لَمْ تَتَوَقَّفِ الحَرْبُ تَمامًا بَعْد، وَلَكِنْ لِكُلِّ حَرْبٍ نِهايَة، وَما حَدَثَ في الأَسابيعِ وَالشُّهورِ الماضِيَةِ أَحْدَثَ تَأْثيرَهُ في الواقِعِ العَرَبِيّ، وَطَرَحَ دُروسًا يَنْبَغي اسْتِخْلاصُها وَالاسْتِفادَةُ مِنْها، سَواءٌ عَلى مُسْتَوى الشُّعوبِ أَوِ الحُكومات.
وَأُريدُ التَّوَقُّفَ أَمامَ خَمْسَةِ دُروس:
الدَّرْسُ الأَوَّل: التَّحالُفاتُ الدَّوْلِيَّةُ لَيْسَتْ بَديلًا عَنْ بِناءِ القُدُراتِ الذَّاتِيَّة
أَثْبَتَتِ الحَرْبُ حُدودَ الضَّماناتِ الأَمْنِيَّةِ الخارِجِيَّة، وَأَنَّ الحُلَفاءَ لَنْ يُحارِبوا نِيابَةً عَنْك، وَأَنَّ الدُّوَلَ الكُبْرى، كَالْوِلاياتِ المُتَّحِدَة، لَها مَصالِحُ مُتَشابِكَةٌ وَمُتَقاطعَةٌ مَعَ عَديدٍ مِنَ الأَطْراف، وَأَنَّ مَصالِحَها لا تَتَطابَقُ دائِمًا مَعَ مَصالِحِ الدُّوَلِ الخَليجِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ عُمومًا. وَيَتَرَتَّبُ على ذَلِكَ أَنَّ أَهَمَّ دَرْسٍ هُوَ ضَرورَةُ بِناءِ قُدُراتٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَسيبْرانِيَّةٍ وَاسْتِخْبارِيَّةٍ وَطَنِيَّةٍ قَوِيَّة، مَعَ تَنْويعِ الشَّراكَاتِ الإِقْليمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّة، بِما لا يَجْعَلُها رَهينَةً لِأَحَدِ الأَطْرافِ الدَّوْلِيَّة. وَيَتَطَلَّبُ ذَلِكَ بِناءَ القُدُراتِ الجَماعِيَّةِ لِلدُّوَلِ الخَليجِيَّةِ في مَنْظوماتِ الإِنْذارِ المُبَكِّر، وَالدِّفاعاتِ الجَوِّيَّةِ مُتَعَدِّدَةِ الطَّبَقات، وَنُظُمِ القِيادَةِ وَالسَّيْطَرَةِ المُتَطَوِّرَة.
الدَّرْسُ الثّاني: السِّياسَةُ وَالاقْتِصادُ وَالتِّكْنولوجْيا هِيَ جَوانِبُ مُخْتَلِفَةٌ لِتَحْقيقِ الأَمْن
أَثْبَتَتِ الحَرْبُ تَداخُلَ الاعْتِباراتِ السِّياسِيَّةِ وَالاقْتِصادِيَّةِ وَالتِّكْنولوجِيَّة، فَبَيْنَما لَمْ يَرِدْ حَديثٌ عَنْ حُرِّيَّةِ المِلاحَةِ في مَضيقِ هُرْمُز ضِمْنَ الأَسْبابِ التي أَعْلَنَها الرَّئيسُ ترامب لِشَنِّ الحَرْبِ عَلى إيران، فَإِنَّ هَذا المَوْضوعَ أَصْبَحَ "واسِطَةَ العِقْد" في المُباحَثاتِ بَيْنَ البَلَدَيْنِ لِلْوُصولِ إِلى هُدْنَةٍ وَوَقْفِ القِتال. وَاسْتَهْدَفَتْ إيرانُ البُنْيَةَ التَّحْتِيَّةَ الحَيَوِيَّةَ في دُوَلِ الخَليج، وَشَمَلَ ذَلِكَ مَوانِئَ التَّصْدير، وَمَحَطَّاتِ إِنْتاجِ النَّفْط، وَمَحَطَّاتِ الكَهْرَباء، وَتَحْلِيَةَ المِياه.
مفهوم القوة الشاملة يجمع بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والقدرات العسكرية والديبلوماسية والإعلامية
وَأَدَّتِ العَمَلِيّاتُ العَسْكَرِيَّةُ إِلى تَعْطيلِ تَصْديرِ النَّفْط فَتَعَطَّلَتْ ثُمَّ تَوَقَّفَتْ حَرَكَةُ المِلاحَةِ عَبْرَ المَضيق، وَإلى ازْدِيادِ تَكاليفِ التَّأْمينِ البَحْرِيِّ على السُّفُنِ وَالبَضائِعِ المارَّة. وَتَتَطَلَّبُ مُواجَهَةُ ذَلِكَ، التَّنْويعَ الاقْتِصادِيّ، وَعَدَمَ الاعْتِمادِ على النَّفْطِ كَمَصْدَرٍ رَئيسِيٍّ لِلْمُوازَنَةِ العامَّة، وَكَذَلِكَ تَأْمينَ سَلاسِلِ الإِمْدادِ الغِذائِيِّ وَالمُسْتَلْزَماتِ الأَساسِيَّةِ لِحَياةِ المُجْتَمَع. وَلَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مُجَرَّدَ خِيارٍ تَنْمَوِيّ، بَلْ باتَ ضَرورَةً لِأَمْنِ الدُّوَل.
جَوْهَرُ ما تَقَدَّمَ هُوَ التَّأْكيدُ عَلى مَفْهومِ القُوَّةِ الشَّامِلَةِ لِلدَّوْلَة، الَّذي يَجْمَعُ بَيْنَ السِّياسَةِ وَالاقتِصادِ وَالتِّكْنولوجْيا، وَكَذَلِكَ الابْتِكارِ وَالقُدُراتِ العَسْكَرِيَّةِ وَالدّيبْلوماسِيَّةِ وَالإِعْلامِيَّة.
الدَّرْسُ الثّالِث: هَشاشَةُ أَوْضاعِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ وَسَلاسِلِ الإِمْداد
كَشَفَتِ الحَرْبُ أَنَّ التَّحَكُّمَ في مَضيقِ هُرْمُزَ أَصْبَحَ أَقْوى سِلاحٍ وَظَّفَتْهُ إيرانُ ضِدَّ أَميركا وَدُوَلِ الخَليجِ وَالعالَمِ كُلِّه، وَأَكَّدَ ذَلِكَ أَهَمِّيَّةَ تَأْمينِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّة، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَمَرّاتٍ تِجارِيَّة، بَلْ أَدَواتُ ضَغْطٍ اسْتراتيجِيَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِخْدامُها لِتَضْييقِ الخِناقِ على التِّجارَةِ الدَّوْلِيَّة، بِما في ذَلِكَ بابُ المَنْدَب، وَحُرِّيَّةُ المِلاحَةِ في البَحْرِ الأَحْمَر، وَقَناةُ السُّوَيْس.
يجب تفعيل آليات التنسيق السياسي والأمني بين الدول العربية
وَتَتَطَلَّبُ مُواجَهَةُ ذَلِك، تَطْويرَ مَمَرّاتٍ تِجارِيَّةٍ وَبَدائِلَ لوجيسْتِيَّةٍ مَرِنَةٍ تَشْمَلُ مَمَرّاتٍ وَخُطوطَ أَنابيبَ بَرِّيَّةٍ وَمَوانِئَ بَديلَة، وَتَعْزيزَ التَّعاوُنِ العَسْكَرِيِّ البَحْرِيِّ العَرَبِيّ، بِما في ذَلِكَ بِناءُ قُدُراتٍ بَحْرِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ لِأَداءِ مَهامَّ مُحَدَّدَة.
الدَّرْسُ الرّابِع: أَهَمِّيَّةُ الإِعْلامِ وَالقُدْرَةُ على طَرْحِ السَّرْدِيّات
أَوْضَحَتِ الحَرْبُ أَنَّ القُوَّةَ النَّاعِمَةَ هِيَ عُنْصُرٌ أَساسِيٌّ في القُوَّةِ الشّامِلَةِ لِلدَّوْلَة، فَقَدْ صاحَبَ تَطَوُّرَ الحَرْبِ مَعْرَكَةٌ إِعْلامِيَّةٌ لا تَقِلُّ ضَراوَة، نِطاقُها وَساحَتُها الشَّبَكاتُ الفَضائِيَّةُ التِّلْفِزْيونِيَّة، وَالمَواقِعُ الإِلِكْترونِيَّة، وَأَدَواتُ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيّ، وَمَوْضوعُها طَرْحُ السَّرْدِيَّةِ وَإِدارَةُ الرِّوايَة، بِهَدَفِ التَّأْثيرِ في الرَّأْيِ العامّ، وَتَبْريرِ شَرْعِيَّةِ اسْتِخْدامِ القُوَّة.
وَيَدْفَعُ ذَلِكَ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ إِلى ضَرورَةِ بَلْوَرَةِ الإِعْلامِ الاسْتراتيجِيّ، بِهَدَفِ طَرْحِ رِوايَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَمُواجَهَةِ التَّضْليلِ الإِعْلامِيِّ وَالكَذِبِ العَميق. أَضِفْ إِلى ذَلِكَ المَزيدَ مِنَ الاهْتِمامِ بِبَرامِجِ الدّيبْلوماسِيَّةِ العامَّةِ التي تُنَفِّذُها.
الدَّرْسُ الخامِس: ضَرورَةُ بِناءِ مَوْقِفٍ عَرَبِيٍّ مُتَماسِكٍ وَفاعِل
أَثْبَتَتِ الحَرْبُ وَما تَلاها مِنْ أَحْداثٍ لَيْسَ فَقَطْ تَبايُنَ مَواقِفِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، بَلْ وُجودَ تَبايُناتٍ في المَواقِفِ الفِعْلِيَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ الخَليجِيَّةِ العَرَبِيَّة. وَتَتَطَلَّبُ مُواجَهَةُ ذَلِكَ وُجودَ الإِحْساسِ الحَقيقِيِّ بِخُطورَةِ وَهَشاشَةِ المَوْقِفِ العَرَبِيّ، وَالعَمَلُ على تَفْعيلِ آلِيّاتِ التَّشاوُرِ بَيْنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَالتَّنْسيقِ السِّياسِيِّ وَالأَمْنِيِّ بَيْنَها، خُصوصًا في أَوْقاتِ الأَزْمات.
المطلوب عدم جعل المنطقة ساحة للصراع بين القوى الكبرى والإقليمية على حساب الدول العربية
وَيتَطَلَّبُ ذَلِكَ أَيْضًا تَوْظيفَ الدّيبْلوماسِيَّةِ الوِقائِيَّةِ وَسِياسَةِ التَّوازُنِ الاسْتراتيجِيّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الحِوارَ المُباشِرَ بَيْنَ دُوَلِ الإِقْليم، وَوُجودَ قَنَواتٍ عَلَنِيَّةٍ وَسِرِّيَّةٍ لِلتَّواصُلِ المُسْتَمِرّ، هُوَ الأُسْلوبُ الأَمْثَلُ لِمَعْرِفَةِ النَّوايا، وَتَقْليلِ المَخاوِف، وَتَجَنُّبِ اتِّساعِ رُقْعَةِ الصِّراع. وَالمَطْلوبُ هُوَ عَدَمُ جَعْلِ المِنْطَقَةِ ساحَةً لِلصِّراعِ بَيْنَ القُوى الكُبْرى وَالإِقْليمِيَّةِ على حِسابِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة.
وَرُبَّما يَكونُ وُجودُ أَمينٍ عامٍّ جَديدٍ لِجامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَطُروحاتُهُ القَوِيَّةُ عَنِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِيِّ وَأَنَّ الاعْتِداءَ على أَيِّ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّةٍ يُعَدُّ اعْتِداءً عَلَيْها جَميعِها، مُناسَبَةً لِلِاسْتِفادَةِ مِنْ دُروسِ الحَرْبِ الأَميركيَّةِ ضِدَّ إيران، وَتَطْويرِ آلِيّاتِ التَّنْسيقِ العَرَبِيِّ لِمُواجَهَةِ الأَخْطارِ وَصَوْنِ المَصالِحِ العَرَبِيَّة.
(خاص "عروبة 22")

