مُلْتَوِيَةٍ وَمُنْحازَةٍ إلى حَدٍّ كَبير - لا يَراها إِلّا مَنْ يَعيشُ في رَخاءٍ اقْتِصادِيّ ــ إلى مُفَكِّرينَ مِثْلِ سْبِنْسِر أَوْ نيتْشِه، مُتَوَهِّمًا أَنَّ البَشَرَ لا يَسْعَوْنَ إِلّا إلى البَقاءِ وَالتَّفَوُّقِ في الوُجودِ مَهْما كانَ الثَّمَنُ غالِيًا، وَلَوْ على حِسابِ الجَميع. بَلْ إِنَّهُمْ، في الواقِعِ، يُطَبِّقونَ ذَلِكَ فِعْلًا، فَلا شَيْءَ يَهُمُّ سِوى النَّجاة. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ الحَرْبَ وَالصِّراعَ المُسَلَّحَ لَيْسا، بِتَعْبيرِ هيغِل، سِوى حِيَلِ العَقْلِ التي تَدْفَعُ التّاريخَ إلى التَّقَدُّمِ على نَحْوٍ لا مَفَرَّ مِنْه. غَيْرَ أَنَّ السُّؤالَ عَنِ الوِجْهَةِ التي يَمْضي إِلَيْها هَذا التّاريخُ؟ وَكَيْفَ يَمْضي؟ يَبْقى مِنْ دونِ جَواب. فَلا أَحَدَ يُريدُ أَنْ يُجيبَ عَنْهُ صَراحَة؛ لِأَنَّ الكُلَّ يَعْرِفُ الإِجابَةَ جَيِّدًا: لَقَدْ صارَتِ الأَخْلاقُ خاضِعَةً لِخِدْمَةِ المَصالِحِ الِاقْتِصادِيَّة، بَيْنَما تَلْتَزِمُ الحُكوماتُ وَالشَّرِكاتُ بِالصَّمْتِ المُدَوّي الذي لا يَفضَحُ إِلا نَواياها.
تحوّلت حقوق الإنسان إلى نوع من السلع لا تُطبّق إلا على من يستطيع تحمُّل كلفتها
لَقَدْ كَثُرَ الحَديثُ في الآوِنَةِ الأَخيرَة، وَلا سِيَّما على المَنابِرِ السِّياسِيَّةِ الرَّسْمِيَّة، عَنْ ضَرورَةِ الِاحْتِكامِ إلى الإِعْلانِ العالَمِيِّ لِحُقوقِ الإِنْسان. وَيَتَنَقَّلُ كِبارُ المَسْؤولينَ في مُخْتَلِفِ أَنْحاءِ العالَم، بِكُلِّ ارْتِياح، مِنْ قِمَّةٍ إلى أُخْرى، مُتَحَدِّثينَ عَنْ حُقوقِ الإِنْسانِ وَعَنْ ضَرورَةِ وَضْعِ حَدٍّ أَدْنى مِنَ الأَخْلاقِ العالَمِيَّة، في الوَقْتِ الذي تَسْرَحُ فيهِ الصَّوارِيخُ وَالجوعُ وَالمَوْتُ بِلا رادِعٍ خارِجَ أَسْوارِ القُصورِ وَالمَقارِّ الرِّئاسِيَّة. إِنَّ انْتِهاكَ أَبْسَطِ الحُقوقِ الأَساسِيَّةِ يَجْري بِاسْمِ التَّقَدُّم، وَبِاسْمِ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيّ، بَلْ وَحَتّى بِاسْمِ العَدالَة!.
لَقَدْ تَحَوَّلَتْ حُقوقُ الإِنْسانِ إلى نَوْعٍ مِنَ السِّلَعِ القابِلَةِ لِلتَّفاوُض، لا تُطَبَّقُ إِلّا على مَنْ يَسْتَطيعُ تَحَمُّلَ كُلْفَتِها. أَما طابِعُها غَيْرُ القابِلِ لِلتَّصَرُّفِ أَوِ الِانْتِزاع، فَقَدْ أَصْبَحَ مَوْضِعَ شَكّ، تَبَعًا لِمَنْ يُحَدِّدُ مَفْهومَيِ التَّقَدُّمِ وَالعَدالَة.
إِنَّ الأَخْلاقَ تَنْزِفُ مِنْ جَميعِ مَسامِّها. وَما دامَتِ الحُكوماتُ تُواصِل، مِنْ دونِ أَيِّ خَجَل، انْتِهاجَ "سِياسَةٍ شْميتِّيَّة" (نِسْبَةً إلى كارْل شْميت) تَقومُ على تَقْسيمِ العالَمِ إلى مُعَسْكَراتٍ مُتَواجِهَةٍ بَيْنَ شُعوبٍ تَنْعَمُ بِالسَّلامِ وَأُخْرى تَعيشُ الحَرْب، فَإِنَّ التَّداوُلَ العَقْلانِيَّ لَنْ يَكونَ سِوى امْتِيازٍ تُمارِسُهُ طَبَقَةٌ مَيْسورَةٌ تُحاوِلُ فَرْضَ طَريقَتِها في التَّفْكيرِ وَالشُّعورِ وَالتَّصَرُّفِ على الآخَرين. لَقَدْ أَصْبَحَتِ الأَخْلاق، وَمَعَها حُقوقُ الإِنْسان، قِناعًا فَعّالًا يُغَطّي مُخْتَلِفَ الِاسْتراتيجِيّاتِ الِاقْتِصادِيَّة، بِما يَسْمَحُ بِاسْتِمْرارِ اللّامُساواةِ العالَمِيَّة، وَالِاسْتِغْلالِ الجائِر، وَنَعَم، الحُروبِ أَيْضًا، وَيُضْفي عَلَيْها شَرْعِيَّة!.
(خاص "عروبة 22")

