تُشير جميع المعطيات إلى أننا أمام منطقةٍ "مُلتهبةٍ" تتقاطعُ فيها المسارات وتتداخلُ فيها الأحداث و"الأقدار"، بعد نجاح الحرب على إيران في ربط الساحاتِ بعضها ببعض. وتبدو تلّ أبيب في خضم هذه المستجدات، وكأنها "تصارعُ" الوقت لتكريس احتلالها لجنوب لبنان، كما تفعل في قطاع غزّة مع فشل تطبيق اتفاق وقف النار، وصولًا إلى الاعتداءات التي طالت محافظة درعا جنوبي سوريا. أما واشنطن، فتظهر في موقف "المتخبط"، بعدما اكتسب مضيق هُرمز أهميةً تفوق الملف النووي الإيرانيّ، وتحوّل إلى أولويةٍ مُطلقةٍ تُحسِنُ طهرانُ استخدامها وتوظيفها، مع وجود عراقيل عدة تحول دون تطبيق مذكرة التفاهم، التي وُقِّعَت "على عجلٍ" بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصًا أنها لم تُلامس جوهر الملفات الشائكة والمُعقدة، إنما تُرِكَت للمسار التفاوضيّ الذي يشهد اختباراتٍ حقيقيّةً تؤكد أن "الانتظار" سيطول، والحسم "لن يكون سيد الموقف في المدى المنظور".
وتسارعت، أمس الاثنين، الأخبار المُتعلقة بمضيقِ هُرمزَ مع تضاربِ المعلوماتِ بشأنِ "طبيعة" المباحثات التي تُعقَدُ اليوم في العاصمة القطرية، الدوحة. ففيما تحدث الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن توجه وفد بلاده لإجراء مفاوضاتٍ بناءً على طلبٍ من الإيرانيين، نفت طهران أي لقاءٍ مُرتقبٍ لها مع الولايات المتحدة، موضحةً أنها عرفت بذلك من وسائل الإعلام. لكن هذا التباين لا يعني عدم انعقاد محادثاتٍ في الشكل، بل الاختلاف سيكون في مضمونها، خصوصًا أن المتحدث باسم الخارجيّة الإيرانيّة إسماعيل بقائي لفت إلى أن طهران أرسلت وفدًا لمناقشة أمرين اثنين مع المسؤولين القطريين، وهما رفع العقوبات مؤقتًا عن بعض صادرات النفط والبتروكيماويات الإيرانيّة وتسليم جزءٍ من الأموال المُجمَّدة. بدورها، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن الولايات المتحدة وإيران ناقشتا بالفعل مسائل فنيّة، وأن عددًا من المسؤولين الأميركيين المتخصصين في مختلف جوانب المفاوضات سيتواجدون في قطر، بينما سيشارك آخرون عن بُعد. ويُتَوَقَّعُ أن يصل كل من المبعوث الأميركيّ ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، إلى قطر لعقد اجتماعاتٍ رفيعة المستوى، فيما لا يزال من غير المعلوم ما إذا كان سيُعقدُ أيّ اجتماعٍ غير مُدرجٍ على جدول الأعمال مع الوفد الإيراني. وانتقال المشهد من سويسرا إلى الدوحة يطرحُ أكثر من علامة استفهام، خصوصًا أن المواضيع الرئيسيّة تبدو "مُغيّبة" فيما يصرّ النظام الإيرانيّ على تحصيل "حقوقه" المالية، ولا سيّما تنفيذ البنود رقم 1 و4 و5 و10 و11 من مذكرة التفاهم.
ويتعلقُ البند الأول بإنهاء الحرب والأعمال العدائيّة على جميع الجبهات، من ضمنها لبنان، بينما ينصّ البند الرابع على رفع الولايات المتحدة الحصار البحري والعوائق المفروضة على إيران، وإنهاء الحصار بالكامل خلال 30 يومًا. ويُلزمُ البندُ الخامس طهرانَ بتوفيرِ عبورٍ آمنٍ للسفنِ التجاريةِ عبرَ مضيقِ هُرمزَ من دون رسومٍ لمدة 60 يومًا واستعادة الملاحة، مع إجراء حوارٍ مع سلطنة عُمان بشأن الإدارة المستقبليّة للمضيق وخدماته البحرية. أما البند العاشر فيشيرُ إلى إصدار واشنطن إعفاءاتٍ عن صادراتِ النفطِ الخام والمنتجات البتروكيماوية الإيرانيةّ، والخدمات المصرفية والتأمينية وخدمات النقل المرتبطة بها. ويسعى "نظام الملالي" إلى الحصول على هذه "المكاسب" أولًا، مع "المماطلة" في المسائلِ الأخرى، التي لا تقلّ أهميةً بل تتصل بأسباب الحرب التي شُنّت عليها. ويُعتبرُ "تمييعُ" المواضيعِ خطوةً إيرانيّةً خالصةً تسعى من خلالها إلى كسب الوقت، مع إعطاء أولوية إلى الشؤون الاقتصادية بهدف تحسين الواقع المعيشي والاقتصادي الصعب، ولإعادة ضبط أمورها الداخليّة. وتتخوفُ الكثير من الدول من حصول طهران على أموالها ووقف العقوبات المفروضة عليها، بما يعني إمكانية توظيف ذلك في دعم "وكلائها" في المنطقة، وبالتالي، المزيد من الخضّات الأمنيّة وتوسيع نفوذها الإقليميّ. لكن كل ذلك بات في مكانٍ آخر، مع تركيز جميع الجهود الديبلوماسيّة على إيجاد حلٍّ لـ"معضلة هُرمز"، خصوصًا أن إيران لا تبدو في وارد التخلي عن هذه الورقة الشديدة الأهمية، بعدما اختبرت أهميتها وأولويتها بالنسبة إلى "الشريك" الأميركيّ.
في هذا الإطار، أعلن الرئيس الإيرانيّ مسعود بزشكيان أن قطر ستُفرجُ عن ستة مليارات دولارٍ من الأصول الإيرانيّة المُجمدة، من إجمالي 12 مليار دولارٍ موجودةً لديها، واصفًا الاتفاق بالـ"انتصار الكبير للشعب الإيرانيّ". وعدّت وكالة "أسوشييتد برس" تصريحات الأخير محاولةً لإظهار مكاسب الاتفاق المؤقت أمام الرأي العام "المتذبذب"، مع وجود أصواتٍ معارضةٍ لمضمونه، مع غياب عامل الثقة بالطرف الأميركيّ. واستعرت الخلافات والضربات المتبادلة في الأيام الماضية، قبل الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لإتاحة المجال أمام المفاوضات لتسلك طريقها. لكن لا تبدو طهران في وارد التخلي عن مكاسبها، ما عكسته تصريحات المسؤولين الإيرانيين، التي ركز معظمها على ملف هُرمزَ دونَ غيره من المواضيع العالقة. وأشار وزير الخارجية عباس عراقجي إلى أن بلاده ستتخذ التدابير اللازمة مع سلطنة عُمان بشأن مستقبل إدارة المضيق وبالتشاور مع دول المنطقة، معبّرًا عن استعداد طهران للحوار مع الدول الخليجيّة لإنشاء آليةٍ أمنيّةٍ جماعيّةٍ تنأى بنفسها عن تدخل القوات الأجنبية. ويتزامن هذا الموقف مع انعقاد أول اجتماعٍ للّجنة المشتركة المعنيّة الإيرانيّة – العُمانية في مسقط، لبحث ترتيبات "اليوم التالي" مع وجود مواقف متناقضة بين الطرفين. إذ شدّد وزير الخارجية بدر بن حمد البو سعيدي، في مقابلةٍ مع إذاعة "مونت كارلو الدولية"، على عدم تأييد فرض رسومٍ على عبور السفن من المضيق، مؤكدًا ضرورة بقاء الملاحة آمنة وتحت سقف القانون الدوليّ. وقال إن مسؤولية التأكد من خلو المضيق من أيّ محاذير مرتبطة بالألغام تقع أساسًا على عاتق إيران، لافتًا إلى أن السلطنة، التي تواصل مساعيها لتحقيق السلام والوئام، تُشدّد على دعم تنفيذ بنود مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة.
بالتوازي، عقد سلطان عُمان هيثم بن طارق محادثاتٍ مع الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، تمحورت حول آخر التطورات على السّاحتين الإقليميّة والدوليّة. وتكتسبُ هذه الزيارةُ أهميةً استثنائيةً نظرًا إلى الظروفِ المحيطةِ بانعقادها وسعي مسقط إلى توطيد علاقتها مع باريس. وتجسّد ذلك عبر الاتفاقيات التي أُبرِمَت بين الطرفين، وتتناولُ قطاعات النقل واللوجستيات والموانئ، وترويج الاستثمار والمجال الجوي والفضاء والثقافة والتعليم والمياه. ويؤكد هذا اللقاء أن باريس تحمل همًا أساسيًّا يتمحور حول مصيرِ مضيقِ هُرمزَ، ورغبتها في أن تؤدي أي دورٍ في هذا المجال، يُمكِّنُهَا من العودة إلى الملف الإيرانيّ بعدما استثنى ترامب حلفاءه الأوروبيين وهمّش دورهم طوال المدة السابقة. وأطلقت فرنسا مع بريطانيا "مهمةً بحريةً دوليةً" انضمت إليها 12 دولة، غرضها ضمان أمن الملاحة في المضيق، ومواكبة السفن المبحرة فيه، ونزع الألغام. ولا يمكن أن يُكتَبَ النجاح لهذه المهمة من دون توافر العوامل المُشجعة على ذلك، وأبرزها موافقة عُمان بصفتها دولةً مطلةً على مياه هذا الممر الحيويّ والحساس. وتختصر تعقيدات هُرمز المشهد الراهن بين واشنطن وطهران، ودوران دول العالم في "حلقةٍ مفرغةٍ" من دون توقعٍ لما سيحدث في الأيام المقبلة، في حال استمرّ الوضع الهشّ على ما هو عليه. وتطلُّ إسرائيل من بين هذه الثنايا، خصوصًا أن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب ليست في أفضل حال. إذ اختصرت صحيفة "هآرتس" مسار التحول الجاري بالقول إن إسرائيل انتقلت من "الشريك الكامل" للولايات المتحدة في بداية الحرب على إيران إلى "التابع المتمرد"، بعدما تراجعت قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على التأثير في إدارة ترامب، التي تمضي في مسار تسويةٍ مع طهران يراه نتنياهو مناقضًا لمصالح بلاده.
وتتقاطعُ قراءة وكالة "رويترز" مع هذا الاتجاه، فنقلت عن محللين ودبلوماسيين ومسؤولين أميركيين سابقين، إشارتهم إلى أن الاتفاق المُبرم "قلب الموازين". ووفق الوكالة عينها، فإن الحرب التي وعد فيها نتنياهو بـ"نصرٍ نهائيٍّ" لم تحقق انهيار النظام الإيرانيّ، ولا هزيمة "حزب الله"، ولا العودة الآمنة لسكان شمال إسرائيل، فتحوّلت الحرب التي أرادها جزءًا من إرثه إلى عبءٍ على صورته. ويمكن لهذا التحليل أن يعكس حقيقة ما يجري اليوم في لبنان، الذي دخل مجددًا في صراعات المحاور وتصفية حسابات الآخرين على أرضه. فإسرائيل بشخص نتنياهو تسعى إلى "تكريس انتصارٍ"، بينما تريد طهران الاستمرار في الحفاظ على نفوذها داخل البلاد، عبر تأكيد مواصلة دعم "حزب الله" ورفض نزع سلاحه. ويُخَوِّنُ الحزب اللبنانيّ الحكومة والشرعيّة الرسميّة، ويتهمها بتقديم تنازلاتٍ مجانيّةٍ للاحتلال، ويرفض إطار الاتفاق الذي توصّل إليه الطرفان بعد الجولات الخمس في واشنطن، محذرًا من الحرب الأهليّة ومن تزايد الانقسام الداخلي. وتتجسد وقاحة "حزب الله" من خلال حالة إنكار الأسباب، التي أجبرت الدولة على اختيار المسار التفاوضيّ، بينما كانت القرى والبلدات الجنوبيّة تُهدم ويُباد سكانها. ولا يعني ذلك أن ما أُبرِمَ بين لبنانَ وإسرائيلَ برعايةٍ أميركيّةٍ هو "أفضل الممكن"، خصوصًا أن العُقد التي تحول دون إمكانية تطبيقه كثيرةٌ، إضافة إلى استغلال العدو ذلك للاستمرار في عدوانه وخروقاته. ويتخوفُ الداخل اللبنانيّ من استمرار حالة المدّ والجزر، بما يمكن أن يؤدي إلى توتراتٍ داخليّةٍ مع ارتفاع منسوب الاحتقان. في الأثناء، أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون عزمه بسط سلطة الدولة بقواتها المسلحة حتى الحدود الجنوبيّة، خلال استقباله قائد القيادة المركزية الأميركيّة (سنتكوم) الأدميرال براد كوبر، الذي يزور لبنان للبحث في آليات تطبيق الاتفاق.
وضمن الأهداف عينها، عقد كوبر لقاءً آخر مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وفق ما أعلنته قيادة الجيش التي أوضحت أن الطرفين بحثا "أهمية إنجاح آلية تنفيذ الملحق الأمني باتفاق الإطار، إضافةً إلى سبل تعزيز التعاون في المستقبل". ولفتت إلى أن هيكل ثمّن الدعم الأميركيّ، وشدّد على ضرورة استمرار التعاون بين الجيشين بما يحفظ أمن لبنان واستقراره. إلى ذلك، نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسؤولٍ أميركيٍّ قوله إن الولايات المتحدة ستضطلع بدورٍ مباشرٍ في مراقبة تحركات الجيشين اللبنانيّ والإسرائيليّ، بما في ذلك استخدام قواتٍ أميركيّةٍ على الأرض. وأوضح أن قائد القيادة المركزية لن يتولى دورًا مباشرًا في مراقبة أيّ من الطرفين، لكن مسؤولين في "سنتكوم" سيبلغون إدارة ترامب بأيّ انتهاكاتٍ حتى تتدخل بدورها. وعليه، يَصْعُبُ حسمُ الطريق الذي سيتخذه "اتفاق الإطار"، لا سيّما أن تلّ أبيب ليست في وارد التنازل بسهولة، ما أكده وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي لفت إلى أنه "لن يكون هناك أي انسحابٍ آخر بعد المنطقتين التجريبيتين في جنوب لبنان حتى يُنزع سلاح حزب الله". ولا تزال البنود التي اتُفِقَ عليها تشهد نوعًا من البلبلة والضبابيّة، فغصّت وسائل الإعلام الإسرائيليّة والدوليّة بموجةٍ من التسريبات المتعلقة بما يُعرف بـ"الملحق الأمنيّ السريّ" ضمن الاتفاق الإطاريّ بين إسرائيل ولبنان من دون معرفة حقيقة الأمر، وسط صمتٍ لبنانيٍّ رسميّ. وتحدثت البنود "المسربة" عن احتفاظ الجيش الإسرائيليّ بحريةٍ كاملةٍ في التحرك ضد ما يصفها بالتهديدات داخل المنطقة الأمنيّة. في حين نقلت صحيفة "هآرتس" عن مصدرٍ عسكريٍّ مُطلعٍ قوله إن الملحق العسكري المرفق بالاتفاق الإطاري "عام إلى حدٍّ كبيرٍ"، ولا يتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا لنزع سلاح "حزب الله"، أو لانسحاب القوات الإسرائيليّة، كما لا يحدّد بدقةٍ المناطق التي ستُنَفَذُ فيها الخطوات الأولى.
وفي انتظار توضيحٍ لبنانيٍّ يضع النقاط على الحروف، استمرت القوات الإسرائيليّة في خرق اتفاق وقف النار. فتعرّضت بلدة دير سريان إلى غارةٍ من دون ذكر وقوع خسائر بشرية أو مادية. هذه الأحداث اللبنانيّة تترافقُ مع الإعلان عن زيارةٍ رسميّةٍ لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت يوم الخميس المقبل، بحسب ما كشف موقع المدن. وتكتسب الزيارة أهميةً خاصةً، إذ تأتي بعد المواقف التي أعلنها الرئيس السوري أحمد الشرع، والتي شدّد فيها على حرص دمشق على إقامة أفضل العلاقات مع لبنان، ورفض أي تدخلٍ عسكريٍ بعد تصريحات ترامب المتكرّرة في هذا الإطار. وتحاول دمشق لعب دورٍ متوازنٍ بهدف نسج علاقاتٍ سويةٍ بعيدًا عن تداعيات الماضي، وهو تمامًا ما يمكن الاستدلال عليه من خلال زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، أمس الاثنين، إلى العاصمة السورية، في أول زيارةٍ رسميّةٍ منذ الإطاحةِ بنظامِ الأسد نهاية عام 2024. وتخطو بغداد خطواتٍ كبيرةً في إطار استعادة الشرعيّة، إذ أعلنت أنها ستُمهل الجماعات المُقرّبة من طهران حتّى 30 أيلول/سبتمبر لتسليم سلاحها للدولة، وهو يصادف موعد انتهاء مهمة التحالف الدوليّ لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، الذي تتمسك بعض الفصائل بسلاحها بحجّة وجوده. ويتناسق هذا الإعلان مع الزيارة المرتقبة في منتصف تموز/يوليو لرئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن، والتي ستكون الأولى له إلى الخارج منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي وتعهّده حصر سلاح الجماعات التي تصنّفها واشنطن "إرهابيةً"، وسط ضغوطٍ أميركيّةٍ متزايدة.
في الشأن الفلسطينيّ، أفادت "هيئة البث الإسرائيليّة" أن الولايات المتحدة سلّمت إسرائيل وثيقةً تتضمن المضي في إعادة إعمار قطاع غزّة، حتى من دون نزع سلاح حركة "حماس". وبحسب التقرير، تتضمن الوثيقة بنودًا تُلزم إسرائيل بالسماح بتنفيذ مشاريع بنيةٍ تحتيةٍ في قطاع غزّة، تشمل المياه والكهرباء وغيرها، في مناطق لم تُحدَّد بعد. فضلًا عن نقل السكان من المناطق الخاضعة لسيطرة "حماس" إلى مناطق تقع ضمن مسؤولية مجلس السلام بحلول نهاية عام 2026. ويترافق هذا الكشف، الذي لم تُعلِنُ تلّ أبيب موقفها منه، مع التصعيد الميدانيّ المستمر، فسُجِّلَ سقوط 8 شهداء وإصابة عشرات آخرين في هجمات للاحتلال، في حين كشف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش استكمال ما أسماه الاستعدادات لإقامة 3 مستوطنات في القطاع، بانتظار موافقة نتنياهو، داعيًا إلى استكمال احتلال غزّة بأكملها. دوليًا، سخِر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من إخفاق روسيا في بسط السيطرة على إقليم دونباس. واعتبر أن حديث نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين يُظهر أنه منفصل عن أحوال الشعب الروسيّ، الذي يواجه طوابير أمام محطات الوقود بسبب ضربات كييف على المنشآت النفطيّة.
وفي الفقرة الصباحيّة الخاصة بالصحف، أبرز ما تناولته:
اعتبرت صحيفة "عكاظ" السعودية أن "القلق الخليجي مبررٌ بالكامل، لأن أي اتفاق يتجاهل ملف المليشيات، أو يمنح طهران سيولة مالية ضخمة من دون ضمانات صارمة، قد يتحوّل إلى وقود جديد لعدم الاستقرار، والتاريخ القريب يقول إن الأموال التي يفرج عنها لإيران لا تنعكس غالبًا على الداخل الإيراني بقدر ما تتسرّب إلى ساحات الصراع وتسليح المليشيات". وتابعت أنه "ربما لا تزال هناك بنود سرية في الاتفاق الموقع بين واشنطن وطهران ولم تتضح بعد، وربما تكون القراءات الحالية متعجلة، وربما تحمل الأيام المقبلة تفاصيل مختلفة، لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة خطيرة وحسّاسة، حيث لم يعد السؤال: هل هناك اتفاق؟ بل: لمن كُتب هذا الاتفاق، ومن سيدفع ثمنه؟!".
صحيفة "الغد" الأردنية، من جانبها، رأت أن "إيران تستثمرُ ذكاءها التفاوضي لاستغلال الوقت، فهي لا تريد اتفاقًا سريعًا، بل تريد إطالة المفاوضات بقدر ما تسمح به النصوص، وتراهن استراتيجيتها على عبور إدارة ترامب وقدوم إدارة أقل تشددًا، وفي الأثناء، تحصل على الأموال، وتعيد بناء آلتها العسكرية، وتحسّن اقتصادها وشرعية النظام، فكل شهر إضافي من المفاوضات مكسب استراتيجي لها". وأضافت: "لكن المقلق ليس براعة إيران في تفسير نصوص المذكرة، بل الغاية الإقليمية لبعض هذه التفسيرات، فالغاية الظاهرة من توظيف مضيق هُرمز هي الضغط على المفاوضين، لكن جوهرها تحويل المضيق من ممر دولي عابر إلى ممر تهيمن عليه إيران، وكذلك تفسير الانسحاب الأميركي من محيط إيران، الذي تفترض طهران أنه يشمل دول الخليج، فتربط أمنها بإيران لا بما تختاره من تحالفات، وفي لبنان، يزداد الاعتراف بأن "حزب الله" امتداد رسمي للحرس الثوري، وهو ما يجعل النفوذ الإيراني جزءاً من النظام الإقليمي الجديد".
وعن لبنان، كتبت صحيفة "الأهرام" المصرية أن "الاتفاق يرتكز في بند رئيسي منه على صياغة آلية جديدة متمثلة في المناطق التجريبية في الجنوب، كخطوة أولى تضمن انسحاب القوات الإسرائيلية مقابل منح الجيش اللبناني الصلاحية الحصرية والمطلقة لإدارة الملف الأمن وبسط سيادة الدولة ونزع أي مظاهر مسلحة، مدعومًا بوعود وضمانات أميركية ودولية صارمة لتقديم دعم مالي وعسكري فوري لتمكين المؤسسة العسكرية". وشدّدت على أن "خطورة المشهد الراهن تكمن في خطر انزلاق البلاد نحو مواجهة داخلية، حيث يبدو لبنان اليوم واقفًا حائرًا بين فكي كماشة من جهة، هناك التزامات دولية وتعهدات رسمية أُبرمت فى واشنطن تفرض واقعًا أمنيًا جديدًا جنوب النهر، ومن جهة أخرى، هناك واقع ميدانى محتقن وشارع يغلي بالاحتجاجات والرفض المسلح. وفى نهاية المطاف، سيعتمد نجاح هذا الاتفاق الإطاري في صياغة مستقبل مستقر للبنان على مدى قدرة القوى السياسية والعقلاء في بيروت على إدارة هذا التناقض الحاد بحكمة، وتغليب منطق الدولة ومصلحة الشعب الذي أنهكته الحروب، لتجنب الدخول في نفق مظلم جديد من الفوضى والاقتتال الداخلي".
(رصد "عروبة 22")

