بصمات

بَينَ المِطرَقَةِ والهِلال!في ذِكرى الوَفاة.. "نِيتْشِه" وَمُلاقاةُ الثَّقافَةِ الإسلامِيَّة!

"إِنَّ الفَيْلَسوف، كَما نَفْهَمُهُ نَحْنُ الأرْواح الحُرَّة، يَسْتَعْمِلُ الأَدْيانَ لِأَجْلِ عَمَلِهِ التَّأْديبِيِّ والتَّرْبَوِيّ".. (فْريدْريش نِيتْشِه[1]).

بَينَ المِطرَقَةِ والهِلال!
في ذِكرى الوَفاة..

في فَصٍّ مِنْ فُصوصِهِ الوارِدَةِ في كِتابِ "نَقيضِ المَسيح"، الذي كَتَبَهُ نِيتْشِه (Friedrich Nietzsche) سَنَةَ 1888، وَنُشِرَ سَنَةَ 1895، ثَمَّةَ قَوْلَةٌ مَرْصوصَةٌ جِدًّا حَوْلَ الثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة، جاءَ فيها: "لَقَدْ تَمَّ الِازْدِراءُ بِذَلِكَ العالَمِ الثَّقافِيِّ الموريسْكِيِّ البَديعِ الذي عَرَفَتْهُ إِسْبانيا - وَلا أَقولُ تَحْتَ أَيِّ نَوْعٍ مِنَ الأَقْدامِ تَمَّ الدَّوْسُ على تِلْكَ الثَّقافَة- والذي هُوَ أَقْرَبُ إِلَيْنا، وَيُخاطِبُ حَواسَّنا وَذَوْقَنا أَكْثَرَ مِمّا تَفْعَلُ روما واليُونان. لِماذا؟ لِأَنَّها مِنْ مَنْزِلَةٍ نَبيلَة، وَلِأَنَّها مَشْروطَةٌ في نَشْأَتِها بِغَرائِزَ فُحولِيَّة، وَلِأَنَّها تَقولُ نَعَمْ لِلحَياة، مَعَ زِيادَةٍ في الرَّهافَةِ النّادِرَةِ لِبَدائِعِ الحَياةِ الموريسْكِيَّة. لَقَدْ حارَبَ الصَّليبِيّون، فيما بَعْد، شَيْئًا كانَ أَجْدَرَ بِهِمْ لَوْ أَنَّهُمْ مَرَّغوا أُنوفَهُمْ في التُّرابِ أَمامَه؛ حَضارَةً كانَ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَشْعُرَ حَتّى قَرْنُنا التّاسِعَ عَشَرَ بِنَفْسِهِ فَقيرًا جِدًّا وَمُتَأَخِّرًا لِلغايَةِ مُقارَنَةً بِها. ("نَقيضُ المَسيح"، تَرْجَمَةُ علي مِصْباح، بَغْداد، بَيْروت، مَنْشوراتُ الجَمَل، 2011، الفَصُّ (الشَّذْرَةُ) رَقْمُ 60، ص 142-143).

الأديان هي وسائل للاصطفاء والتربية والأحرى أن تبقى وسائل في يد فلاسفة المستقبل

وَقَبْلَ إِمْضاءِ التَّفْكيرِ في المَوْضوع، يَجِبُ أَنْ نومِئَ إلى فِكْرَتَيْنِ أَساسِيَّتَيْن، هُما:

الأولى، أَنَّ طَريقَةَ نِيتْشِه في تَقْويمِ الأَدْيانِ إِنَّما تَنْبَعُ مِنْ مِعْيارِيَّةِ إِثْباتِ الحَياةِ أَوْ نَفْيِها، وَبِالتّالي، فالإِيمانُ الدّينِيُّ تَتَعَيَّنُ قيمَتُهُ مِنْ طَبيعَةِ القُوى التي تَسْتَوْلي عَلَيْه. فَإذا كانَ الدّينُ في يَدِ القُوى الفاعِلَةِ والمُحارِبَة، فَإِنَّهُ سَيُقَدِّمُ لَها إِغْراءات، وَيَكونُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْها رافِعًا نَحْوَ التَّجاوُزِ والإِبْداعِ وَتَخَطّي العَدَمِيَّة. أَمّا إِن كانَ الدّينُ في يَدِ القُوى الضَّعيفَة، الخائِرَةِ والواهِنَة، فَإِنَّهُ سَيُعْطيها نَوْعًا مِنَ الرِّضَا اليَوْمِيِّ عَنْ حَياتِها، والفُتورِ الإِرادِيّ، والِاسْتِسْلامِ لِحَياةٍ كَئيبَةٍ تَنْتَظِرُ العَوالِمَ البَعيدَة. وَعَلَيْه، فَإِنَّ مَعانِيَ الدّينِ تابِعَةٌ لِطَبيعَةِ القُوى المُؤَوِّلَةِ لِنَصِّ الحَياة.

والثّانية، أَنَّ وَعْيَ نِيتْشِه بِالقيمَةِ الأَساسِيَّةِ لِلأَدْيان، وَقُدْرَتَها على تَشْكيلِ الإِنْسان، جَعَلَهُ يُنادي بِأَنَّ الدّين، مِنْ غَيْرِ الفَيْلَسوف، هُوَ خَطَرٌ على الحَياة؛ لِأَنَّ الأَدْيانَ هِيَ وَسائِلُ لِلِاصْطِفاءِ والتَّرْبِيَة، والأَحْرى أَنْ تَبْقى وَسائِلَ في يَدِ فَلاسِفَةِ المُسْتَقْبَل، الذينَ يَتَخَيَّرونَ تَوْجيهَ الدّينِ نَحْوَ القُوَّةِ والإِنْجازِ والحَرَكَةِ والفِعْل، وَلَيْسَ نَحْوَ نَفْيِ الحَياة، وَقِيَمِ الحِقْد، وَتَقْديرِ الإِنْسانِ النَّظَرِيّ.

مِنْ هُنا، يَكونُ المَدْخَلُ المَنْهَجِيُّ لِتَفْسيرِ رُؤْيَةِ نِيتْشِه لِلثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة، التي أَبْصَرَ فيها مَلامِحَ لَمْ يَعْثُرْ عَلَيْها في مُرْتَكَزاتِ الحَضارَةِ الأوروبِّيَّةِ التي هاجَمَها وَبِعُنْفٍ شَديد، إِنَّها - أَيْ هَذِهِ المُرْتَكَزاتُ - ثَقافَةُ اليونانِ الحاقِدَةُ على الغَريزَةِ بِاسْمِ العَقْل، وَثَقافَةُ المَسيحِيَّةِ الحاقِدَةُ على الجَسَدِ بِاسْمِ الرّوح، وَثَقافَةُ اليَهودِيَّةِ الحاقِدَةُ على قِيَمِ النُّبْلِ والتَّمَيُّزِ التي في الإِنْسانية. وَبِالتّالي، فَلا يَجِبُ أَنْ نَفْصِلَ بَيْنَ اشْتِباكاتِهِ النَّقْدِيَّةِ وَبَيْنَ تَقْديرِهِ لِلثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة، بِخاصَّةٍ الثَّقافَةُ المَسيحِيَّةُ التي اتَّهَمَها بِحِرْمانِ أوروبّا مِنْ ثِمارِ الثَّقافَةِ اليونانِيَّةِ الأَصيلَة، والثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّةِ فيما بَعْد.

الحضارة الغربية المعاصرة أقلّ قيمة من ثراء الثقافة الإسلامية

وَإِذْ تَبَيَّنَ هَذا، فَأنا نَكْتَفي بِه، وَنَعودُ إلى تِلْكَ الشَّذْرَةِ التي ابْتَدَأْنا بِها الكَلام. إِنَّ نِيتْشِه، كَما يَظْهَر، يَرى أَنَّ روحَ الثَّقافَةِ الأوروبِّيَّةِ الحَقيقِيَّةِ هِيَ أَكْثَرُ قُرْبًا إلى الثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة، بِخاصَّةٍ في نَسَقِها الإِبْداعِيِّ الموريسْكِيّ؛ والقُرْبُ هُنا لَيْسَ قُرْبَ المَكانِ والمَسافَة، أَيْ لَيْسَ المَدْلولَ الجُغْرافِيّ، بَل هُوَ قُرْبُ المَعْنى والطَّريقَةِ في تَأْويلِ الحَياة. وَعِمادُ تَأْويلِ الحَياة، حَسَبَ نِيتْشِه، هُوَ الحِسُّ والذَّوْق، وَلَيْسَ العَقْلَ أَوِ الفَظاظَة. وَفي مُعْجَمِ نيتْشَه التَّأْويلِيّ، يَرْتَقي العُنْصُرُ الفَنِّيُّ أَوِ الجَمالِيُّ إلى مَرْتَبَةِ مَبْدَأ في تَفْسيرِ الوُجود؛ فالفَنُّ هُوَ صيغَةٌ مِنْ صِيَغِ الوُجود، وَلَيْسَ مَتْحَفًا كَئيبًا لِلتَّأَمُّل، كَما أَنَّ سُؤالَ الوُجودِ تَسْتَوْعِبُهُ مَسْأَلَةُ القيمَة.

إِنَّ ذَلِكَ الفَصَّ، أَوْ تِلْكَ الشَّذْرَة، تُشيرُ كَذَلِكَ إلى أَنَّ الغَرائِزَ الفُحولِيَّةَ وَإِثْباتَ الحَياة، هُما في صَميمِ الثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة. وَيَبْدو أَنَّ ثَمَّةَ ما يَسْتَحِقُّ الإِشارَةَ إِلَيْهِ هُنا، أَيْ ذَلِكَ التَّداخُلُ بَيْنَ ما سَمّاهُ الغَرائِزَ الفُحولِيَّةَ وَإِثْباتَ الحَياة. وَهُنا تَظْهَرُ أَمامَنا طَريقَةُ نِيتْشِه في تَقْويمِ الأَدْيان؛ فَقَدْ أَبْصَرَ في فُتوحاتِ الإِنْسانِ المُسْلِم، وَتَقْديرِهِ لِلدُّنْيا، وَإِبْداعاتِهِ الفَنِّيَّةِ والعِلْمِيَّة، عَلامَةً على دينٍ لا يَنْفي الحَياةَ كَما تَفْعَلُ المَسيحِيَّةُ أَوْ ثَقافَةُ العَقْلِ اليونانية، بَل يُثْبِتُها، وَيُثْبِتُ قيمَةَ الأَرْضِ والحِسِّ والجَمالِ والتَّغْيير، وَكَأَنَّ نِيتْشِه هُنا يَعْتَبِرُ أَنَّ: "دُنْيَوِيَّةَ الإِسْلامِ تَمْتَصُّ أُخْرَوِيَّتَهُ وَميتافيزيقِيَّتَهُ وَميثولوجِيّاتِه، بِحَيْثُ يُصْبِحُ المُقَدَّسُ مَوْضوعاتٍ وَثيماتٍ وَبُنًى وَأَكْوانًا رَمْزِيَّةً دَالَّةً وَثَرِيَّة[2]".

الإسلام دينٌ تتجلى فيه ملامح من فلسفة نيتشه

إِنَّ نِيتْشِه لا يَكْتَفي فَقَطْ بِتَمْجيدِ الرّوحِ الفَنِّيَّة، وَإِثْباتِ الحَياة، والمَلْمَحِ الرُّجولِيِّ في الثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة، بَل إِنَّهُ يَنْزِلُ إلى الأَعْمَقِ مِنْ ذَلِك؛ حَتّى الحَضارَةُ الغَرْبِيَّةُ المُعاصِرَةُ هِيَ فَقيرَةٌ وَأَقَلُّ قيمَةً مِنْ ثَراءِ الثَّقافَةِ الإِسْلامِيَّة. وَبَعْدَ هَذا الإِقْرارِ يُواصِلُ نيتْشَه مُقارَنَتَه، قائِلًا: "وَفي الحَقيقَةِ لا داعِيَ حَتّى إلى الِاخْتِيارِ عِنْدَما يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِالمَسيحِيَّةِ والإِسْلام، تَمامًا كَما لا يُحْتاجُ إلى اخْتِيارٍ بَيْنَ: عَرَبِيٍّ أَمْ يَهودِيٍ، فالجَوابُ مُعْطًى مُسْبَقًا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ خِيارٍ بَعْدَها... حَرْبٌ بِلا هَوادَةٍ ضِدَّ روما، صَداقَةٌ مَعَ الإِسْلام[3]".

إِنَّ صَدَاقَةَ نِيتْشِه مَعَ الإِسْلامِ تَعْني أَنَّهُ دينٌ تَتَجَلّى فيهِ مَلامِحُ مِنْ فَلْسَفَتِه؛ فالفُتوحَات، أَوْ "غَرائِزُ الرُّجولَة"، والإِبْداعات، وَتَقْديرُ الأَرْضِ أَوِ الدُّنْيا، وَإِرادَةُ القُوَّةِ التي تُثْبِتُ الوُجودَ المادِّيَّ الحِسِّيَّ والمُتَغَيِّر، هِيَ تَعْبيراتٌ عَنْ نَمَطٍ مِنَ التَّدَيُّنِ المَكينِ والقادِرِ على خَلْقِ إِرادَةِ تَجاوُزِ العَوائِق، وَإِمْكانِ السَّيْطَرَة، وَتَلْوينِ العالَمِ بِالمَعْنى الأَقْوى، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ وَسيلَةٍ لِتَأْمينِ الصَّفاءِ والهُدوء.


[1] تُوُفِّيَ فْريدْريش نِيتْشِه يَوْمَ 25 أَغُسْطُس/آبَ 1900 في وايْمار، أَلمانيا.

[2] عَمارُ بِلْحَسَنَ، الدّيني والدُّنْيَوِيّ، حَوْلَ الإِسْلامِ والإِبْداعِ الفَنِّيِّ والأَدَبِيِ، ص 565.

[3] نِيتْشِه، نَقيضُ المَسيح، الفَصُّ أَوِ الشَّذْرَةُ رَقْمُ 60.


(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن