بصمات

نَقْدُ المَوضوعِ ونَقْدُ الذّات!

جَـرَتْ أَفْـعالُ النّـاسِ على عادَةِ تَـبْـرِئَـةِ النَّـفْـسِ مِنْ جَـرائِـرِ أَفْعالِهِمْ وَالنَّأيِ بِـها عَنْـها نَأيَ الإِنْـكـارِ الكامِـل. هَـذا مِـنْ مَأْلوفاتٍ كَـثـيرَةٍ دَرَجَـتْ عَلَيْها حَتّـى بـاتَـت، مَـعَ تَـواتُـرِها، فِـعْـلًا يَـقَـعُ بِالتِّـلْـقاءِ وَالعَـفْـوِ مِنْ غَيْـرِ سابِـقِ تَـرْتـيبٍ أَوْ تَصْميم، وَعلى نَحْـوٍ يـوحِـي بِأَنَّ لِلـذّاتِ نِصـابًا مِنَ البَـراءَةِ الفِـطْـرِيَّـةِ لا تُخْـطِئُ مَوْعِـدَھا مَعَه، وَلا يَـقِـلُّ مُـعَـدَّلُـهُ فـيها إِلّا بِـفِـعْـلِ شَـرْطٍ مّـا طارِئٍ مِـنْ خارِجِها.

نَقْدُ المَوضوعِ ونَقْدُ الذّات!

لا تَـأْتـي الذّاتُ - ذاتُ فَـرْدٍ أَوْ جَماعَـة - اِعْـتِـرافًـا مِـنْ تِـلْـقاءِ نَـفْسِها بِما قَـدْ تَكونُ مَسْـؤولَةً عَنْهُ مِـنْ فِـعْـلٍ أَوْ مِـنْ قَـوْلٍ ثَـبَـتَ لَـها أَوْ لِغَيْـرِها بُطْـلانُـه، وَلا هِيَ تَحْـتازُ - في الأَغْـلَـبِ مِنَ الأَحْوال - ما يَكْـفيها مِنَ الشَّجاعَةِ الأَدَبِـيَّـةِ لِـتُـقْـدِمَ على ذَلِك، حَتّى حينَما يَـقِـرُّ لَـدَيْـها يَـقـينٌ بِأَنَّـها أَخْطَأَتِ الفِعْـلَ وَالسُّلوك؛ إِذْ هِيَ أَجْـبَـنُ مِنْ أَنْ تَـفْـعَلَ ذَلِك، بَـلْ هِـيَ تُـعَـدُّ مِثْـلَ ذَلِكَ الاِعْـتِـرافِ بِمَسْؤولِـيَّـتِـها فِـعْـلًا مِنْ أَفْعالِ إِقامَـةِ الحُـجَّـةِ عَـلَيْها لا يَرْضـاهُ غُـرورُها. خارِجُها وَحْـدَهُ هُـوَ الذي يَمْلِكُ أَنْ يَـحْـمِلَـها - بِقُـوَّةِ الضَّـغْـطِ التي يُـضْـمِرُها - على الاِعْتِـرافِ بِارْتِكابِـها. وَخارِجُـها هَذا الذي نَعْـنـيهِ قَـدْ يَتَجَلّى في سُـلْطَـةٍ أَبَـوِيَّـةٍ أَوْ ديـنِـيَّـةٍ أَوْ اِجْتِماعِـيَّـةٍ أَوْ سِياسِيَّـةٍ وَقانـونِـيَّـة... إِلَخ؛ أَيْ في جِـهَـةٍ اِجْتِماعِيَّـةٍ ما تَمْلِكُ قُـوَّةَ رَدْعٍ ذاتَ مَـفْـعولٍ مادِّيٍّ أَوْ رَمْـزِيٍّ قادِرَةً على مُـمارَسَةِ فِـعْـلِ الاِحْتِسابِ عَـلَيْها...

في مُقابِلِ التَّـنَـكُّبِ عَنْ واجِـبِ مُساءَلَةِ الذّاتِ عَـمّا جانَبَـتْ فيهِ حَـدَّ السَّـواءِ وَالصَّـوابِ في ما فَعَلَت، أَوْ في ما قالَت، تَـهْـرَعُ الذّاتُ إلى اِرْتِـكابِـها أَوْ تَـقْصيـرِها أَوْ عَـزْوِ مَـغـالِطِـها، جُـمْـلَـةً، إلى شَـرْطٍ خارِجِـيٍّ فَـوْقَ طـاقَـتِها أَوْ قُـدْرَتِـها على الرَّدِّ وَالكَـفّ. هَـكَـذا تَسْتَسْـهِلُ تَعْلـيقَ مَسْـؤولِيّـاتِها على شَمّـاعَةِ غَيْـرِها؛ أَكانَ غَيْـرُها مِـنْ بَنـي جِنْسِها أَوْ ظُـروفًا مَوْضوعِيَّـةً طارِئَـة، لِتَرْفَـعَـها عَنْها جُـمْـلَـةً وَتَحْـفَـظَ لِنَـفْـسِها بَـراءَتَـها وَنَـقاءَها.

هروب قصدي من تحمُّل تبعات أفعال الذات إلى وضعها على شمّاعة العامل الموضوعي الخارجي

يَـنْـتَـمي هَـذا الضَّرْبُ مِنَ التَّحَـلُّـلِ الذّاتـيّ مِنْ كُـلِّ مَسْـؤولِيَّـة، وَمِـنِ اِخْتِلاقِ الفاعِـلِ الخارِجِـيّ المُـنـيخِ بِـقُـوَّتِـهِ على الذّات، إلى مَنْطِـقٍ تَبْريرِيٍّ سافِـرٍ وَمُجَـرَّدٍ مِـنْ كُـلِّ مَشْـروعِيَّـة. نَـعَـم، ما مِـنْ شَـكٍّ في أَنَّ الشُّـروطَ المَوْضوعِيَّـة، التي تُحـيطُ بِـكُـلِّ مِـنا وَتُـؤَطِّـرُ أَفْـعالَه، آثـارٌ مُـؤَكَّـدَةٌ في نِظـامِ أَفْـعالِـنا وَتَـصَرُّفاتِـنا؛ فَـنَحْـنُ لَسْنا مَحْضَ مُـنَـفِّـذِينَ لِإِراداتِـنا إِنْ لَمْ تَـلْـقَ هَـذِهِ الإِراداتُ ما يَـمْنَحُها الإِمْكانَ مِـنْ خارِجِها، أَيْ ما لَمْ تُـسْعِـفْها الشُّـروطُ المَوْضوعِيَّـةُ بِالإِمْكانِ لِلتَّـحَقُّـقِ الفِـعْـلِيّ. وَلَقَـدْ قامَتْ فَـلْسَفَـةٌ - هِـيَ المادِّيَّـةُ التّاريـخِـيَّـة - تُـشَـدِّدُ على أَوْلَـوِيَّـةِ العَـوامِلِ المَوْضوعِيَّـةِ على العامِـلِ الذّاتِيّ، في أَيِّ ظـاهِرَةٍ اِجْتِماعِـيَّـةٍ وَإِنْسانِـيَّـةٍ، وَتُـشَـدِّدُ على أَنَّ الأولى هِـيَ ما يَعودُ إِلَـيْـهِ دَوْرُ المُـحَـدِّدِ لِلظَّـواهِـرِ لا العامِلُ الذّاتِـيّ، ثُـمَّ بُـنِـيَـتْ على ذَلِكَ فَـلْسَفَـةٌ في السِّياسَـةِ أَيْضًا. مَـعَ ذَلِك، لَيْسَ كُـلُّ اِحْتِجاجٍ بِأَثَـرِ الشَّـرْطِ المَوْضوعِيِّ السّـالِبِ أَمْـرًا مَشْروعًـا إِنْ لَمْ يَـقُـمْ عَلَيْهِ دَلـيلٌ مِـنَ الواقِـع، بَـلْ كَـثـيرًا ما يَجيءُ مَجـيءَ التَّـبْـريرِ وَالتَّـنَـصُّـلِ مِنْ مَسْؤولِيَّـةِ الذّاتِ عَـنْ أَخْطائِها التي أَتَـتْها مِنْ تِـلْقاءِ نَـفْسِها، قَصْـدَ تَـبْرِئَـتِها وَمَنْـعِ أَيِّ اِحْتِـسابٍ عَلَيْـها.

نَـلْحَظُ هَـذا النَّـحْوَ مِنَ الهُـروبِ القَـصْدِيِّ مِنْ تَحَـمُّـلِ تَـبِعاتِ أَفْـعالِ الذّاتِ إلى وَضْـعِها على شَمّاعَةِ العامِـلِ المَوْضوعِيِّ الخارِجِيِّ مُتَـجَـلِّـيَـةً في مَناحي الحَياةِ كافَّـة: في الاِجْتِـماع، وَالسِّياسَة، وَالثَّـقافَـةِ وَالفِـكْـر. ما مِنْ سـوءٍ أَوْ فَـشَـلٍ أَوْ تَـقْـصـيرٍ يَلْـحَقُ النّاسَ في مَجْـرى حَياتِـهِـمُ الاِجْتِـماعِـيَّـةِ يَـنْسُـبونَـهُ إلى أَنْفُسِهِمْ وَإلى أَخْطائِهِمْ وَسوءِ تَـقْـديرِهِم، وَلا مِنْ اِسْتِـعْـدادٍ لَـدى أَيٍّ مِنْهُمْ لِـمُحاسَبَـةِ نَـفْـسِهِ على ما قَدْ تَكونُ قَـرَفَـت؛ إِذِ التَّـبِـعَـةُ تَقَـعُ - في عُـرْفِ المُعْـظَـمِ مِنْـهُم - على أَسْـبـابٍ مَوْضوعِيَّـةٍ تَـقَعُ خارِجَ إِرادَةِ الذّاتِ وَهُـمْ في الأَمْـرِ مُؤْذَوْنَ إِيـذاءً مِنْ ذَلِكَ المَصْـدَرِ الخارِجِيّ. الجَميعُ مُشْتَـرِكٌ في هَـذا المُعْـتَـقَـدِ في أَيِّ مَـوْقِـعٍ اِجْتِماعِيٍّ كان، وَبِأَيِّ صِـفَـة: أَبًـا، اِبْـنًا، رَئـيسًا، مَرْؤوسًـا، أُسْـتاذًا، مُتَـعَـلِّـمًا... إِلَخ. وَفي السِّـياسَـة، كَـما في الاِجْتِماع، السّـيرَةُ عَيْـنُـها تَـتَـكَرَّر: لَـدى الأَنْظِمَـةِ وَلَـدى المُعارَضَات، لَـدى الدُّوَلِ في عَـلاقاتِها بِأَزْماتِها الاِجْتِماعِـيَّـةِ وَالاِقْـتِصادِيَّـةِ وَالسِّياسِيَّـةِ وَفي تَقْـديرِ الأَسْبابِ الكامِنَـةِ خَـلْـفَها... إِلَخ. وَلا تَخْلو الثَّـقافَـةُ وَالفِـكْـرُ مِنْ خَبائِـثِ هَـذِهِ اللَّـوْثَـةِ فيها؛ إِذِ الغـالِـبُ عَلَيْها اِزْدِحـامُـها بِقِـيَمِ التَّـبْريـرِ وَاِصْـطِـناعِ الأَعْـذارِ وَمُقارَبَـةِ الأَشْـياءِ بِـعَـيْنٍ واحِـدَة. يَكْـفي حُضـورُ فِـكْـرَةِ المُـؤامَرَة، في الثَّـقافاتِ الحَديثَـةِ وَالمُعاصِرَة، لِـيُـظْـهِرَنا على سَطْـوَةِ هَـذِهِ النَّـزْعَـةِ التَّـبْريرِيَّـةِ الـهُـروبِـيَّـةِ في النَّظَـرِ إلى الظَّـواهِـرِ، و، خـاصَّـةً مِنْها، ما بَـدا عَلَيْهِ اِضْـمِـحْـلالٌ وَانْحِـلالٌ وَفَـشَلٌ مِنْها. في المُـقابِـل، لا تَـمْـنَـعُ الذّاتُ نَـفْـسَها مِنْ نِسْـبَةِ النَّـجاحاتِ في الإِنْجازِ إِلَيْها وَالتَّـدْلـيلِ بِها على حُسْـنِ تَـقْـديرِها وَأَدائِها وَعلى صَـوابِ رُؤْيَـتِـها إلى الأَشْـياء، فيما تُـعْـرِضُ تَـمامًـا - هَـذِهِ المَـرَّةَ - عَـنِ اِسْتِـدْعاءِ العَـوامِـلِ الخارِجِـيَّـةِ في جُمْلَـةِ ما يُـسْـتَـدْعى مِـنْ عَـوامِلَ لِـلـتَّـفْسـير!.

مَـرَّةً أُخْرى نَحْـنُ لا نُسْـقِطُ مِنَ الحِسْبانِ أَدْوارَ العامِلِ المَوْضوعِيِّ في تَـقْـريرِ أَحْـوالِ الأَشْياء، وَلا نَـنْـفي الحاجَـةَ إلى نَـقْـدِ الشَّـرْطِ المَوْضوعِيِّ الخارِجِيِّ لِـلْـفَـعْـلِ الإِنْـسانِيّ، لَـكِـنّا نُـلِـحُّ على وُجوبِ التَّـمْـيـيزِ الدَّقـيـقِ بَيْنَ أَمْـرَيْـنِ مُخْتَـلِـفَيْـن: بَيْنَ نَـقْـدِ فاعِلِـيَّـةِ العَـوامِلِ المَوْضوعِيَّـةِ حينَ تَـشْتَـغِـلُ سَـلْبًا في تَـقْريرِ أَوْضاعٍ ما أَوْ أَفْـكارٍ ما، مِنْ جانِب، وَاِحْـتِـرافِ فِـعْـلِ تَحْمـيلِ تِلْكَ العَـوامِلِ المَسْـؤولِـيَّـةَ عَـنْ كُلِّ شَيْءٍ ساءَ أَمْـرُهُ في الفِـعْـلِ الإِنْـسانِـيّ مِنْ جانِبٍ ثـانٍ. النَّـقْـدُ الأَوَّلُ ضَـرورِيٌّ وَفي مُنْـتَـهى المَطْلوبِـيَّـة، لِأَنَّـهُ يُـنَـبِّـهُـنا إلى أَنَّ دائـرَةَ العَـوامِلِ التي تَـتَـحَكَّـمُ في الشَّـرْطِ الإِنْسانِيِّ واسِعَـةٌ بِما يُجاوِزُ الحُـدودَ الضَّـيِّـقَةَ الاِفْـتِـراضِـيَّـةَ التي يَحْـصُـرُ التَّـفْـكـيرُ نَـفْـسَهُ فيها، عادَةً، فَـيَمْتَـنِعُ عَلَيْهِ - لِذَلِكَ السَّـبَـب - أَنْ يُـدْرِكَ كَـيْـفَ يـتَـقَـرَّرُ ذَلِكَ الشَّـرْطُ الإِنْسانِـيّ.

نقد الموضوع يكون أفضل وأفعل كلّما حصل من طريق نقد الذات

إلى ذَلِكَ لا يَكـونُ هَـذا الضَّـرْبُ مِـنَ النَّـقْـدِ المَحْـمودِ لِلْـعامِلِ المَوْضوعِيِّ طَارِدًا لِضَـرْبٍ آخَـرَ مِنَ النَّـقْـدِ يَكونُ مَـدارُهُ على العامِـلِ الذّاتِـيّ، بَـلْ قَـدْ يَسْتَـصْحِـبُهُ أَحْـيانًـا أَوْ، في أَقَـلِّ حال، يَـلْـحَظُ الحاجَـةَ إِلَـيْـهِ وَيَحْـفَـظُ مِساحَـةً لَـه. هَـذا يَخْـتَـلِـفُ عَـنْ نَـقْـدٍ ثـانٍ لِـهاتـيكَ العَـوامِلِ لا يَـبْغي أَكْـثَـرَ مِنَ الإِيـحاءِ بِأَنَّـها وَحْدَها العَـوامِلُ المُؤَثِّـرَةُ سَـلْبًـا وَالكابحَـةُ لِـلـتَّـقَـدُّمِ وَالمَسْـؤولَةُ عَنْ كُـلِّ كَـبْـوٍ وَإِخْـفاقٍ يَـعْـرِضُ لِلْـفِعْـلِ الإِنْسانِـيّ؛ فَـهَـذا، على الحَقـيقَـة، لَيْسَ نَـقْـدًا بَـلْ تَوْهـيمٌ وَتَـزْويـرٌ لِحَقـيقَـةِ الفَـواعِلِ الكُـبْـرى في تَـكْـوينِ الأَفْـعالِ وَالظَّـواهِـر، وَحَـرْفٌ لِـلـنَّـظَـرِ عَنْ حِصَّـةِ العَـوامِلِ الذّاتِـيَّـةِ في ذَلِكَ التَّـكْـوين.

لَـعَـلَّـنا نَـتَأَدّى مِـنْ هَـذا التَّـمْـيـيزِ إلى اِسْـتِـنْـتاجٍ نَحْـسَـبُـه، في ما نَـزْعُـم، قاعِـدَةً ذَهَـبِـيَّـةً في النَّـظَـرِ إلى فِـعْـلِ النَّـقْـد - كَـفِـعْـلٍ مَـعْـرِفِيّ - وَفي تَـقْـديرِ وَزْنِـهِ بِـمـيزَانِ الفائِدَةِ هُـوَ (أَيِ الاِسْتِـنْـتاجُ) التّالي: إِنَّ نَـقْـدَ المَـوْضوعِ وَالشَّـرْطَ المَوْضوعِيَّ نَـقْـدٌ ضَـرورِيٌّ وَمَشْـروعٌ لا غُـنْـيَـةَ عَـنْه، لَـكِـنَّـهُ يَكونُ أَفْضَـلَ وَأَرْصَـنَ وَأَفْـعَلَ كُـلَّـما حَصَلَ مِـنْ طَـريقِ نَـقْدِ الـذّاتِ وَبِالمُوازاةِ مَـعَـه.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن