تَشْهَدُ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ ذاتُ الغِطاءِ الحُرْجِيِّ خَسائِرَ مُتَكَرِّرَةً وَمُؤْلِمَة. في صَيْفِ 2021، اجْتاحَ الجَزائِرَ أَكْثَرُ مِنْ 100 حَريقٍ في يَوْمٍ واحِد، أَوْدَتْ بِحَياةِ نَحْوِ 90 شَخْصًا وَأَحْرَقَتْ عَشَراتِ الآلافِ مِنَ الهِكْتارات، خاصَّةً في مِنْطَقَةِ القَبائِلِ بِالشَّمال. أَمّا سورْيا، فَقَدْ سَجَّلَتْ في يولْيو/تَمّوزَ 2025 حَرائِقَ تَجاوَزَتْ 3% مِنْ غِطائِها الحُرْجِيِّ في شَهْرٍ واحِدٍ فَقَط. وَلُبْنانُ وَتونِسُ لَمْ يَسْلَما مِنْ حَرائِقَ مُدَمِّرَةٍ في السَّنَواتِ الأَخيرَة.
هَذِهِ الحَرائِقُ لا تَقْتَصِرُ على الخَسائِرِ البيئِيَّةِ فَحَسْب؛ فَهِيَ تُهَدِّدُ الأَمْنَ الغِذائِيَّ بِتَدْميرِ أَراضي الرَّعْيِ وَالزَّيْتون، وَتَضُرُّ بِالسِّياحَةِ البيئِيَّة، وَتُدَمِّرُ سُبُلَ عَيْشِ المُجْتَمَعاتِ الرِّيفِيَّة، وَتُسَرِّعُ مِنْ وَتيرَةِ التَّصَحُّرِ في مِنْطَقَةٍ تُعاني أَصْلًا مِنْ شُحِّ المِياهِ وَالمَوارِد.
التَّغَيُّرُ المُناخِيُّ لَيْسَ السَّبَبَ الوَحيد
صَحيحٌ أَنَّ تَغَيُّرَ المُناخِ يُعَدُّ عامِلًا رَئيسِيًّا في زِيادَةِ شِدَّةِ وَتَكْرارِ الحَرائِق، مِنْ خِلالِ الجَفافِ المُمَتَدِّ وَالمَوْجاتِ الحَرارِيَّةِ الِاسْتِثْنائِيَّةِ التي تَجاوَزَتْ 45 دَرَجَةً مِئَوِيَّةً في بَعْضِ الدُّوَل، إِلّا أَنَّهُ لَيْسَ العامِلَ الوَحيد.
تَلْعَبُ العَوامِلُ البَشَرِيَّةُ دَوْرًا حاسِمًا وَخَطيرًا: الإِهْمالُ في إِدارَةِ الغابات، وَتَراكُمُ الوَقودِ الحُرْجِيِّ (الشُّجَيْراتِ الجافَّةِ وَالأَشْجارِ المَيِّتَةِ) بِسَبَبِ القُيودِ التَّشْريعِيَّةِ الصّارِمَة، وَغِيابُ الصِّيانَةِ الوِقائِيَّةِ المُنْتَظَمَة، وَالحَرائِقُ المُتَعَمَّدَةُ لأَغْراضٍ زِراعِيَّة، وَالرَّعْيُ الجائِر. هَذا يَعْني أَنَّنا لَسْنا أَمامَ قَدَرٍ مَحْتومٍ يَفْرِضُهُ المُناخ، بَلْ أَمامَ تَحَدٍّ يُمْكِنُ مُواجَهَتُهُ وَإِدارَتُهُ بِفَعّالِيَّة.
التوازن بين حماية الطبيعة وإدارة المخاطر ضرورة مُلحّة
لِذَلِك، لا يُصْبِحُ التَّعاوُنُ العَرَبِيُّ خِيارًا، بَلْ ضَرورَةً اسْتراتيجِيَّةً؛ فَبَدَلًا مِنَ الِاسْتِسْلامِ لِخِطابِ "التَّغَيُّرُ المُناخِيُّ حَتْمِيٌّ"، يَجِبُ أَنْ نَسْتَثْمِرَ في بِناءِ قُدُراتٍ مُشْتَرَكَةٍ عَرَبِيَّةٍ لِلْوِقايَةِ الفَعّالَة، وَتَبادُلِ الخِبْرات، وَتَطْويرِ سِياساتٍ إِقْليمِيَّةٍ مَرِنَة.
القُيودُ التَّشْريعِيَّةُ... عَقَبَةٌ أَمامَ الوِقايَة
يَعودُ جُزْءٌ كَبيرٌ مِنْ ضَعْفِ الِاسْتِجابَةِ لِلْحَرائِقِ إلى قُيودٍ سِياسِيَّةٍ وَتَشْريعِيَّةٍ داخِلِيَّة.
في لُبْنان، على سَبيلِ المِثال، تَحْمي قَوانينُ حِمايَةِ الغابات (مِثْلُ القانونِ 558 لِعامِ 1996) الأَشْجارَ بِصَرامَةٍ شَديدَة، ما يَعوقُ عَمَلِيّاتِ إِدارَةِ الوَقودِ الحُرْجِيِّ الضَّرورِيَّةِ مِثْلَ التَّنْظيفِ وَالتَّخْفيف، وَإِنْشاءِ فَواصِلَ نارِيَّة.
وَاسْتراتيجِيَّةُ إِدارَةِ حَرائِقِ الغاباتِ الوَطَنِيَّة (2009 وَمُحَدَّثَةٌ 2023) تُؤَكِّدُ على الحاجَةِ إلى تَدَخُّلاتٍ نَشِطَة، إِلّا أَنَّ البيروقْراطِيَّةَ وَالمَخاوِفَ البيئِيَّةَ الصّارِمَةَ تَحولُ دونَ تَنْفيذِها الفَعّال.
وَفي دُوَلٍ مِثْلِ الجَزائِرِ وَالمَغْرِب، تُرَكِّزُ التَّشْريعاتُ على مَنْعِ القَطْعِ غَيْرِ القانونِيِّ وَالرَّعْيِ الجائِر، لَكِنَّها لا تُوَفِّرُ المُرونَةَ الكافِيَةَ لِبَرامِجَ وِقائِيَّةٍ حَديثَةٍ كَالحَرْقِ المَحْكومِ أَوْ الرَّعْيِ المُنَظَّم. هَذِهِ القُيود، على الرَّغْمِ مِنْ نَواياها الحَميدَةِ في حِمايَةِ الطَّبيعَة، تُصْبِحُ في ظِلِّ المُناخِ المُتَغَيِّرِ عَقَبَةً أَمامَ بِناءِ غاباتٍ مُقاوِمَةٍ لِلْحَريق.
وَلا يَقْتَصِرُ الأَمْرُ على الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، فَفي أوروبّا المُتَوَسِّطِيَّة (إِسْبانْيا وَالبُرْتُغالِ وَفَرَنْسا)، أَدَّتِ التَّشْريعاتُ البيئِيَّةُ المُتَشَدِّدَةُ بِاسْمِ حِمايَةِ التَّنَوُّعِ البِيولوجِيِّ إلى صُعوبَةِ تَنْفيذِ عَمَلِيّاتِ تَخْفيفِ الوَقودِ وَالحَرْقِ المَحْكوم، فَأَصْبَحَتِ الغاباتُ كَثيفَةً وَمَليئَةً بِالمَوادِّ القابِلَةِ لِلِاشْتِعال، وَتَحَوَّلَتِ الحَرائِقُ الصَّغيرَةُ إلى كَوارِثَ واسِعَةِ النِّطاق. "الحِمايَةُ السَّلْبِيَّةُ" غَيْرُ كافيةٍ أَمامَ واقِعٍ مُناخِيٍّ مُتَغَيِّر، وَالتَّوازُنُ بَيْنَ حِمايَةِ الطَّبيعَةِ وَإِدارَةِ المَخاطِرِ أَصْبَحَ ضَرورَةً مُلِحَّة.
غِيابُ التَّعاوُنِ الإِقْليمِيّ... أَكْبَرُ قَيْدٍ سِياسِي
على المُسْتَوى الإِقْليمِيّ، يَبْرُزُ غِيابُ التَّعاوُنِ العَرَبِيِّ الفَعّالِ كَأَكْبَرِ قَيْد. على الرَّغْمِ مِنْ وُجودِ جامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ وَمَجْلِسِ وُزَراءِ البيئَة، وَخَريطَةِ الطَّريقِ الإِقْليمِيَّةِ لإِدارَةِ حَرائِقِ الغابات (2025-2030) بِالتَّعاوُنِ مَعَ مُنَظَّمَةِ الأَغْذِيَةِ وَالزِّراعَة (FAO)، لا تَزالُ الجُهودُ مُبَعْثَرَة.
توحيد القدرات العربية يُتيح بناء منظومة إقليمية فعّالة
لا يوجَدُ مَرْكَزٌ عَرَبِيٌّ مُوَحَّدٌ لِلْمُراقَبَةِ بِالأَقْمارِ الصِّناعِيَّة، وَلا آلِيَّةٌ دائِمَةٌ لِمُشارَكَةِ المُعَدّاتِ وَالطّائِرات، وَلا خُطَّةُ عَمَلٍ مُشْتَرَكَةٌ مُلْزِمَة. حَتّى التَّعاوُنُ يَظَلُّ مَحْدودًا بِمُبادَراتٍ ثُنائِيَّةٍ مُؤَقَّتَة، كَما حَدَثَ في مُساعَداتِ بَعْضِ الدُّوَلِ لِسورْيا عامَ 2025. وَالحالُ أَنَّ هَذا الغِيابَ يَعْكِسُ أَوْلَوِيّاتٍ سِياسِيَّةً تُرَكِّزُ على النِّزاعاتِ الدّاخِلِيَّةِ وَالأَزْماتِ على حِسابِ التَّهْديداتِ البيئِيَّةِ المُشْتَرَكَة، بَيْنَما تَتَعاوَنُ الدُّوَلُ الأوروبِّيَّةُ بِكَفاءَةٍ عَبْرَ نِظامِ "EFFIS".
النّيرانُ فُرْصَةُ التَّكَامُلِ العَرَبِي
وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّ تَفاوُتَ قُدُراتِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ يَجْعَلُ التَّعاوُنَ مُفيدًا لِلْجَميع، حَيْثُ تَمْتَلِكُ المَغْرِبُ وَالجَزائِرُ خِبْراتٍ واسِعَةً في إِدارَةِ الغاباتِ المُتَوَسِّطِيَّةِ وَبَرامِجِ التَّحْريج، بَيْنَما تَتَوَفَّرُ لَدى دُوَلٍ أُخْرى مَوارِدُ مالِيَّةٌ أَوْ تِقْنِيّاتٌ حَديثَةٌ أَوْ طائِراتُ إِطْفاءٍ أَوْ خِبْراتٌ في أَنْظِمَةِ الإِنْذارِ المُبَكِّر.
تَوْحيدُ هَذِهِ القُدُراتِ يُتيحُ بِناءَ مَنْظومَةٍ إِقْليمِيَّةٍ فَعّالَةٍ تَشْمَل: مَرْكَزًا عَرَبِيًّا مُشْتَرَكًا لِلْمُراقَبَةِ وَالإِنْذار، وَصُنْدوقًا لِلِاسْتِجابَةِ السَّريعَة، وَبَرامِجَ تَدْريبٍ مُشْتَرَكَة، وَمَشاريعَ إِعادَةِ تَحْريجٍ على غِرارِ مُبادَرَةِ اسْتِعادَةِ غاباتِ المُتَوَسِّط.
التعاون العربي يُحوّل الضعف الفردي إلى قوّة جماعية
مِثْلُ هَذا التَّعاوُنِ لا يُقَلِّلُ التَّكاليفَ فَحَسْب، بَلْ يَرْفَعُ كَفاءَةَ الِاسْتِجابَة، وَيَحْمي الدُّوَلَ الأَقَلَّ قُدْرَةً، وَيَفْتَحُ البابَ أَمامَ تَنْمِيَةٍ مُسْتَدامَةٍ وَفُرَصِ عَمَلٍ خَضْراءَ وَتَعْزيزِ الصُّمودِ أَمامَ تَغَيُّرِ المُناخ.
النّيرانُ لا تُمَيِّزُ بَيْنَ بَلَدٍ غَنِيٍّ وَآخَرَ مَحْدودِ المَوارِد، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكونَ التَّعاوُنُ العَرَبِيُّ مَوْرِدًا مُشْتَرَكًا يَعودُ بِالنَّفْعِ على الجَميعِ وَيُحَوِّلُ الضَّعْفَ الفَرْدِيَّ إلى قُوَّةٍ جَماعِيَّة.
الوَقْتُ يَضيق، كُلُّ صَيْفٍ يَمُرُّ مِنْ دونِ تَعاوُنٍ حَقيقِيٍّ يُكَلِّفُ المِنْطَقَةَ خَسائِرَ بَشَرِيَّةً وَبيئِيَّةً وَاقْتِصادِيَّةً باهِظَة. آنَ الأَوانُ لأَنْ تُحَوَّلَ الحَرائِقُ التي لا تَحْتَرِمُ الحُدودَ السِّياسِيَّةَ إلى دافِعٍ لِبِناءِ جَبْهَةٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ تَتَجاوَزُها.
(خاص عروبة 22)

