الأمن القومي العربي

مِصرُ وَالتَّوازُنُ الإقليمِيُّ الجَديد: مِنَ الوَساطَةِ إلى تَعزيزِ النُّفوذ!

لَمْ تَقْتَصِرْ تَداعِياتُ الحَرْبِ الأَميرِكِيَّةِ - الإيرانِيَّةِ على إِعادَةِ رَسْمِ خَرائِطِ الرَّدْعِ العَسْكَرِيِّ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، بَلِ امْتَدَّتْ إِلى إِعادَةِ تَرْتيبِ أَوْلَوِيّاتِ واشِنْطُن الإِقْليمِيَّةِ وَشَبَكَةِ شُرَكائِها. وَفي خِضَمِّ هَذا التَّحَوُّل، بَرَزَتْ مِصْرُ بِاعْتِبارِها أَحَدَ أَبْرَزِ المُسْتَفيدينَ مِنْ مُعادَلَةِ ما بَعْدَ الحَرْب، حَيْثُ انْتَقَلَتْ مِنْ دَوْرِ السّاعي إِلى احْتِواءِ التَّصْعيدِ إِلى شَريكٍ تَنْظُرُ إِلَيْهِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ بِوَصْفِهِ رَكيزَةً أَساسِيَّةً في تَرْسيخِ الِاسْتِقْرارِ وَإِدارَةِ التَّوازُنات.

مِصرُ وَالتَّوازُنُ الإقليمِيُّ الجَديد: مِنَ الوَساطَةِ إلى تَعزيزِ النُّفوذ!

تَجَسَّدَ هَذا التَحَوُّلُ بِوُضوحٍ في تَأْكيدِ مَسْعَد بولُس، كَبيرِ مُسْتَشاري الرَّئيسِ الأَميرْكِيِّ لِلشُّؤونِ العَرَبِيَّةِ وَالأَفْريقِيَّة، أَنَّ واشِنْطُن تَنْظُرُ إِلى مِصْرَ كَشَريكٍ مِحْوَرِيٍّ في تَعْزيزِ السَّلامِ وَالأَمْنِ وَالِازْدِهارِ في الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَأَفْريقْيا.

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ تَصْريحاتِ بولُس جاءَتْ في إِطارِ التَّهْنِئَةِ بِحُلولِ الذِّكْرى الـ74 لِثَوْرَةِ 23 يولْيو/تَمّوز عامَ 1952، فَإِنَّ تَوْقيتَها وَمَضْمونَها يَعْكِسانِ قِراءَةً أَميركِيَّةً جَديدَةً لِلدَّوْرِ المِصْرِيّ.

وَبَدَلًا مِنَ التَّرْكيزِ على المِلَفّاتِ التَّقْليدِيَّة، مِثْلَ المُساعَداتِ العَسْكَرِيَّةِ أَوِ العَلاقاتِ الِاسْتراتيجِيَّة، سَلَّطَ بولُس الضَّوْءَ عَلى دَوْرِ مِصْرَ الإِقْليمِيّ، بِاعْتِبارِها دَوْلَةً قادِرَةً على المُساهَمَةِ في احْتِواءِ الأَزْمات، وَتَأْمينِ المَمَرّاتِ البَحْرِيَّة، وَدَعْمِ الِاسْتِقْرارِ في كُلٍّ مِنَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ وَالقارَّةِ الأَفْريقِيَّة.

يُؤَشِّرُ هَذا إِلى أَنَّ الإِدارَةَ الأَميركِيَّةَ باتَتْ تَنْظُرُ إِلى القاهِرَة، لَيْسَ فَقَطْ كَحَليفٍ تاريخِيّ، بَلْ كَشَريكٍ لا غِنى عَنْهُ في هَنْدَسَةِ التَّوازُناتِ الإِقْليمِيَّةِ الجَديدَةِ التي فَرَضَتْها تَداعِياتُ المُواجَهَةِ مَعَ إيران. وَرُبَّما تَمْنَحُ تِلْكَ الحَرْبُ مِصْرَ وَزْنًا أَكْبَرَ في الحِساباتِ الأَميرِكِيَّة، كَما توحي تَصْريحاتُ بولُس، لَكِنَّها لَنْ تَدْفَعَ القاهِرَة، على الأَرْجَح، إِلى إِعادَةِ تَعْريفِ عَلاقَتِها بِواشِنْطُن.

مُواجَهَةٌ مُؤَجَّلَة

تَحْكُمُ العَلاقَةُ المِصرِيَّةُ - الأميركيةُ بِالضَّرورَةِ وَمُنْذُ عُقودٍ فَلْسَفَةٌ بْراغْماتِيَّة، عَبَّرَ عَنْها اللِّواءُ عُمَر سُلَيْمان، رَئيسُ المُخابَراتِ المِصْرِيَّةِ الأَسْبَقُ وَنائِبُ الرَّئيسِ الرّاحِلِ حُسْني مُبارَك، بِقَوْلِهِ إِنَّ مِصْرَ تَتَجَنَّبُ الصِّدامَ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، لِأَنَّها تَسْعى إِلى إِدارَةِ الخِلافاتِ بِما يَحْمي مَصالِحَها وَيُؤَجِّلُ أَيَّ مُواجَهَةٍ غَيْرَ ضَرورِيَّة.

وَلَعَلَّ هَذا يَتَّضِحُ أَكْثَرَ في اسْتِثْناءِ الرَّئيسِ الأَميركِيِّ دونالد ترامب، المَعْروفِ بِأُسْلوبِهِ السّاخِرِ وَالحادِّ مَعَ بَعْضِ قادَةِ العالَم، الرَّئيسَ المِصْرِيَّ عَبْدَ الفَتّاحِ السِّيسِيَّ مِنْ هَذا النَّهْج، بَلْ حَرِصَ مِرارًا عَلى الإِشادَةِ بِه، والتعامُلِ مَعَهُ بِطَريقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ كَثيرٍ مِنْ قادَةِ العالَم، على الرَّغْمِ مِنَ الجَدَلِ الَّذي أَثارَتْهُ عِبارَةُ "ديكْتاتوري المُفَضَّل". وبِالتَّوازي، أَكَّدَ السّيسي في أَكْثَرَ مِنْ مُناسَبَةٍ أَهَمِّيَّةَ التَّعاوُنِ الِاسْتراتيجِيِّ مَعَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَأَشادَ بِجُهودِ ترامب في مِلَفّاتٍ إِقْليمِيَّةٍ مِثْلَ مُفاوَضاتِ سَدِّ النَّهْضَة، مَعَ التَّأْكيدِ عَلى أَنَّ هَذا التَّعاوُنَ يَنْطَلِقُ مِنَ المَصالِحِ المُشْتَرَكَة.

وَلا يَعْكِسُ هَذا التَّبادُلُ الإيجابِيُّ بِالضَّرورَة، بِحَسَبِ مُراقِبين، تَطابُقًا في الرُّؤى، بِقَدْرِ ما يَعْكِسُ إِدْراكًا مُتَبادَلًا لِقيمَةِ كُلِّ طَرَفٍ بِالنِّسْبَةِ إِلى الآخَر؛ فَواشِنْطُن تَنْظُرُ إِلى مِصْرَ بِاعْتِبارِها رَكيزَةً لِلِاسْتِقْرارِ الإِقْليمِيِّ وَشَريكًا يَصْعُبُ تَجاوُزُهُ في مِلَفّاتِ المِنْطَقَةِ المُلِحَّة.

وَيُلاحِظُ البَعْضُ أَنَّ مِصْرَ واجَهَتِ الأَزْمَةَ الرّاهِنَةَ بِالِاسْتراتيجِيَّةِ عَيْنِها الَّتي اعْتَمَدَتْها خِلالَ حَرْبِ غَزَّة، عَبْرَ الوَساطَةِ العَمَلِيَّة، وَبِناءِ التَّحالُفات، وَتَحْويلِ عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ الإِقْليمِيِّ إِلى نُفوذٍ مالِيٍّ وَديبْلوماسِيّ.

وَوِفْقًا لِهَذِهِ الرُّؤْيَة، فَقَدْ لَعِبَتِ القاهِرَةُ دَوْرًا مَرْكَزِيًّا في جُهودِ الوَساطَةِ بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإيران، بَعْدَ أَنْ أَعادَتِ الِانْخِراطَ مَعَ الإيرانِيّينَ قَبْلَ انْدِلاعِ الحَرْب، ما جَعَلَها أَحَدَ الفاعِلينَ القَلائِلِ المَوْثوقينَ لِفَتْحِ قَنَواتِ تَفاوُض.

في المُقابِل، يَرى تَقْريرٌ إِسْرائيلِيٌّ أَنَّ مِصْرَ لَعِبَتْ دَوْرًا نَشِطًا وَإِنْ كانَ ثانَوِيًّا ضِمْنَ آلِيَّةٍ رُباعِيَّةٍ جَديدَةٍ ضَمَّتْ باكِسْتانَ وَالسُّعودِيَّةَ وَتُرْكيا، لافِتًا إِلى أَنَّ القاهِرَةَ اسْتَهْدَفَتْ تَحْويلَ هَذا "الرُّباعِيِّ العَرَبِيِّ - الإِسْلامِيّ" إِلى إِطارٍ قادِرٍ عَلى اسْتِخْدامِ الوَزْنِ السِّياسِيِّ وَالِاقْتِصادِيِّ وَالدّيموغْرافِيِّ الجَماعِيِّ كَقُوَّةِ مُوازنَةٍ لِكُلٍّ مِنْ إِسْرائيلَ وَإيران، وَصِياغَةِ تَرْتيباتٍ أَمْنِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ بَعْدَ الحَرْب، وَتَقْليلِ الِاعْتِمادِ على القُوى العالَمِيَّة، وَحِمايَةِ المَصالِحِ الِاقْتِصادِيَّةِ وَالمَمَرّاتِ البَحْرِيَّة، الَّتي باتَتْ تُمَثِّلُ أَوْلَوِيَّةً مُتَزايِدَةً لِواشِنْطُن.

وَمَعَ هَذا، ثَمَّةَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ المِصْرِيَّةَ تَنْطَلِقُ مِنْ تَقْديرٍ أَعْمَقَ لِبُنْيَةِ الصِّراع، حَيْثُ لا تَنْظُرُ إِلى إِضْعافِ إيرانَ الكامِلِ كَضَمانٍ لِلِاسْتِقْرار، بَلْ كَاحْتِمالٍ لِتَصاعُدِ هَيْمَنَةٍ إِسْرائِيلِيَّةٍ أَوْسَعَ بِرُؤْيَةٍ أَميركِيَّة. وَلَجَأَتِ القاهِرَةُ إِلى الوَساطَةِ مَعَ اشْتِراطِ وَقْفِ الِاسْتِهْدافِ الإيرانِيِّ لِدُوَلِ الخَليج، ما حافَظَ عَلى قَدْرٍ مِنَ المِصْداقِيَّةِ لَدى الأَطْرافِ المُتَحارِبَة.

وَساطَةٌ مُكْلِفَة

لٰكِنَّ الحَرْبَ لَمْ تَمْنَحْ مِصْرَ نُفوذًا مَجّانِيًّا، بَلْ جَعَلَتْها ضَحِيَّةً على الصَّعيدِ الِاقْتِصادِيِّ على الرَّغْمِ مِنْ وَساطَتِها، إِذْ تَحَمَّلَتْ أَعْباءً كَبيرَةً عَبْرَ انْخِفاضِ إيراداتِ قَناةِ السُّوَيْسِ بِنِسْبَةٍ تَصِلُ إِلى 38%، وَخُروجِ رُؤوسِ أَمْوالٍ تُقَدَّرُ بِنَحْوِ 10 مِلْياراتِ دولار، وَارْتِفاعِ التَّضَخُّمِ وَأَسْعارِ الوَقود، وَنَقْصٍ في إِمْداداتِ الطّاقَة.

وَمَعَ مُحاوَلَةِ واشِنْطُن إِعادَةَ تَرْتيبِ شَبَكَةِ شُرَكائِها الإِقْليمِيّين، تَسْتَعيدُ مِصْرُ مَوْقِعَها كَقُوَّةٍ إِقْليمِيَّةٍ تَمْلِكُ القُدْرَةَ على التَّوَسُّطِ بَيْنَ الخُصوم، وَالحِفاظِ على حُرِّيَّةِ الحَرَكَةِ في إِقْليمٍ مُضْطَرِب.

لَكِنَّ نَجاحَ هَذا الدَّوْرِ سَيَظَلُّ مَرْهونًا بِقُدْرَةِ القاهِرَةِ على الحِفاظِ على تَوازُنِها الدَّقيقِ بَيْنَ تَعْميقِ التَّعاوُنِ مَعَ واشِنْطُن، وَتَجَنُّبِ الِانْخِراطِ في مَحاوِرَ قَدْ تُقَيِّدُ هامِشَ اسْتِقْلالِ قَرارِها الخارِجِيّ، ما يَعْني أَنَّ الرِّهانَ المِصْرِيَّ على المُقارَبَةِ الأَميركِيَّةِ الجَديدَةِ يَظَلُّ مَشْروطًا بِمَدى الِاسْتِجابَةِ لِمِلَفّاتِ القاهِرَةِ الوُجودِيَّة، بِخاصَّةٍ أَمْنِ المِياهِ بِاعْتِبارِهِ الأَكْثَرَ إِلْحاحًا بِالنِّسْبَةِ إلى الدَّوْلَةِ المِصْرِيَّة، الَّتي يَتَعَيَّنُ أَنْ تَقيسَ أَيَّ انْفِتاحٍ أَميركِيٍّ جَديدٍ بِمَدى انْعِكاسِهِ على مِلَفّاتِها وَمَصالِحِها الِاسْتراتيجِيَّة!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن