دشّن غزو العراق للكويت عام 1990 مرحلة تفكيك النظام العربي تدريجيًا، أفقدته قدرته على إدارة أزماته، وحماية مراكز قوته، وصون توازناته. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الأزمات العربية مجرّد أحداث متفرّقة، بل حلقات متعاقبة في عملية واحدة انتقلت من تفكيك النظام، إلى استهداف مراكز القوة، ثم إلى استنزاف الدولة العربية، وإعادة تعريف أولوياتها، وصولًا إلى إعادة تشكيل الإقليم.
حرب الإبادة على غزّة ومن بعدها الحروب المشتعلة في الإقليم كله تبدو لحظةً فاضحةً لمسارٍ بلغ ذروته؛ إذ لم تعد المعركة تدور حول مستقبل فلسطين وحدها، وإنّما حول مَن يملك حقّ صياغة موازين القوة في المنطقة، وحول هوية النظام الإقليمي الذي سيتشكل في الشرق الأوسط.
حين يضعف الإطار الجامع تُصبح مراكز القوة التي يستند إليها أكثر عرضة للاستهداف
انتقل مسار التفكيك من إضعاف النظام العربي إلى استهداف مراكز القوة التي كانت تحفظ توازنه، وجاء الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 محطةً متقدمةً على هذا المسار؛ إذ نقل عملية تفكيك النظام العربي إلى استهداف إحدى أهم ركائز القوة العربية.
ولم يكن الخطر في انقسام الساحة العربية، بل في فقدان النظام العربي وظيفته؛ صحيح أن مؤسّساته بقيت قائمة، وقممه استمرت في الانعقاد، لكن من دون قدرة حقيقية على الفعل، فتحوّل من مشارك في الأحداث إلى متكيّفٍ معها.
معلوم أن فاعلية أي نظام إقليمي لا تُستمدّ من مؤسساته وحدها، بل من دوله القادرة على حماية توازنه، وحين يضعف الإطار الجامع، تُصبح مراكز القوة التي يستند إليها أكثر عرضةً للاستهداف.
لم يقتصر أثر احتلال العراق على إسقاط نظام سياسي، بل أخرج واحدة من أهم الدول العربية المركزية من معادلة القوة، وفتح فراغًا تمدّدت فيه قوى إقليمية غير عربية وفاعلون من خارج الدولة، فتراجع الوزن العربي في إدارة توازنات الإقليم.
اتسع الفراغ فسارعت قوى غير عربية إلى ملئه وإعادة تشكيل موازين القوة وفق مصالحها
وقع الضرر الأكبر من هذا التراجع على القضية الفلسطينية، وأضعف البيئة الإقليمية التي كانت تمنحها قدرًا من الإسناد السياسي، لينتقل مسار التفكيك من النظام العربي إلى مراكز قوته، تمهيدًا لانتقاله في المرحلة التالية إلى الدولة العربية نفسها.
ولم يتوقف مسار تفكيك النظام العربي وضرب مراكز القوة العربية، بل امتد إلى زعزعة الدولة العربية نفسها. فحين يفقد الإقليم إطاره الجامع، ثم مراكز القوة القادرة على حفظ توازنه، تصبح الدولة أكثر عرضة للاستنزاف، ويتحول الحفاظ على بقائها إلى أولوية تتقدم على أي دور إقليمي.
وقد تجلّى ذلك بوضوح بعد عام 2011، إذ تحولت الدولة في أكثر من ساحة عربية من فاعل سياسي إلى ميدان للصراع، تتنازعها القوى الإقليمية والدولية والفاعلون المحليون. وفي المقابل، انشغلت دول أخرى، وفي مقدمتها مصر، بالحفاظ على تماسك الدولة واستقرار مؤسساتها، فتراجع حضورها الإقليمي أمام أولوية منع الانهيار الداخلي.
النتيجة أن العالم العربي فقد، للمرة الأولى منذ نشأة نظامه الإقليمي، القدرة على إنتاج مبادرة تؤثّر في توازنات الشرق الأوسط، بينما كانت هذه التوازنات يُعاد تشكيلها من حوله.
وفي هذا السياق، لم تعد القضية الفلسطينية تواجه اختلالًا في ميزان القوى مع إسرائيل فحسب، بل أصبحت تعكس أيضًا تراجع القدرة العربية على تحويل مركزيّتها التاريخية إلى تأثير سياسي فاعل.
لم يقتصر التفكيك على بنية النظام العربي، بل طال الدولة التي كانت تمثل أداته الأساسية، ليصبح الانتقال إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط نتيجة طبيعية لمسار فقد فيه العرب، تدريجيًا، أدوات الفعل قبل أن يفقدوا القدرة على التأثير.
المعركة تدور حول مَن يملك حقّ صياغة قواعد الإقليم وتحديد موازين القوة التي سيقوم عليها
مع إسقاط الدولة في أكثر من بلد عربي وانحسار الدور القومي، اتسع الفراغ الإقليمي، فسارعت قوى غير عربية إلى ملئه وإعادة تشكيل موازين القوة وفق مصالحها.
على هذا المسار جاءت المواجهة التي تقودها أميركا، بالشراكة مع إسرائيل، ضد إيران ومحور نفوذها، لتؤكد أنّ الصراع في المنطقة تجاوز احتواء قوة إقليمية بعينها إلى إعادة بناء النظام الإقليمي عينه، وأنّ المعركة لا تدور حول النفوذ أو الردع فحسب، بل حول مَن يملك حقّ صياغة قواعد الإقليم، وتحديد موازين القوة التي سيقوم عليها.
ومن هنا، فإن ما جرى ويجري على أرض فلسطين لم يعد يقتصر على مواجهة عسكرية أو على تقرير مصير القضية الفلسطينية وحدها، بل أصبح الساحة التي تتقاطع فيها مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وتُختبر فيها موازين القوة، ويجري من خلالها تحديد طبيعة النظام الإقليمي الذي يتشكّل، وموقع القوى المختلفة داخله، ومكان العرب في معادلته الجديدة.
تكشف القراءة المعمّقة لمحطّات هذا المسار أن إعادة هندسة الشرق الأوسط لم تكن نتيجة حرب بعينها، ولا ثمرة أزمة منفردة، بل الحصيلة الطبيعية لتآكل النظام العربي وإفقاده القدرة على مواجهة مشروع هندسة الإقليم في غيابه.
السؤال ليس إن كانت ستكتمل إعادة هندسة الشرق الأوسط بل ما إذا كان العرب سيدخلونها شركاء في صناعتها
التحدّي الحقيقي أمام العرب اليوم هو الانتقال من موقع المتأثر بالتحوّلات إلى موقع المشارك في صنعها، هذا الانتقال يقتضي إعادة بناء عناصر القوة التي تمنح أي دور إقليمي فاعليّته وامتلاك رؤية عربية مشتركة تُدرك أن التحدّي لم يعد إدارة أزمات متفرّقة.
من دون توافر هذا الإدراك، سيظلّ العرب طرفًا يتكيّف مع التحوّلات، وستبقى أدوارهم تُرسم في ضوء موازين القوة التي يصنعها الآخرون، لا تلك التي يشاركون في إنتاجها.
إعادة هندسة الشرق الأوسط لن تنتظر العرب حتى يستعيدوا دورهم؛ فهي تمضي بالفعل. والسؤال الحقيقي ليس إن كانت ستكتمل، بل ما إذا كان العرب سيدخلونها شركاء في صناعتها، أم سيبقون أحد موضوعاتها!
(خاص عروبة 22)

