تقدير موقف

مُسيّرة دُمياط وضربة ترامب أو فرصته الأخيرة!

مَن يراجع مسار الحرب "الإسرائيكية" على إيران منذ اندلاعها نهاية فبراير/شباط الماضي والتي توّجت باغتيال المرشد علي خامنئي، وصولًا إلى إلغاء الرئيس الأميركي المفاجئ للضربة "غير المسبوقة" التي هدّد بها إيران، بعدما طويت "مذكّرة التفاهم" التي سقطت بفعل التفسيرات المتضاربة، ثم إطلالة ترامب متحدثًا عمّا وصفه بمفاوضات "الفرصة الأخيرة" التي نفتها إيران وأكّدت عدم ارتباطها بمسار محادثاتها مع سلطنة عُمان حول "مضيق هرمز"، كل ذلك جعل التناقض والغموض يلفّان الموقف ويعوقان جهود الوسطاء في تقليص الفجوة بين الجانبين.

مُسيّرة دُمياط وضربة ترامب أو فرصته الأخيرة!

مَن يراجع بهلوانيات ترامب قبيل زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، يجده مهتمًّا بإثبات أنّه، هو، وليس نتنياهو مَن يدير دفّة الحرب، متوسّلًا بذلك دحض تهمة "جرّه" للهجوم الأوّل على إيران، وهو ما تجنّب نتنياهو تظهيره بُعيد لقائه الأخير مع ترامب والذي غابت عنه العراضات الاحتفالية الإعلامية، معزّزةً بمواقف ترامبية تصعيدية ضدّ إيران بعيدًا عن مشاركة إسرائيل، للإيحاء بقدرة وقوّة أميركا التي يقودها "الرئيس الأقوى" في تاريخ الولايات المتحدة كما يُسوّق ترامب.

ولعلّ ترامب المأزوم من عدم مشاركة أوروبا في الحرب على إيران، سلّم بإشراك أو توريط المُحيط العربي لإيران في أتون هذه الحرب، وهو ما استشعرته طهران وحلفاؤها في المنطقة، وأدّى إلى إعادة ربط "أنصار الله الحوثيين" في اليمن، نزاعهم مع السعودية على قاعدة الحصار بالحصار، فاستهدفوا مطار جازان ردًّا على استهداف السعودية لمطار صنعاء، ثم شرعوا في استهداف الناقلات السعودية ومنعها من عبور باب المندب، تزامنًا مع استهداف أحد مواقع "أرامكو"، والذي ردّت عليه المقاتلات السعودية والأميركية باستهداف مقرّات الحشد الشعبي شمالي وجنوبي العراق ما أدّى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى بينهم أربعة مستشارين إيرانيين. وأعقبت السعودية استهدافها للحشد الشعبي بالإعلان عن تحالف دفاعي يضم نحو 12 دولة عربية وأفريقية وإسلامية لضمان الملاحة في البحر الأحمر والذي إذا ما نجحت في فرضه فربّما يمتدّ باتجاه مضيق هرمز.

"مُسيّرة دمياط" تهدف إلى توريط مصر في الحرب

ويُحتمل أنّ الجهد السعودي الخليجي يشترط استبعاد إسرائيل عن المشاركة في استهداف إيران التي تعرّضت لضربات عنيفة متدرّجة تصاعديًّا، ما جعل بعض جنرالات البنتاغون يبحثون عن ابتكار أساليب غير تقليدية لإجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات، سيما أنهم يعتقدون بأنهم باتوا قاب قوسين من إسقاط النظام الإيراني بـ "الضربة القاضية" التي ألغاها ترامب بناءً على طلب بعض قادة المنطقة!

وفق هذا السياق التصعيدي التصاعدي، يمكن مُقاربة "مُسيّرة دمياط"، التي استهدفت ناقلتَيْ غاز أميركيتَيْن، والتي لم تحظَ بردّ فعل ترامبي مناسب. فعملية الاستهداف التي لم يتبنّها أحد، جاءت في لحظة سياسية حسّاسة تسمح بتوجيه أصابع الاتهام مباشرةً لإيران التي لديها مصلحة بتأكيد أنّ اختلال أمن الطاقة والبحار إذا ما هوجمت، سيتعدّى مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى البحر المتوسط. لكن القيادة المصرية تعاملت مع الحادثة بعيدًا عن الإثارة الإعلامية التي تتهم إيران حصرًا.

لا يسعى تقدير الموقف هذا، لتبنّي أو استبعاد أيّ من الفرضيّات المطروحة بانتظار أن تقول القاهرة كلمتها. فـ"مُسيّرة دمياط" تهدف من دون شك، إلى توريط مصر في حرب تحاول أن تكون مع تركيا وباكستان وقطر، وسيطًا لا طرفًا فيها، على الرغم من أنّ الحادثة أصابت أهدافًا عدّة بمُسيّرة واحدة، من بينها أنّ الحادثة وقعت بعد أسابيع من استعراض مصر لقوّتها الخشنة، بكامل أناقة القوّة النّاعمة خلال افتتاحها لمركز قيادة الدولة الاستراتيجي "الأوكتاغون". لكن اختراقات المُسيّرة مسّت الهيبة الأمنية المصرية الداخلية أو الوافدة عبر البحار، سيّما أنّ دُمياط هي مركز "تغويز" الغاز المصدّر إلى أوروبا، على مرمى حجر من الكيان الإسرائيلي الذي يضع تقويض مصر ضمن أولويّاته الاستراتيجية.

وإذا كانت السعودية قد استُدرجت أو اندفعت لاستخدام القوّة الخشنة ضدّ الحشد الشعبي دفاعًا عن مصالحها الحيوية، فقد برز موقف سوري داعم لها في وجه الفصائل العراقية الموالية لإيران، توازيًا مع موقف رافض للرئيس السوري لمطلب ترامب في محاربة حزب الله اللبناني، واستُتبع باستقبال أحمد الشرع لرئيس إقليم كردستان نيجيرفان برزاني مظلّلًا بعلم كردستان بعيدًا عن العلم العراقي، مع ما يحمل ذلك من رسائل سياسية سيّما أنّ إقليم كردستان ضمن استهدافات إيران اليومية.

من هذه الزاوية الاستراتيجية ينبغي النظر إلى تكرار ترامب استبعاده لإسرائيل عن الضربة المؤجّلة ضدّ إيران. استبعاد، يمكن قراءته كشرط سعودي لانخراط المملكة وحلفائها في التحالف البحري الدفاعي ضدّ مَن تسميهم بأذرع إيران في اليمن والعراق بسبب استهدافهم البنية التحتية النفطية السعودية والخليجية، على الرغم من أنّ للسعودية وتحالف "عاصفة الحزم" الذي شكلته عام 2015 للقضاء على الحوثيين تجربة معروفة المآلات!

الهدف الاستراتيجي "الإسرائيكي" هو إسقاط النظام الإيراني

ما تقدّم يشي بأنّ ثمّة تغيّرًا تكتيكيًّا في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وهو التغيير القائم على استبدال إسرائيل بتحالف السعودية الخليجي والإسلامي، مع تحويل إسرائيل لما يشبه حظائر الطائرات لكونها مزوّدة بطبقات عدة من الدفاع الجوي، وتشي تقارير عدّة بأنّ مخزونه بات شحيحًا لدى الجيش الأميركي.

يبقى أنّ الهدف الاستراتيجي "الإسرائيكي" الذي يتقدم على فتح مضيق هرمز وصياغة اتفاق نووي جديد، هو إسقاط النظام الإيراني. ومن دون هذا الإسقاط المُستعصي حتى الآن، والذي دونه أثمان قد تؤدّي إلى تفكيك بعض دول المنطقة وتجعلنا نترحّم على سقوط العراق الذي لم نخرج من تداعياته الكارثيّة حتى دخلنا في نفق تداعيات الحرب على إيران وقبل أن تضع أوزارها.

(خاص عروبة 22)

يتم التصفح الآن