تقدير موقف

قِراءَةٌ في مُذَكّرَةِ التفاهُمِ الأميرِكِيَّةِ - الإيرانيَّة!هَل تَستَطيعُ واشنطن تَحْويلَها إلى سَلامٍ إقليمِيٍّ وَإعادَةِ إعمارٍ تَشملُ كُلَّ الشَّرقِ الأَوسَط؟

تَسْمَحُ "مُذَكِّرَةُ التَّفاهُمِ" بَيْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَإيران، بِقِراءاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلْخُلاصاتِ الجِيوسِياسِيَّة، حَوْلَ مُخْرَجاتِ حَرْبٍ دَمَّرَتْ جُزْءًا كَبيرًا مِنَ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ المَدَنِيَّةِ وَالتُّرْسانَةِ العَسْكَرِيَّةِ الإيرانِيَّة، وَكَلَّفَتِ العالَمَ نِصْفَ نُقْطَةٍ مِنَ النُّمُوِّ الِاقْتِصادِيّ، وَأَحْرَجَتِ الإِدارَةَ الأميرِكِيَّةَ أَمامَ حُلَفائِها وَأَصْدِقائِها، وَأَشْعَلَتْ فَتيلَ خِلافٍ غَيْرِ مَسْبوقٍ بَيْنَ واشِنْطُنْ وَتَلِّ أَبيب.

قِراءَةٌ في مُذَكّرَةِ التفاهُمِ الأميرِكِيَّةِ - الإيرانيَّة!
هَل تَستَطيعُ واشنطن تَحْويلَها إلى سَلامٍ إقليمِيٍّ وَإعادَةِ إعمارٍ تَشملُ كُلَّ الشَّرقِ الأَوسَط؟

بَعْدَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفِ الشَّهر، لَمْ تُفْرِزِ العَمَلِيّاتُ العَدائِيَّةُ أَيَّ مُنْتَصِرٍ كاسِحٍ وَلا مُنْهَزِمٍ مُسْتَسْلِم، بَلِ اكْتَفَتْ بِتَحْريكِ مياهٍ ساكِنَةٍ في الشَّرْقِ الأَوْسَط، كانَتْ بِحاجَةٍ إلى صَدْمَة، لِلتَّعامُلِ مع واقِعٍ جَديد.

حَصَلَتْ إيرانُ ضِمْنِيًّا على اعْتِرافٍ أَميرِكِيٍّ بِدَوْرِها الإِقْليمِيّ، وَأَحَقِّيَّتِها في إِعادَةِ الإِعْمار، وَرَفْعِ العُقوباتِ الِاقْتِصادِيَّة عنها، وَزِيادَةِ صادِراتِها النَّفْطِيَّةِ عَبْرَ مَضيقِ هُرْمُز. وَحَصَلَ العالَمُ على حُرِّيَّةِ المِلاحَةِ البَحْرِيَّة، مِنْ دونِ قُيودٍ أَوْ رُسوم. في المُقابِل، تَبَدَّلَ خِطابُ النِّظامِ الإيرانيِّ مِنَ الدّاخِل، وَظَهَرَتْ مُؤَشِّراتُ انْفِتاحٍ في بَعْضِ مَناحي الحَياةِ السِّياسِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّة. وَلَمْ تَعُدْ أَميرِكا هِيَ "الشَّيْطانَ الأَكْبَر"، في نَظَرِ رَئيسِ البَرْلَمانِ وَوَزيرِ الخارِجِيَّة، وَجُزْءٍ مِنْ بَقايا نِظامِ "وِلايَةِ الفَقيه".

أصبحت واشنطن ترى في مُفاوضيها الإيرانيين الجدد نسخة مُعدّلة قابلة للتطويع والتطبيع أو حتى التحالف

وَاهْتَدَتِ الأَطْرافُ المُتَنافِسَةُ على السُّلْطَة: خاصَّةً "الحَرَسُ الثَّوْرِيّ" وَالقِيادَةُ الجَديدَة، إلى اعْتِبارِ إِنْقاذِ ما تَبَقّى مِنَ النِّظام، "انْتِصارًا لِلنِّظام"، أَوْ هَكَذا تَمَّ وَصْفُ مُوافَقَةِ خامِنَئي الِابْنِ على المُذَكِّرَة. بَلْ أَصْبَحَتْ وَاشِنْطُن تَرى في مُفاوِضيها الإيرانيينَ الجُدُدِ نُسْخَةً مُعَدَّلَة، قابِلَةً لِلتَّطْويعِ وَالتَّطْبيع، أَوْ حَتّى التَّحالُف، انْطِلاقًا مِنْ مَقولَةِ "عَدَمِ وُجودِ صَديقٍ دائِمٍ أَوْ عَدُوٍّ دائِم".

لا يَسْتَبْعِدُ مُراقِبونَ حُدوثَ تَقارُبٍ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ العَدُوَّيْن، إِذا نَجَحَتِ مُفاوَضاتُ الـ60 يَوْمًا، في ضَمانِ حِمايَةِ مَصالِحِ الطَّرَفَيْن، لِأَنَّ وَاشِنْطُن تَرْغَبُ في إِعادَةِ صِياغَةِ "إيرانَ الجَديدَة" القابِلَةِ لِلْعَيْش، في مُحيطٍ مُتَعَدِّدِ الأَجْناسِ وَالثَّقافات. وَبِدَوْرِها، تَتَطَلَّعُ "طَهْرانُ الجَديدَةُ" إلى تَحْقيقِ نَهْضَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَعُمْرانِيَّة، على غِرارِ جيرانِها في الخَليج. وَلا يُمْكِنُ تَحْقيقُ هَذا الهَدَفِ مِنْ دونِ التَّفاهُمِ مع "العَمِّ سام"، وَرَفْعِ العُقوباتِ الِاقْتِصادِيَّة، وَتَدْبيرِ 300 مِلْيارِ دولارٍ لِإِعادَةِ الإِعْمار. لَكِنَّ الثَّمَنَ المَطْلوبَ سَيَكونُ باهِظًا، عُنْوانُهُ الِانْتِقالُ مِنْ "دَوْلَةٍ دينِيَّة" إلى "دَوْلَةٍ طَبيعِيَّة" بِخَلْفِيّاتٍ تُراثِيَّة. وَالخُطْوَةُ الأولى هِيَ لَجْمُ أَذْرُعِ "المُمانَعَةِ" في لُبْنانَ وَالعِراق، وَعلى رَأْسِها "حِزْبُ الله"، وَتَقْوِيَةُ الدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ وَحَصْرُ السِّلاحِ بِيَدِها.

وَقَدْ هَدَّدَ دونالد ترامب إيرانَ بِمَنْعِها مِنْ أَيِّ دولار، إِذَا لَمْ تُغَيِّرْ سُلوكَها، وَمَعْناهُ الأَميرْكِيُّ التَّكَفُّلُ بِنَزْعِ سِلاحِ ميليشْياتِها العَسْكَرِيَّة، كَوْنَها مَشْمولَةً قانونًا أَيْضًا، بِانْتِهاءِ الأَعْمالِ العَدَائِيَّة، كَما وَرَدَ في مُذَكِّرَةِ التَّفاهُم. وَيُشَكِّلُ اللِّقاءُ المُرْتَقَبُ في وَاشِنْطُنْ بَيْنَ الرَّئِيسَيْنِ ترامب وَجوزاف عَوْن اخْتِبارًا حَاسِمًا لِعَوْدَةِ سُلْطَةِ الدَّوْلَةِ في لُبْنان، وَإِطْلاقِ مَلامِحِ "الدَّوْلَةِ الجَديدَةِ القَوِيَّة"، بِالمُوازاةِ مع تَنْزيلِ بَرامِجِ إِعادَةِ الإِعْمار.

تْريلْيونُ دولارٍ لِإِعادَةِ إِعْمارِ الشَّرْقِ الأَوْسَط

لا يُخْفي الرَّئيسُ ترامب رَغْبَتَهُ في ميلادِ "شَرْقٍ أَوْسَطَ جَديدٍ" قاعِدَتُهُ الأَساسُ تَبْقى اقْتِصادِيَّةً بِالدَّرَجَةِ الأولى، أَذْرُعُها التَّنْفيذِيَّةُ الِاسْتِثْمارات، وَإِعادَةُ التَّشْييدِ وَالْبِناء، وَأَنْ تَكونَ جَميعُ دُوَلِ الْمِنْطَقَةِ مَشْمولَةً بِهَذِهِ الْخُطَّة، التي تَتَجاوَزُ قيمَتُها تْريلْيونَ دولار. لِذَلِكَ لَمْ تُرَكِّزِ الإِدارَةُ الأَميرِكِيَّةُ على هَدَفِ الِاسْتِسْلام، أَوْ إِسْقاطِ النِّظام، وَاكْتَفَتْ مُذَكِّرَةُ التَّفاهُمِ بِالنَّصِّ على تَجْميدِ الْبَرْنامَجِ النَّوَوِيّ، سَنَواتٍ طَويلَةً قادِمَة، وَإِتْلافِ الْمَخْزونِ الْمُخَصَّبِ الْحَالِيّ، وَلَيْسَ التَّدْميرَ الْكامِلَ لِلْمَشْروع.

أَميركا تريد توازنًا إقليميًا يضمّ العرب والفرس واليهود على أساس مصالحها الاستراتيجية

لَمْ تُعْجِبِ الْحُكومَةَ الإِسْرائيلِيَّةَ الْيَمينِيَّةَ الْمُتَشَدِّدَةَ هَذِهِ الْمُذَكِّرَة، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْعالَمَ كُلَّهُ رَحَّبَ بِها. وَالْحَقيقَةُ أَنَّ تَلَّ أَبيبَ التي وَجَدَتْ نَفْسَها مُهَمَّشَة، في كُلِّ مَراحِلِ الْمُفاوَضات، لَمْ تُوافِقْ "إِلّا مُكْرَهَةً" على وَقْفِ الْحَرْبِ في لُبْنان. في الْمُقابِل، الْتَقى ترامب بِرُؤَساءَ عَرَب، على هامِشِ قِمَّةِ مَجْموعَةِ السَّبْعِ الِاقْتِصادِيَّة، وَبَدا مُنْشَرِحًا، وَهُوَ يَدْعوهُمْ إلى الْجُلوس. وَهِيَ إِشارَةٌ إلى أَنَّ أَميرِكا تُريدُ تَوازُنًا إِقْليمِيًّا يَضُمُّ الْعَرَبَ وَالْفُرْسَ وَالْيَهود، على أَساسِ مَصالِحِ أَميرْكا الِاسْتراتيجِيَّةِ في الْمِنْطَقَة، وَلَيْسَ مُجاراةَ طُموحِ حُكوماتٍ بِعَيْنِها. وَقالَ مُحَلِّلونَ إِنَّ الرَّئيسَ ترامب أَدْرَكَ مُتَأَخِّرًا أَنَّ "نِتِنْياهو اسْتَدْرَجَهُ إلى مُسْتَنْقَعِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، بِذَريعَةِ مَنْعِ إيرانَ مِنْ صِناعَةِ قُنْبُلَةٍ نَوَوِيَّة".

وَأَبْدى نائِبُ الرَّئيسِ، جي دي فانْس، انْزِعاجًا واضِحًا مِنْ تَعْليقِ رَئيسِ الْحُكومَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ بِنيامين نِتِنْياهو عَرّابِ الْحَرْبِ الْغاضِب، قائِلًا: "إِنَّ ترامب هُوَ الرَّئيسُ الْوَحيدُ الذي يَدْعَمُ إِسْرائيلَ حالِيًّا، وَيُصادِفُ أَنَّهُ على رَأْسِ الْقُوَّةِ الرّائِدَةِ في الْعالَم". وَقالَتْ وَسائِلُ إِعْلامٍ دَوْلِيَّةٌ إِنَّ "حِرْصَ ترامب على تَوْقيعِ مُذَكِّرَةِ التَّفاهُمِ في قَصْرِ فِرْساي، هُوَ مُحاكاةٌ لِاتِّفاقِيَّةِ السَّلامِ لِإِنْهاءِ الْحَرْبِ الْعالَمِيَّةِ الأولى"، مع تَلْميحٍ إلى ميلادِ شَرْقٍ أَوْسَطَ جَديدٍ تَحْتَ التَّشْكيل، يُخالِفُ تَفاهُماتِ "سايْكس - بيكو"، الْبَريطانِيَّةِ - الْفَرَنْسِيَّة، أَثْناءَ "مُعاهَدَةِ السَّلامِ 1919". كَما انْتَقَدَ ترامب مَنْ خَالَفوهُ الرَّأْيَ مِنَ الصُّقور. وَكَتَبَ على مِنَصَّةِ "تْروث سوشْيال": "هَؤُلاءِ الْحَمْقى، الذينَ يَعْتَقِدونَ أَنَّني لَمْ أَكُنْ صارِمًا بِما فيهِ الْكِفايَةُ مع إيران، هُمْ سَيِّئونَ أَوْ أَغْبِياء. اُنْظُروا إلى الْأَسْهُمِ في ارْتِفاعٍ وَالنَّفْطِ في تَراجُع".

توافق بين بعض حكومات إسرائيل وإيران بخصوص تبنّي الأهداف نفسها

في النِّهايَة، تُمَهِّدُ الدَّوْلَةُ الْعَميقَةُ وَالشَّرِكاتُ الأَميرِكِيَّة، لِبِناءِ شَرْقٍ أَوْسَط، يَكونُ فيهِ عَدَدُ رافِعاتِ الْبِناءِ بَديلًا عَنِ الصَّوَاريخِ الْباليسْتِيَّة. وَتَعْتَقِدُ أَنَّ إِشْراكَ إيرانَ في تِلْكَ الْبَرامِجِ بِقيمَةِ 300 مِلْيارِ دولارٍ مُهِمٌّ جِدًّا، وَمِنْ شَأْنِهِ تَسْهيلُ شُروطِ إِعادَةِ الْإِعْمارِ في لُبْنانَ وَسورْيا وَالْعِراقِ وَالضَّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ وَغَزَّة، بِأَمْوالِ فائِضِ النَّفْط، وَالدَّعْمِ الدَّوْلِيّ، حَتّى يَشْعُرَ النّاسُ الذينَ تَعِبوا مِنَ الصِّراعات، أَنَّ السَّلامَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَرْب، لِأَنَّهُ مُسْتَحيلٌ تَحْقيقُ النَّصْرِ الِاسْتراتيجِيّ، وَهَذا ما نَبَّهَتْ إِلَيْهِ مَجَلَّةُ "ذي إيكونوميسْت" الْبَريطانِيَّةُ في بَدايَةِ حَرْبِ إيران.

السُّؤالُ الذي يَطْرَحُهُ الْجَميع: كَيْفَ يُمْكِنُ الِانْتِقالُ مِنْ مُجَرَّدِ مُذَكِّرَةِ تَفاهُمٍ إلى بِناءِ سَلامٍ إِقْلِيمِيّ؟ فالْمِنْطَقَةُ ما زالَتْ تُعاني أَزَماتٍ مِنْ تَرِكَةِ ثَمانينِيّاتِ الْقَرْنِ الْماضي، عِنْدَما دَخَلَتْ إيرانُ الشّيعِيَّةُ على خَطِّ "الْمُمانَعَة" لِإِفْشالِ كُلِّ جُهودِ السَّلام، وَتَحْويلِ الصِّراعِ مِنْ عَرَبِيٍّ - إِسْرائيلِيٍّ، إلى شيعِيٍّ - سُنِّيٍّ أَوَّلًا. وَفي هَذِهِ النُّقْطَةِ بِالذّاتِ نُلاحِظُ التَّوافُقَ بَيْنَ بَعْضِ حُكوماتِ إِسْرائيلَ وَإيرانَ بِخُصوصِ تَبَنّي الأَهْدافِ نَفْسِها، على الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلافِ تَفاصيلِ الْعَمَلِيّاتِ على الْمَيْدان!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن