صحافة

ماذا سيحدث في الستين يوماً؟

عماد الدين حسين

المشاركة
ماذا سيحدث في الستين يوماً؟

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران أمس، السبت (إ.ب.أ)

ما الذي يمكن أن يحدث في فترة الستين يوماً ما بين التوقيع على مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وصولاً إلى التوصل لاتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني وعلاقاتها بالولايات المتحدة؟ هذا هو السؤال الذي يبحث كثيرون في الإجابة عنه بعد أن تم التوقيع بالفعل على مذكرة التفاهم مساء يوم الأربعاء الماضي ـــ عن بُعد ــ بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان. الإجابة المثالية عن هذا السؤال هي أن غالبية دول المنطقة تتمنى سرعة التوصل إلى اتفاق نهائي يحقق الأمان والاستقرار للجميع، وبالطبع أن يحقق لكل طرف أهدافه المعلنة، أما الإجابة الواقعية فهي أنه ومن خلال خبرة الشهور والأسابيع الأخيرة فلا يوجد شيء مضمون على الإطلاق، وبالتالي فإن كل الاحتمالات واردة.

في 28 فبراير الماضي، بدأت الحرب بهجوم أمريكي إسرائيلي على إيران، والأخيرة لم تكتفِ بالرد على إسرائيل بل اعتدت على دول الخليج، وفي 8 أبريل تم التوصل إلى هدنة شديدة الهشاشة تخللتها هجمات متقطعة بين الأطراف المختلفة، إلى أن تم الإعلان عن التوصل لمذكرة تفاهم الأسبوع الماضي، وتم التوقيع عليها بالفعل قبل يومين خلال وجود ترامب في قصر فرساي الفرنسي على هامش قمة السبع الكبار.

نعود إلى السؤال الذي بدأنا به، وهو ما الذي سيحدث خلال فترة الشهرين؟ عبر تحليل مواقف الأطراف الرئيسية في الصراع، فإن المعلن عنه حتى الآن هو قول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثلاثاء الماضي إنه يتوقع التوصل إلى اتفاق نهائي بسرعة حتى قبل مرور الستين يوماً المتفق عليها في مذكرة التفاهم.

بالنسبة للموقف الأمريكي أيضاً، فلم يعد خافياً أن ترامب صار يخشى أن استمرار الحرب قد يكلف حزبه الجمهوري ثمناً كبيراً في انتخابات الكونغرس النصفية في الخريف المقبل، خصوصاً مع الارتفاعات المستمرة في أسعار البترول وسائر منتجات الطاقة، حيث بلغت نسبة الزيادة في الولايات المتحدة أكثر من 45 %.

في اللحظات التي تلت الإعلان عن التوصل للاتفاق على مذكرة التفاهم بدأت الأسعار في التراجع حيث سجلت يوم الخميس الماضي نحو 77 دولاراً لخام برنت للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي، وهذا الانخفاض الشديد لم يكن بسبب التوصل للاتفاق فقط، بل لقرار الولايات المتحدة رفع الحصار عن الموانئ البحرية الإيرانية والسماح لطهران ببيع نفطها. من مصلحة ترامب أن يصل إلى اتفاق نهائي واضح يمنع إيران تماماً من امتلاك أو شراء أسلحة نووية ويفكك منظومة صواريخها ووكلائها في المنطقة.

وسوف نشاهد خلال الستين يوماً تصريحات متناقضة تماماً من ترامب بعضها يشيد بإيران وقادتها، وبعضها يهددها بالويل والثبور، وهو نفسه قال إنها إذا لم توقع اتفاقاً خلال فترة الشهرين فسوف يعود لقصفها مرة أخرى. وفي كل الأحوال، فإن ترامب يرى أنه انتصر انتصاراً كبيراً ودمر القدرات النووية والتقليدية لإيران. بالنسبة لإيران فأغلب الظن أنها سوف تواصل طريقتها المعهودة المناورة في شراء وتضييع الوقت، خصوصاً أنها تقول إنها ستحصل على بعض أموالها المجمدة، رغم أن أمريكا تنكر ذلك تماماً، كما تؤكد واشنطن أنها تمكنت من فتح مضيق هرمز من دون فرض رسوم مرور إيرانية علنية.

الجانب الثالث هو إسرائيل، ويمكن أن نطلق عليها "الثلث المعطل" المتوقع. فالاتفاق لا يحقق أياً من الأهداف الإسرائيلية الكبرى، وهى إسقاط النظام الإيراني والتدمير الكامل للبرنامج النووي أو تفكيكه، وتقليص برنامج الصواريخ، والقضاء على وكلاء إيران في المنطقة أو إضعافهم. الإسرائيليون عبروا علناً وسراً عن عدم رضائهم عن اتفاق ترامب مع إيران، وبالتالي فسوف يسعون بكل الطرق إلى افتعال مشكلات وأزمات، خصوصاً في الجبهة اللبنانية، من أجل تعطيل الاتفاق وإشعال الحرب من جديد، حتى يتم تحقيق كامل الأهداف الإسرائيلية المعلنة.

ونعلم تماماً أن غالبية أحزاب المعارضة الإسرائيلية، بل ومنها بعض حلفاء بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي من اليمين المتطرف يرون أن إسرائيل خرجت خاسرة بالصورة التي انتهت إليها الحرب. المشكلة الأكبر بالنسبة لنتانياهو هي أن يضغط عليه ترامب كي ينسحب من لبنان أو يتوقف عن القتال، والأخطر هو أن يشتعل الخلاف بين الإثنين، خصوصاً أن ترامب بدأ يوجه انتقادات علنية لنتانياهو ويقول له بوضوح: توقف عن إثارة المشكلات وتحلّ بالمسؤولية، وهو ما فعله أيضاً نائبه جي دي فانس.

يفترض أن يكون هناك طرف رابع وأصيل وهو الطرف العربي الذي عارض اندلاع الحرب من البداية، وأعلن أنه لن يسمح باستخدام أجوائه في الحرب، وهو الذي تعرض لاعتداءات إيرانية مستمرة، المفترض ألا تتغافل واشنطن عن هذا الأمر، وألا تبحث فقط عن مصلحتها ومصلحة إسرائيل، وألا تكرر خطأ اتفاق أوباما مع إيران عام 2015. إذن وطوال الستين يوماً المقبلة سيسعى ترامب إلى إنجاز اتفاق سريع تعلن فيه إيران بوضوح أنها لن تسعى لامتلاك سلاح نووي، كي يقول إنه حقق ما لم يحققه أوباما.

وستسعى إيران إلى الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب خصوصاً الإفراج عن بعض أموالها المجمدة. وستسعى إسرائيل إلى إفساد الاتفاق بكل الطرق لأن أهدافها الأساسية لم تتحقق. الخلاصة؛ من المتوقع خلال فترة الشهرين أن نرى تسريبات ومعارك إعلامية كثيرة، وربما بعض الاشتباكات انطلاقاً من الجبهة اللبنانية سعياً من كل طرف لتحقيق أهدافه أو الحد الأقصى منها.

(البيان الإماراتية)

يتم التصفح الآن